هل ينجح قطار التكامل الاقتصادي الخليجي في مغادرة المحطة؟

من الكويت إلى عُمان، السكة الحديد الخليجية تستعد لكتابة فصل جديد من التكامل

المجلة
المجلة

هل ينجح قطار التكامل الاقتصادي الخليجي في مغادرة المحطة؟

بدأت دول مجلس التعاون الخليجي التفكير في إنشاء شبكة سكك حديد مشتركة منذ ثمانينيات القرن الماضي ضمن مساعي تعزيز التكامل الاقتصادي بين دولها، إلا أن المشروع اكتسب طابعه الرسمي في عام 2009 عندما أقرّه قادة المجلس خلال قمة الكويت. ومنذ ذلك الحين، تعاقبت الدراسات والخطط التنفيذية بهدف ربط الدول الست عبر شبكة تمتد لأكثر من 2100 كيلومتر، لنقل الركاب والبضائع وتعزيز التجارة البينية، وسط تأجيلات متكررة قبل أن يتجدد العمل في صدد استكمال المشروع، وإنشاء هيئة السكك الحديد الخليجية لتنسيق تنفيذ المشروع في عام 2021 .

وبين عامي 2024 و2026، شهد المشروع زخما جديدا، مع تسارع تنفيذ المشاريع الوطنية المرتبطة به، فيما أعلنت الهيئة الخليجية أن الموعد المستهدف لإنجاز الربط الكامل أصبح نهاية عام 2030.

يتيح المشروع التنقل بين مدن ومناطق دول المنطقة بيسر وبأنظمة سكك حديد حديثة الطراز. ويسهل مشروع سكة حديد دول مجلس التعاون السفر للأفراد، فضلا عن نقل السلع والبضائع بشكل كفوء، بما يعزز الإمدادات ويربط بين مراكز التصدير والاستيراد.

تعكس موافقة السعودية على الاتفاقية العامة للسكة الحديد الخليجية انتقال المشروع من مرحلة التفاهمات السياسية إلى مرحلة الالتزام القانوني والتنفيذي، بما يعزز فرص المضي قدما في الربط الحديدي بين دول مجلس التعاون

وقد تأكدت الحاجة لآليات السكك الحديد بعد نشوب الحرب الأخيرة وضغط إيران على دول الخليج من طريق إغلاق مضيق هرمز، الممر البحري الأساس الذي تعتمده هذه الدول في حركة التصدير النفطي والغازي. كما أنه ممر إمدادات السلع والبضائع المستوردة التي تشمل المواد الغذائية المتنوعة والسلع المعمرة الرئيسة.

تمكنت السعودية وعمان، وإلى درجة كبيرة الإمارات، من تجاوز الاختناقات الناتجة من إغلاق مضيق هرمز لأسباب تتعلق بطبيعتها الجغرافية وتوفر منافذ بحرية بعيدة عن مضيق هرمز. لكن الأزمة، أكدت أهمية ربط دول الخليج بالبنية التحتية في السعودية، بشكل أساس، للتمكن من إنجاز أعمال التصدير، بأشكاله كافة، بالإضافة إلى توفير المستوردات السلعية المتنوعة.

لماذا تأخر تنفيذ المشروع؟

على الرغم من الآمال الكبيرة المعقودة عليه، تأخر تنفيذ مشروع سكة حديد دول الخليج نحو 17 عاما. وهو لم يتأخر بسبب عامل واحد، بل نتيجة مجموعة من التحديات المتداخلة.

وقد ذكرت وحدة الاستخبارات الاقتصادية (EIU) أن الموعد الأصلي لإنجاز المشروع في عام 2018 "لم يتحقق إلى حد كبير نتيجة لهبوط أسعار النفط بين عامي 2014 و2016، الذي زاد الضغوط المالية على اقتصادات دول الخليج المعتمدة على صادرات النفط". وأدى هذا التراجع إلى إعادة ترتيب أولويات الإنفاق الحكومي في بعض الدول، وتأجيل مشاريع البنية التحتية الكبرى. كما تفاوتت وتيرة التنفيذ بين الدول الأعضاء، إذ مضت بعض الدول في تطوير شبكاتها الوطنية بينما فضّلت أخرى انتظار جاهزية الدول المجاورة قبل استكمال المقاطع العابرة للحدود.

