تصدير الذكاء الاصطناعي العسكري الأميركي لن يكون مهمة سهلة

لدى القوى الوسطى خيارات أخرى... ولمختبرات الذكاء الاصطناعي حساباتها الخاصة

تصدير الذكاء الاصطناعي العسكري الأميركي لن يكون مهمة سهلة

تتسابق القوى الوسطى لشراء تقنيات الذكاء الاصطناعي وإدماجها في منظوماتها العسكرية. أعلنت أغلب الدول التي تصنف عادة ضمن هذه الفئة عن صفقات لاقتناء الذكاء الاصطناعي العسكري أو تطويره. وحتى الآن، لا تزال معظم هذه الصفقات محصورة في تطبيقات محدودة، مثل الرؤية الحاسوبية للطائرات المسيرة وأنظمة الاستهداف. غير أن قرار "أنثروبيك" حجب نموذجها "ميثوس" بسبب قدراته في الهجمات السيبرانية يكشف أن التداعيات العسكرية للنماذج العامة المتقدمة، التي تطورها كبرى المختبرات الأميركية والصينية، لم تعد أمرا يمكن تجاهله.

وتحظى الجهة التي ستحصل منها جيوش القوى الوسطى على تقنيات الذكاء الاصطناعي باهتمام مشترك بين الحزبين في واشنطن. فـ"خطة عمل الذكاء الاصطناعي" الصادرة عن البيت الأبيض تصف تصدير النماذج الأميركية إلى الحلفاء والشركاء بأنه "ضرورة ملحة"، محذرة من أن التقاعس عن ذلك سيدفع دولا أخرى إلى "الارتماء في أحضان منافسينا"، وفي مقدمتهم الصين. وفي هذا السياق، تسعى مبادرة "باكس سيليكا" وبرنامج تصدير الذكاء الاصطناعي في إدارة ترمب إلى تحقيق هذه الأهداف. كما تبنى ديمقراطيون، من بينهم مستشار الأمن القومي السابق جيك سوليفان، حججا مشابهة.

غير أن دولا أخرى باتت أكثر تحفظا إزاء الإفراط في الاتكال على الولايات المتحدة، وهي هواجس قد تتصاعد مع بحث إدارة ترمب إمكانية الاستحواذ على حصص في كبرى مختبرات الذكاء الاصطناعي. كما أن إقناع هذه الدول بتبني الذكاء الاصطناعي الأميركي يطرح تحديات غير مسبوقة في تاريخ تصدير الأسلحة. وستحدد كيفية التعامل مع هذه المخاطر ما إذا كانت التكنولوجيا الأميركية ستغدو الركيزة التي يقوم عليها الجيل المقبل من القوة العسكرية، أم إن نفوذها سيتبدد ويتوزع على مسارات متفرقة.

بشكل عام، تجد الدول نفسها أمام ثلاثة مسارات في تحديد نوع الذكاء الاصطناعي الذي ستبني عليه مستقبلها العسكري، وكيفية الوصول إليه. وستتأثر هذه الخيارات، جزئيا، بتباين وجهات النظر الوطنية حول تعريف الذكاء الاصطناعي، وحجم التحول الذي يمكن أن يحدثه كتقنية، ومدى اقتراب هذا التحول من التحقق.

(أ.ف.ب)
عناصر من مشاة البحرية الأميركية خلال دورة تدريبية لمشغلي الطائرات المسيرة في معسكر شواب بأوكيناوا اليابانية، 20 مايو 2026

يقوم الرهان الأول على أن الذكاء الاصطناعي العام المتقدم، بما في ذلك نماذج اللغة الضخمة الشائعة، المدربة على كميات هائلة من البيانات والمصممة للتعامل مع طيف واسع من المهام، هو ما سيحدد ملامح القوة العسكرية في المستقبل. فمن خلاله يمكن أن تصبح الجيوش قادرة على تطوير مجالات تمتد من العمليات السيبرانية والقيادة والسيطرة، إلى تنسيق الطائرات المسيرة وإدارة الخدمات اللوجستية.

