اللون كمناخ في أعمال الفنان جهاد أبو سليمان

حين يتحول المشهد الطبيعي إلى تأمل

اللون كمناخ في أعمال الفنان جهاد أبو سليمان

أقامت صالة "أورورا" في أمستردام، معرضا للفنان التشكيلي اللبناني المغترب جهاد أبو سليمان، حمل عنوان "أسرار الماء" وضم مجموعة كبيرة من الأعمال، منها ما اختاره الفنان من إنتاج عام 2025، ومنها ما هو من أعمال هذا العام. يبلغ عدد اللوحات 31 لوحة، وهي منفذة بمادة الأكريليك على القماش، والأكريليك على الخشب.

الماء لونا ورائحة

"روحي من ماء ونسيم"، هكذا يقدم أبو سليمان نفسه من خلال الكلمة التي رافقت معرضه الجديد. المطلع على مجمل أعماله الفنية منذ أكثر من ثلاثين سنة، وتلك التي خص بها المعرض الجديد، سيدرك أن لا مبالغة في ما يقوله. فالماء هو الرئة التي تتنفس بها لوحاته الخضراء بروحها ونسائمها مهما تعددت الألوان وتدرجاتها.

كثر من الفنانين يرسمون أحوال الطبيعة بوصفها عابرة ومتبدلة تبعا للمناخ. أما أبو سليمان، فينتمي إلى فئة الفنانين الذين لا يمنحون "المناخ" بمعناه العلمي أهمية أولية. فهو لا يتعامل معه كظاهرة طبيعية فحسب، بل يراه حالة مستمرة تعبر الفصول جميعها.

فهو، في منظوره الشخصي، روح الطبيعة، هو رطوبتها التي تفوح منها روائح الأعشاب والأشجار المتشابكة بكثافة. بعضها ينمو قرب الأنهار والبحيرات، وبعضها الآخر يصعد نحو السماء ليتبلل برحيق غيمة عابرة من غيومه المشبعة بأشعة شمس الغروب أو الصباح، أو ليتلوح ببرودة رياح رمادية.

يصعب تحديد نوع كل شجرة أو نبتة في لوحات الفنان، لأنها امتصت رطوبة المكان وحولته إلى مادة حسية ملموسة، لا يمكن تأطيرها ضمن تصنيف بعينه، حتى وإن كان بعضها يحمل شبها بالسنديان أو السرو. تندرج الفصول الأربعة ضمن هذه المنظومة، فيبدو أن المشاهد الطبيعية تحتضن نفحات بعضها بعضا، لذلك تستشعر بوصفها خارج الزمن، وربما خارج مكان محدد. فالسماء، في عدد من لوحاته، تتخلى عن فراغها، إذا صح التعبير، لتصبح أرضا موازية للأرض الدنيا، تصبح مسكنا لجذوع الأشجار وأوراقها، وللبيوت ذات السطوح القرميدية.

أريد للوحتي أن تكون فعالة، متمردة، متماسكة وغضة، كفاكهة لم تنضج تماما بعد

وفي لوحات أخرى، تحتفظ الأرض بالضوء كذكرى، لا كعامل طبيعي يسلط إشعاعه على الأشكال ليحدد ملامحها. وعند سؤالنا عن منطق الطبيعة في أعماله، أجاب الفنان: "منذ طفولتي نشأت على ملاحظة الجمال وسط الأشياء العملية، وعلى تخزينه من منابعه المباشرة. حين أنظر إلى الطبيعة لا أراها من منظور عملي، فلا يهمني كثيرا إن كان اليوم ماطرا أم مشمسا، بل أميل إلى التأمل في تفاصيلها، كأنني طفل يغذي نظره وروحه بمشاعر نابضة وجميلة. إن إظهار الجمال مهم جدا في لوحاتي، لكن الأمر لا يقتصر على ذلك. أريد للوحتي أن تكون فعالة، متمردة، متماسكة وغضة، كفاكهة لم تنضج تماما بعد، تحتفظ بطعمها الأول وقوتها الكامنة".