أ.ف.ب
قطار الحرمين فائق السرعة الذي يربط مدينة مكة بالمدينة، 12 ديسمبر 2019

وإلى جانب ذلك، واجه المشروع عقبات فنية وتنظيمية مرتبطة بتوحيد المعايير التشغيلية، وتحديد مسارات الخطوط، وتجاوز تحديات الاستملاكات والبنية التحتية القائمة في بعض الدول. ورغم هذه التأخيرات، أعادت دول المجلس إحياء المشروع عبر إنشاء الهيئة الخليجية للسكك الحديد عام 2021، واعتماد ديسمبر/كانون الأول 2030 موعدا مستهدفا لتشغيل الشبكة الخليجية بشكل كامل.

نصف مقومات المشروع قائمة

على الرغم من أن مشروع السكة الحديد الخليجية لم يكتمل بعد، فإن عددا من مكوناته الرئيسة أُنجز أو دخل مراحل متقدمة من التنفيذ. فقد أنجزت الإمارات الجزء الأكبر من شبكة "قطار الاتحاد"، التي تمتد عبر الدولة وتستخدم بالفعل لنقل البضائع، مع الاستعداد لإطلاق خدمات نقل الركاب.

تمتلك المملكة شبكة سكك حديد عاملة تشمل خطوط الشمال والشرق وقطار الحرمين، فيما بدأت إجراءات تنفيذ المقاطع المرتبطة بالربط الخليجي

وبدأت الشركة تشغيل أولى مراحل الشبكة عام 2016 عبر خط بطول 264 كيلومترا لنقل الكبريت من شاه وحبشان إلى ميناء الرويس، قبل أن تنطلق أعمال التوسعة في عام 2020. وفي فبراير/شباط 2023، دشنت الإمارات شبكة السكك الحديد الوطنية الممتدة لنحو 900 كيلومتر، التي تربط الإمارات السبع من الغويفات إلى الفجيرة، بالتزامن مع إطلاق خدمات نقل البضائع على مستوى الدولة، بما يوفر حلولا لوجستية أكثر كفاءة وأمانا واستدامة. وتأمل الإمارات أن تبلغ سعة الشحن عبر الخط 60 مليون طن من البضائع في حلول عام 2030.

وفي أبريل/نيسان الماضي، أعلنت شركة "حفيت للقطارات"، المشروع المشترك بين "قطارات الاتحاد" و"قطارات عُمان" و"مبادلة"، إنجاز 40 في المئة من أعمال مشروع الربط السككي بين الإمارات وسلطنة عُمان. ويمتد الخط لمسافة 238 كيلومترا، ويهدف إلى تعزيز التجارة والتكامل الاقتصادي بين البلدين من خلال تطوير منظومة نقل ولوجستيات أكثر كفاءة ومرونة.

أ.ف.ب
ميترو يعبر مدينة دبي، 8 سبتمبر 2010

وتتواصل الأعمال الإنشائية في مواقع عدة على طول المسار، الذي يمر عبر مناطق حضرية وصناعية وتضاريس معقدة، مما يستدعي تنفيذ حلول هندسية متقدمة تشمل الجسور والأنفاق وأنظمة الحماية من الفيضانات.

أما الكويت، فقد أعادت مشروع الربط السككي مع السعودية إلى مسار التنفيذ بعد اعتماد المجلس البلدي، في مايو/أيار الماضي، المخطط التنظيمي وحرم المسار، في خطوة تمثل المرحلة الأولى لربط البلاد بالشبكة الخليجية الموحدة. ويمتد الخط المقترح بطول 85.8 كيلومترا من الحدود الجنوبية مع السعودية إلى منطقة الشدادية، ضمن مشروع أوسع يهدف إلى تعزيز حركة التجارة والخدمات اللوجستية والتكامل الاقتصادي بين دول مجلس التعاون.