البيت الأبيض يصف تصدير النماذج الأميركية إلى الحلفاء والشركاء بأنه ضرورة ملحة محذرا من التقاعس الذي يدفع دولا إلى الارتماء في أحضان المنافسين

والسبيل الأكثر مباشرة إلى امتلاك هذه التكنولوجيا هو التعاقد مع كبرى مختبرات النماذج المتقدمة: "أوبن إيه آي"، و"أنثروبيك"، و"غوغل ديب مايند"، وهي جميعا شركات أميركية الملكية. وبدأت بالفعل ملامح هذا النوع من الشراكات تتشكل. فأبرمت بريطانيا اتفاقا في مجال الأمن القومي مع "ديب مايند"، وحددت صفقة "أوبن إيه آي" مع أستراليا قطاع الدفاع بوصفه أحد المجالات المستهدفة، فيما يمكن أن يتسع دور "أنثروبيك" في "نظام ميفن الذكي" ليشمل عمليات حلف شمال الأطلسي. غير أن هذه النماذج "مغلقة"، فالمطور يحتفظ بالسيطرة على المعايير التي تحدد سلوك النموذج. وهذا، بطبيعته، يجعل وصول أي جيش إلى الذكاء الاصطناعي مرهونا بعلاقته مع تلك المختبرات، وبعلاقة هذه المختبرات نفسها بواشنطن.

وثمة مقاربة ثانية أكثر تحفظا، تقوم على افتراض أن نماذج الذكاء الاصطناعي العام الأصغر حجما قد تكون كافية لتلبية الاحتياجات العسكرية. ويمكن أن تسعى بعض الدول إلى بناء نماذجها الخاصة. إذ بدأت فرنسا إدماج "ميسترال"، وهي شركة ناشئة تتخذ من باريس مقرا لها، في قطاعات مختلفة من جيشها، فيما تمضي كندا في مسار مشابه مع "كوهير"، وخصصت الهند مليارات الدولارات لترسيخ سيادتها في مجال الذكاء الاصطناعي. وقد تختار دول أخرى التعاون مع مطورين لنماذج مفتوحة، مثل "ميتا" في الولايات المتحدة، أو "ديب سيك" و"علي بابا" في الصين، أو "ميسترال". وتتميز النماذج المفتوحة بأنها متاحة للعامة وقابلة للتحميل، غير أن سياسات الاستخدام المقبول غالبا ما تحظر توظيفها في الأغراض العسكرية.

ويمكن أن تتيح الشراكة الرسمية للجيوش استخداما قانونيا بلا قيود، إلى جانب ما تحتاجه من دعم عملي وتقني تفتقر إليه معظم الدول. وفي هذا السياق، اتخذت "ميتا" خطوة استباقية بتوسيع نطاق الوصول إلى نماذجها اللغوية الكبيرة ليشمل جيوشا حليفة مختارة، وإن كان عرضها لا يتضمن أي مساعدة في الانتشار. غير أن الصين باتت تهيمن اليوم على سوق النماذج المفتوحة، سواء من حيث الشعبية أو الأداء، فيما قدمت فرنسا "ميسترال"، داخل أوروبا وخارجها، بوصفه مسارا نحو ذكاء اصطناعي عسكري يخفف الاعتماد على الولايات المتحدة والصين.

أما المقاربة الثالثة، فهي الأضيق نطاقا، إذ تركز على التطبيقات التكتيكية للذكاء الاصطناعي المحدود، مثل استخدام الرؤية الحاسوبية في الاستهداف، وتعزيز استقلالية الطائرات المسيرة، وتشغيل عقد القيادة والسيطرة المتقدمة في الخطوط الأمامية داخل بيئات معادية.