لوحة لجهاد أبو سليمان

الضوء الكامن

الضوء دهشة متواصلة في قلب الفنان وعينه. هو فلسفة بصرية اعتمدها في لوحاته، حتى في تلك التي يخفت فيها إيقاعه، تماما كما يرتد الماء المالح ببطء وهدوء عن الحفر الرملية الملاصقة للبحر. ويحضر أحيانا كأنه مادة ملموسة، تحمله ذرات البخار المتصاعد من الحقول المرسومة، المشبعة برطوبة الأرض ومركبات التراب وحرارته. هذه الدهشة أمام الجمال عموما، وأمام الضوء خصوصا، هي المحرك الأساس في عمله. يقول: "أرسم بعفوية وفرح ودهشة طفل، ولكن أيضا بمعرفة ناضج ملم بالتقنيات الفنية ومدعم بالتجارب الحياتية. من خلال عملي الفني لا أنكر الأوجاع ولا أتغاضى عن البشاعة، بل أجعل لوحتي موقفا متمردا عليها، لإيماني بأن الفن صرخة أخيرة في وجه الموت. لبنان، هذا الوطن الذي عشقته منذ طفولتي في قريتي مجدلونا، هو مخزن المشاعر والوحي والجمال، لكنه أيضا مزدحم بالبشاعة والحزن. الحقيقة أن الأرض في بداياتها لم تكن مسكنا مناسبا للإنسان، ثم تطورت لتصبح جنة أرضية. بعدها جاءت وحشية الإنسان فحولتها إلى مكان جحيمي. ومع ذلك، ما دامت الأرض لا تزال تحتضن حالات مضيئة، فعلى الإنسان أن يعيش فصولها، وأن يؤمن بأنه، رغم كل الظلال، سينبثق النور من جديد. الضوء في لوحاتي لا يظهر كما في اللوحات الكلاسيكية أو الانطباعية، حيث يكون مصدره الشمس أو القمر، بل ينبثق من اللوحة ذاتها. ينبع من الأرض. فالأرض مقدسة، هكذا أرى أرض لبنان، وهكذا أصورها في لوحاتي".

من لوحات جهاد أبو سليمان

خفة الجاذبية

في مناظر جهاد أبو سليمان الطبيعية، لا نواجه الطبيعة بوصفها مشهدا بل بوصفها مناخا. الأشكال لا تفرض نفسها، بل تتبدد. الأشجار تذوب في الهواء، والجبال تتنفس في اللون، وتبدو اللوحة مشبعة بكثافة تكاد تكون شمية، كأن الصعتر والصنوبر والتراب الرطب معلقة خفيا داخل طلاء ألوانه. ليست دقة الأنواع هي المهمة، بل الإحساس بحضورها. ومع ذلك، داخل هذا التبدد ثمة بنية. البيوت، والأشجار، والتلال تبدو كأنها مشدودة بخيوط غير مرئية إلى أعلى اللوحة. الجاذبية تبدو كأنها تأخذ فرصة راحة من دورها، فتلين دون أن تتبدد، وتتحاشى الفوضى كما في بعض اللوحات السوريالية.

يشعرنا المشهد الطبيعي في لوحات أبو سليمان بأنه أعيد تحجيمه برفق، فبات منضغطا نحو السطح، صاعدا بدل أن يتراجع. العمق لا يلغى، بل يعاد تخيله. العالم لا يمتد بعيدا عنا، بل يتجمع ويرتفع كالبخار أو كالرطوبة المشحونة بالدفء المتوسطي صعودا إلى الأعلى.

لبنان مخزن المشاعر والوحي والجمال، لكنه أيضا مزدحم بالبشاعة والحزن

اللون يعمق هذا التحول الهادئ. يسود الأزرق والأخضر، وهما تقليديا لونان مرتبطان بالبرودة، ولكن لا برودة تنبعث منهما في لوحاته المخملية. الشتاء والصيف يتقاسمان الدفء ذاته. فمناخ هذه اللوحات ليس فصليا ولا أرصاديا. إنه عاطفي. اللوحة الباردة تحمل حرارة داخلية، كأن يدور داخل المشهد بدلا من أن يشع عليه: المناخ يتبدد، الأشكال تصعد، والألوان الباردة تدفأ من الباطن.

في هذا التوازن الرقيق، لا تبدو الطبيعة عابرة ولا ثابتة. إنها حالة معلقة، مكان تتراخى فيه قبضة الجاذبية والفصل والتحديد. وما يبقى تأمل في الحضور: عالم المرئي يلطف ويرفع ويجعل متوهجا من دون أن يحتاج إلى الصراخ.