ويُنظر إلى المشروع بوصفه ركيزة لدعم رؤية الكويت 2035 وترسيخ مكانتها كمركز لوجستي إقليمي، في وقت استعادت فيه مشاريع الربط الخليجي زخما جديدا مدفوعة بتنامي أهمية سلاسل الإمداد وتطوير الموانئ والمناطق الاقتصادية في المنطقة.

وفي السعودية، تمتلك المملكة شبكة سكك حديد عاملة تشمل خطوط الشمال والشرق وقطار الحرمين، فيما بدأت إجراءات تنفيذ المقاطع المرتبطة بالربط الخليجي. كما طرحت الشركة السعودية للخطوط الحديدية "سار" مناقصات لتحديث التصاميم واستكمال الأعمال الهندسية للمقطع السعودي من الشبكة، الذي يُعد محورا رئيسا يربط الكويت شمالا بالإمارات والبحرين جنوبا وشرقا.

رفعت دراسات وتقارير حديثة التكلفة الإجمالية المتوقعة إلى نحو 250 مليار دولار عند احتساب الشبكات الوطنية المرتبطة بالمشروع والاستثمارات المصاحبة في المحطات والمرافق اللوجستية والبنية التحتية المساندة

وفي 19 مايو/أيار الماضي، أقرّ مجلس الوزراء السعودي، برئاسة الملك سلمان بن عبد العزيز، تطبيق قرار المجلس الأعلى لدول مجلس التعاون الخليجي الصادر عن قمته السادسة والأربعين في البحرين، والمتعلق باعتماد الاتفاقية العامة لمشروع السكة الحديد الخليجية، في خطوة تعزز الإطار القانوني والتنظيمي للربط بين دول المجلس. يعني هذا القرار أن السعودية صادقت رسميا على الإطار القانوني والتنظيمي الموحد لمشروع السكة الحديد الخليجية، تمهيدا للانتقال من مرحلة التفاهمات السياسية إلى مرحلة التنفيذ العملي للربط العابر للحدود. وبذلك، ينتقل المشروع من مرحلة التخطيط والتنسيق العام إلى مرحلة أكثر تقدما من الالتزام القانوني والتنفيذي، ويعكس وجود إرادة سياسية متجددة لدفع المشروع الذي واجه تأخيرات على مدى سنوات.

كشف وزير النقل والخدمات اللوجستية السعودي صالح الجاسر أن دراسة مشروع الربط السككي بين السعودية وتركيا، مرورا بالأردن وسوريا، ستُستكمل قبل نهاية العام الجاري. وأوضح أن المشروع سيعزز التكامل الإقليمي وحركة التجارة والنقل البري المستدام، مستفيدا من امتداد شبكة السكك الحديد السعودية الحالية إلى منفذ الحديثة على الحدود الأردنية، بما يمهد لتوسيع الربط نحو الأردن وسوريا وصولا إلى تركيا.

سفن ترسو في مضيق هرمز، 8 يونيو 2026

ووفقا لتصريحات الهيئة الخليجية للسكك الحديد في عام 2026، فقد تجاوزت نسبة الإنجاز الإجمالية للمشروع الخليجي المشترك 50 في المئة.

تكاليف كبيرة لكن العائدات بالغة الأهمية

تفاوتت تقديرات تكلفة مشروع السكة الحديد الخليجية على مدى السنوات الماضية، إذ أشارت التقديرات الأولية إلى أنها تتراوح بين 15 و25 مليار دولار، فيما رفعت دراسات وتقارير حديثة التكلفة الإجمالية المتوقعة إلى نحو 250 مليار دولار عند احتساب الشبكات الوطنية المرتبطة بالمشروع والاستثمارات المصاحبة في المحطات والمرافق اللوجستية والبنية التحتية المساندة. وتتحمل كل دولة من دول مجلس التعاون تكلفة تنفيذ الجزء الواقع ضمن حدودها وفقا لطول المسارات ومتطلبات التنفيذ المحلية.