(أ.ف.ب)
جندي من مشاة البحرية الأميركية يشارك في دورة تدريبية لتشغيل الطائرات المسيرة في أوكيناوا اليابانية، 20 مايو 2026

ولا تختصر هذه المقاربات الثلاث مجمل الخيارات المتاحة. فبوسع الدول أن تتعاون مع شركات دفاع أميركية متخصصة، مثل "بالانتير" و"أندوريل"، القادرة على الجمع بين إتاحة الوصول إلى الذكاء الاصطناعي المتقدم وتوفير الدعم الهندسي والبنية التحتية والمساندة العملية. وبدأت أوكرانيا وإسرائيل السير في هذا الاتجاه، غير أن الحلفاء الأوروبيين لا يزالون أكثر تحفظا، وقد يفضلون اللجوء إلى منافسين محليين مثل شركة "هيلسينغ" الألمانية. كذلك تستطيع الدول الخاضعة للعقوبات، والدول الأشد حذرا من الارتهان المفرط للذكاء الاصطناعي، أن تستخدم هذه النماذج بصورة مخالفة لشروط الخدمة، أو أن تلجأ إلى تقطير أفضل نماذج الذكاء الاصطناعي، وهي عملية تقوم على استدعاء النماذج التجارية ملايين المرات من أجل تدريب نسخ مشابهة عنها بتكلفة زهيدة، وفق مذكرة صادرة عن البيت الأبيض. أما آليات إنفاذ القيود على هذا الاستخدام غير القانوني، فتكاد تكون معدومة.

وسّعت "ميتا" نطاق الوصول إلى نماذجها اللغوية الكبيرة ليشمل جيوشا حليفة مختارة

ولا تبدو هذه المقاربات متعارضة بالضرورة. فقد تتعاون دولة ما مع مختبر أميركي لتأمين قدرة قريبة المدى، في الوقت نفسه الذي تختبر فيه النماذج المفتوحة أو تطور نماذجها الخاصة بوصفها رهانات أطول أمدا.

غير أن خبراء انتشار التقنيات الناشئة يرون أن التفوق العسكري لا يتحدد بمجرد الوصول إلى التكنولوجيا، بل بالقدرة على استثمارها بفاعلية. وتؤكد الحروب الحديثة المدعومة بالذكاء الاصطناعي هذه الرؤية، إذ بدأت نماذج الذكاء الاصطناعي المتخصصة، وهي أضيق نطاقا من النماذج التي تنتجها كبرى المختبرات، تعيد بالفعل تشكيل طبيعة العمليات العسكرية.

في أوكرانيا، تواجه الطائرات الروسية المسيرة طائرات اعتراض أوكرانية شبه ذاتية القيادة، فيما تفرض مركبات برية غير مأهولة حضورها على خطوط المواجهة. واستخدمت إسرائيل الذكاء الاصطناعي في تنفيذ عمليات مراقبة جماعية داخل غزة، وتعقب الأفراد حتى منازلهم، وتقديم توصيات للاستهداف على نطاق واسع كان من المستحيل بلوغه من دون قدر كبير من الأتمتة. غير أن هذه الجهود الإسرائيلية أدت، بحسب التقارير، إلى اعتقالات خاطئة واستجوابات غير قانونية وسقوط ضحايا مدنيين، الأمر الذي يثير تساؤلات جدية حول موثوقية هذه التقنيات في المواقف الحرجة، وحول الجهة التي تتحمل المسؤولية عند فشلها.

تتحدد جدوى أي استراتيجية للذكاء الاصطناعي العسكري بمدى قدرة الدولة على المواءمة بين أهدافها العسكرية ومواطن القوة التي تنفرد بها كل فئة من نماذج الذكاء الاصطناعي، سواء كانت متقدمة أو أقل تقدما. فقد تمنح النماذج المتقدمة كثيفة الحوسبة، مثل "كلود ميثوس"، الذي يتطلب تدريبه عشرات الآلاف من الرقائق المتطورة ومئات الملايين من الدولارات، مزايا كبيرة لدولة مثل الولايات المتحدة، بما لديها من طموحات عسكرية واسعة. أما الدول ذات الأهداف المحدودة، كالدفاع عن الحدود مثلا، فقد تكفيها نماذج أضيق نطاقا وأقل احتياجا إلى القدرة الحاسوبية.