عمل لجهاد أبو سليمان

بين أربعة عوالم

يخبرنا الفنان أن رغبته في العودة إلى حضن الطبيعة اللبنانية، وإلى مجدلونا، عارمة جدا، "ولكن الظروف تأتي عكس ما تشتهي السفن. بنيت منزلا وسط بستان الزيتون في قريتي، والطابق الثاني منه عبارة عن محترف واسع أعمل فيه حين أكون في لبنان، الذي كنت أزوره من فترة إلى أخرى قبل أن أنقطع عنه سنة 2023 بسبب تتالي الأزمات واشتدادها".

لبنان، بكل تأكيد، يسكن قلب الفنان طوال فترة عيشه في بلد الاغتراب. لكن لا بد من التأمل في تجربته المتنوعة الروافد. فالعيش لعشرين سنة في هولندا أتاح للفنان التعرف الى المشهد الطبيعي والسماء الهولندية، المعروفة بضوئها المنتشر، ذلك الضوء المنخفض، والآفاق الملبدة، والأجواء الضبابية التي التقطها أساتذة الرسم الهولنديون. أغلب الظن أن الطبيعة الهولندية أثرت في الكثافة الضبابية لأعماله وفي نوعية الضوء المحتوى والمنبثق من الداخل.

غالبا ما تضغط المناظر الطبيعية الهولندية الفضاء، وتسطح المنظور، وتبرز المستويات الأفقية أو الصاعدة برفق. وربما يفسر ذلك الإحساس بأن الأشكال في لوحاته تنجذب صعودا بخفة، كنوع من إعادة التنظيم المكاني الذي يذكر بتقاليد الرسم في شمال أوروبا.

ولا تخرج ألوان الفنان عن منطق التأثر بالمشهد الطبيعي الهولندي والمشهد اللبناني، لا سيما في قريته. فهي تجمع بين البرودة والدفء، فتبدو كأنها تفاوض داخلي بين حساسيته اللبنانية الغنية بالألوان الدافئة والنابضة، وبين البيئة الشمالية الأوروبية، التي تحمل برودة وملامح غامضة.

من أعمال جهاد أبو سليمان

ينطبق هذا السياق أيضا على كون الفنان لا يستمد اللوحات التي يؤلفها من مشاهد طبيعية يراها أمام عينيه فحسب، إنما أيضا من مشاهد خيالية تنمو في مخيلته. وعند سؤالنا حول ما إذا كان يرسم من الخيال أو من الواقع، أجاب جهاد أبو سليمان: "الحقيقة أن ما أرسمه هو مزيج من الاثنين. عندما أكون بعيدا عن المحمية الفنية التي أستلهم منها، وهي لبنان، طبيعة لبنان بشكل عام، أو الطبيعة حول مجدلونا، أمزج أحيانا ذكريات محددة وانطباعات عامة، لتكوين يشبه التكوين الموسيقي. فبيتهوفن في سمفونيته السادسة، لم ينقل ببساطة أصوات العصافير، لكنه خلق من أصوات العصافير ألحانا ورياحا وعواصف، وما إلى ذلك. لأن الفن، سواء في الموسيقى أو الشعر أو الرسم، ليس نقلا حرفيا، بل إيحاء".

تجربة تأملية تتنفس وتهتز داخل اللوحة، كأن كل عنصر فيها يحمل جزءا من الذاكرة والحياة والهواء وأسرار الماء

في المحصلة، يحول جهاد أبو سليمان المشهد الطبيعي إلى تأمل. الطبيعة مضغوطة لكنها متسعة، راسخة لكنها خفيفة. الأشكال تذوب، الفصول تتداخل، والجاذبية تلين. لا يدعى المتلقي إلى المشاهدة فحسب، بل إلى الإقامة، إلى اختبار عالم يصبح فيه اللون مناخا، والمناخ ذاكرة، والرسم تأملا هادئا في الإدراك والحضور. عالم لا يدعو المشاهد إلى المشاهدة فقط، بل إلى الإقامة، حيث تنتظره تجربة تأملية تتنفس وتهتز داخل اللوحة، كأن كل عنصر فيها يحمل جزءا من الذاكرة والحياة والهواء وأسرار الماء وتجلياتها في شرايين كل ما هو حي.

font change