في المقابل، قد يطرح عدد من الاقتصاديين ومسؤولي الإدارات المالية الحكومية تساؤلا حول قدرة دول الخليج، التي تواجه مشكلات ناتجة من الحرب وتراجع الإيرادات النفطية خلال هذا العام، على إيجاد الأموال الكافية لتنفيذ المشروع حسب برنامج المراحل المحددة. لكن هذا المشروع يمثل أحد أهم أركان مواجهة المصاعب التي تأتت من الحرب وغلق مضيق هرمز، وهو بذلك يستحق الأولوية في الإنفاق في كل دولة خليجية. إلا أن الطموحات التي تقف وراء المشروع تبقى ذات أهمية وهي طموحات تهدف إلى تعزيز مسار التنمية والربط بما يسهم فعليا في عملية التكامل الاقتصادي المنشودة.

العوائد لا تقتصر على إيرادات نقل الركاب والبضائع، بل تمتد إلى مكاسب اقتصادية أوسع تشمل خفض تكاليف النقل والشحن، وتقليص زمن انتقال السلع بين دول المجلس، وتعزيز التجارة البينية وسلاسل الإمداد الإقليمية

فالعوائد لا تقتصر على إيرادات نقل الركاب والبضائع، بل تمتد إلى مكاسب اقتصادية أوسع تشمل خفض تكاليف النقل والشحن، وتقليص زمن انتقال السلع بين دول المجلس، وتعزيز التجارة البينية وسلاسل الإمداد الإقليمية.

وأشارت دراسة صادرة عن مرصد البحوث والدراسات في الشرق الأوسط إلى أن المشروع يمكن أن يؤدي إلى زيادة التجارة البينية الخليجية، التي لا تتجاوز حاليا نحو 10 في المئة من إجمالي صادراتها. ويُعد هذا المستوى منخفضا مقارنةً بتكتلات اقتصادية أخرى، مثل الاتحاد الأوروبي، حيث تتم أكثر من نصف المبادلات التجارية في السلع والخدمات بين الدول الأعضاء داخل التكتل نفسه.

أ.ف.ب
قطار في منطقة المرفأ الصناعية، الإمارات 1 أبريل 2021

ستتوصل دول الخليج إلى ذلك من خلال تحسين الربط بين الموانئ والمراكز الاقتصادية وتعزيز القدرة التنافسية الإقليمية، فضلا عن دعم استراتيجيات التنويع الاقتصادي. ويُتوقع أن يدعم المشروع نمو القطاعات اللوجستية والصناعية والسياحية، ويخلق فرص عمل جديدة، ويعزز جاذبية المنطقة للاستثمارات المرتبطة بالنقل والخدمات.

ومن الناحية الاستراتيجية، يمكن أن يسهم الربط الحديدي في ترسيخ مكانة الخليج كمركز تجاري ولوجستي يربط بين آسيا وأوروبا وأفريقيا.

تحديات تواجه دول الخليج

هل يمكن أن نتصور أن شبكة السكك الحديد الموحدة ستصبح واقعا حيا حتى نهاية عام 2030، كما هو مخطط لها دون عراقيل أو تحديات؟

في طبيعة الحال، كل المشاريع الاستراتيجية تعترضها التحديات والمشاكل. وإذا كان الخليجيون يهدفون لتحقيق هذا العمل الاستراتيجي الكبير فلا بد أن يبدأوا بتذليل القوانين والأنظمة الخاصة بالرسوم الجمركية والإدارة في المنافذ والموانئ وتسهيل التوافق بين القوانين والأنظمة الحاكمة في كل دولة خليجية.

كذلك يتعين صوغ أنظمة التمويل وتحديد الميزانيات المحددة للمشروع في كل دولة خليجية، إذ أن الشبكة ستمتد على مسافات طويلة وفي مناطق صحراوية شاسعة، فيتعين ضبط مسائل الأمان والسلامة والصيانة وتحديد الإجراءات الأمنية المناسبة لتسهيل السفر والإمدادات.

font change

مقالات ذات صلة