(أ.ف.ب)
عسكريون من كتيبة "طيور ماديار" الأوكرانية يشغّلون طائرات مسيرة متوسطة المدى من غرفة تحكم تحت الأرض في موقع غير معلن بأوكرانيا، 15 مايو 2026

وغالبا ما تتفوق النماذج المتخصصة على الأنظمة الأكبر حجما في المهام الضيقة التي تهيمن اليوم على استخدامات الذكاء الاصطناعي في ساحات المعارك، مثل رصد الأجسام. وحتى في التطبيقات اللغوية الأوسع نطاقا، تزعم شركة "إدج رَنر" الدفاعية الناشئة أن نموذجها، وهو نسخة محسنة من نموذج مفتوح المصدر تابع لـ"أوبن إيه آي"، يعمل على بطاقة رسومات استهلاكية واحدة، مع أنه يضاهي أداء نموذج "جي بي تي 5" الرائد من "أوبن إيه آي" في المهام العسكرية. وإذا استطاعت قوة وسطى أن تقترب من أداء النماذج المتقدمة عبر نسخ محسنة ومصغرة من نماذج أكبر، فإن الحاجة إلى النماذج الباهظة، وما تستدعيه من روابط وثيقة بالحكومة الأميركية، ستتراجع إلى حد كبير.

الطائرات الروسية المسيرة تواجهها طائرات اعتراض أوكرانية شبه ذاتية القيادة ووضعت كييف مركبات برية غير مأهولة على خطوط المواجهة

ومع ذلك، يمكن أن تغدو نماذج الذكاء الاصطناعي العام، بما تمتلكه من قدرات تتجاوز بكثير تطبيقات اليوم، عنصرا لا غنى عنه للجيوش في نهاية المطاف. فالدولة التي تتمتع بإمكانية استخدام أدوات ذكاء اصطناعي متقدمة في البرمجة والبحث تستطيع أن تطور استقلالية الطائرات المسيرة والرؤية الحاسوبية وأنظمة الاستهداف بوتيرة أسرع من دولة لا تملك هذه الإمكانية. وتتصدر الولايات المتحدة جميع المؤشرات الأساسية في مجال الذكاء الاصطناعي المتقدم، من أداء النماذج والاستثمار، إلى القدرة الحاسوبية والمواهب. ويجعل موقعها المهيمن في سباق الذكاء الاصطناعي كلفة أي مسار بديل أعلى بكثير.

لكن ما يزال من غير الواضح ما إذا كانت أفضل النماذج المغلقة ستتفوق على النماذج المتاحة للعموم بفارق يمنحها أفضلية ميدانية حقيقية على نماذج أدنى كفاءة، لكنها أسرع في الاعتماد والانتشار. وتشير شركة "إيبوك إيه آي" إلى أن قدرات النماذج المفتوحة تأخرت، منذ يناير/كانون الثاني، بنحو أربعة أشهر عن النماذج الاحتكارية الرائدة. وإذا بقيت هذه الفجوة محدودة، فقد لا تُحسم الأفضلية في ساحة المعركة بامتلاك النموذج الأحدث أو الأقوى تقنيا، بل بسرعة إيصال نموذج جيد بما يكفي إلى ميدان القتال واستخدامه فعليا. أما النماذج المفتوحة، حتى إن كانت أميركية، فلا تترك للموردين نفوذا فعليا بمجرد تنزيل أوزانها، وهو ما يجعلها عامل جذب واضحا للقوى المتوسطة التي تراودها هواجس سيادية.

أما العائق الرئيس الثاني أمام هيمنة الذكاء الاصطناعي الأميركي، فيكمن في المختبرات نفسها، إذ تأسست على مهمات أيديولوجية غير مسبوقة في عالم الصناعات الدفاعية. ويعبر دستور "كلود" عن قلق من "درجات غير مسبوقة من التفوق العسكري". كما ورد أن مؤسسي "ديب مايند" جعلوا الالتزام بعدم الاستخدام العسكري شرطا لبيعها إلى "غوغل" عام 2014. وفي عام 2024، حذفت "أوبن إيه آي" بهدوء من سياساتها حظر "الاستخدامات العسكرية والحربية"، بالتزامن مع بدء تعاونها مع وزارة الحرب الأميركية.

(رويترز)
أشخاص يمرون أمام أحد مصانع شركة "تي إس إم سي" لأشباه الموصلات في مدينة هسينشو التايوانية، 15 أبريل 2025

وتسهم هذه الالتزامات في تشكيل حوكمة الشركات داخل المختبرات، وتؤثر في طبيعة العاملين الذين تجتذبهم، كما توجه قراراتها التجارية. ففي عام 2018، انسحبت "غوغل" من مشروع مافن بعدما وقع آلاف الموظفين رسالة احتجاج، ما دفع الشركة إلى إعلان مبادئ للذكاء الاصطناعي تحظر استخدامه في الأسلحة. وعندما صرف البنتاغون النظر عن "أنثروبيك" بسبب اعتراضاتها على "الأسلحة المستقلة بالكامل" والمراقبة الداخلية، سارعت "أوبن إيه آي" إلى ملء الفراغ، لكنها واجهت بعد ذلك بوقت قصير سلسلة استقالات علنية. كما أثارت صفقة "غوغل" الأخيرة مع البنتاغون وعلاقتها بالجيش الإسرائيلي مقاومة داخلية من الموظفين.

ولذلك، لا تستطيع برامج الترويج للصادرات الأميركية التي تديرها الدولة أن تتعامل مع المختبرات بوصفها موردا محايدا. فالإدارة الأميركية لا يمكنها تسويق الذكاء الاصطناعي الأميركي لدى الحلفاء إلا إذا وافقت هذه المختبرات على دعم هؤلاء الشركاء، وضمن شروط وقيود تحددها هي.

تتصدر الولايات المتحدة جميع المؤشرات الأساسية في مجال الذكاء الاصطناعي المتقدم، من أداء النماذج والاستثمار، إلى القدرة الحاسوبية والمواهب

وفي الوقت نفسه، لم تعد مكانة الولايات المتحدة بوصفها أكبر مصدر للأسلحة في العالم بمنأى عن التحدي. فالحروب في أوكرانيا والشرق الأوسط كشفت حدود النهج الذي اتبعته القاعدة الدفاعية الأميركية لعقود، والقائم على أنظمة باهظة ومعقدة. ومع تصاعد النزاعات التجارية، وتأخر تسليم الأسلحة، واتجاه الجيوش نحو أنظمة غير مأهولة أقل كلفة، بات عدد متزايد من الدول، من بينها ألمانيا والهند وتايوان واليابان وكوريا الجنوبية، يسعى إلى بناء قدرات سيادية تقلل اعتماده على الولايات المتحدة.

ومع تعاظم دور الذكاء الاصطناعي في تشكيل القوة العسكرية، سيحتاج الشركاء الذين يخشون الارتهان المفرط للولايات المتحدة إلى ضمانات ملموسة تكفل لهم حرية الحركة العملياتية واستمرار الوصول إلى القدرات المتقدمة. وبدلا من التعامل مع القواعد الأجنبية الخاصة بمكان تخزين البيانات الحساسة والجهات المخولة بالوصول إليها بوصفها عقبة أمام الشركات الأميركية، ينبغي لواشنطن أن تأخذ هواجس السيادة على محمل الجد، وأن تسمح للحلفاء بإبقاء بياناتهم العسكرية تحت سيطرتهم.

أما الضمانة الأرسخ والأطول أمدا، فهي الاعتماد المتبادل: شراكات تمسك فيها الولايات المتحدة بمفاصل رئيسة من منظومة الذكاء الاصطناعي، في حين يرفدها الحلفاء بعناصر لا غنى عنها في سلسلة التوريد. ومن ثم، ينبغي لواشنطن أن تركز على تفوقها في البرمجيات والأمن السيبراني، بدلا من محاولة استعادة قطاعات صناعية خسرتها منذ عقود. فوصول الحلفاء إلى النماذج الأميركية الرائدة يمكن أن يعزز البرمجيات التي يطورونها بأنفسهم، مثل نماذج الطائرات المسيرة الأوكرانية ذاتية التشغيل وأنظمة إدارة ساحة المعركة كـ"دلتا". وفي المقابل، تستطيع الولايات المتحدة أن تعتمد على شركائها في المجالات التي يصعب عليها إعادة بنائها، من إنتاج الطائرات المسيرة، إلى تصنيع الرقائق الإلكترونية، والصناعات الدقيقة.

(رويترز)
مقر وزارة الدفاع الأميركية "البنتاغون" في ولاية فرجينيا، 28 سبتمبر 2008

ويظل التعاون مع مختبرات الذكاء الاصطناعي مسألة بالغة الأهمية. فلا يمكن للجهود الرامية لتسويق الذكاء الاصطناعي أن تحقق غايتها إذا كانت الشركات المطورة لهذه النماذج شريكا مترددا أو غير راغب. أما الإجراءات القسرية، مثل اللجوء إلى قانون الإنتاج الدفاعي، فمن المرجح أن ترتد بنتائج عكسية، إذ قد تدفع إلى استقالات داخلية، وتلحق ضررا بسمعة المختبرات الرائدة، وتزيد في الوقت نفسه مخاوف القوى الوسطى من نفوذ أميركي يتجاوز الحدود المقبولة.

ينبغي لواشنطن أن تركز على تفوقها في البرمجيات والأمن السيبراني، بدلا من محاولة استعادة قطاعات صناعية خسرتها منذ عقود

ويعني ذلك بناء أطر مستدامة، بدلا من الاكتفاء بمفاوضات ظرفية كالتي انتهت إلى مواجهة بين "أنثروبيك" والبنتاغون. وينبغي للطرفين أن يتفقا مسبقا على النماذج التي يمكن نشرها خارج الولايات المتحدة، والجهات التي يسمح لها باستخدامها، والقيود المفروضة على التدقيق والاستخدام. وفي المقابل، تستطيع الحكومة أن تقدم ما لا تستطيع المختبرات تأمينه بمفردها: معلومات استخباراتية سرية عن التهديدات، وتسريعا لإجراءات التصاريح الأمنية، ودورا حقيقيا في تحديد كيفية استخدام أدواتها.

(أ.ف.ب)
جنود فرنسيون يشاركون في مناورات "ستيدفاست داغر" بقاعدة مون فيردان الجوية قرب ليون، 3 ديسمبر 2025

إن القرارات الفعلية التي تواجهها القوى الوسطى في مجال الذكاء الاصطناعي أعقد بكثير من مجرد المفاضلة بين الولايات المتحدة والصين. فنجاح تسويق الصادرات يتطلب فهما دقيقا للخيارات المتاحة أمام كل دولة، والعوامل التي ستوجه قراراتها، ومواقف المختبرات المستقلة من هذه المسارات. فالطريقة التي سينتشر بها الذكاء الاصطناعي العسكري ستحدد ما إذا كانت الولايات المتحدة قادرة على الاحتفاظ بمكانتها كركيزة لدفاع الحلفاء، وعلى استعادة التفوق العسكري المطلق والتماسك اللذين شكلا أساس الهيمنة الأميركية.

font change

مقالات ذات صلة