لن يرى الإيرانيون العاديون فلسا واحدا من أموال ترمب

بينما يعاني الشعب... يستعد نظام فاسد لجني مكاسب هائلة

(أ.ف.ب)
(أ.ف.ب)
نصب تذكاري يجسد صفا مدرسيا رمزيا تخليدا لتلامذة مدرسة ميناب الذين قُتلوا بداية الحرب، في ساحة بطهران، 3 مايو 2026

لن يرى الإيرانيون العاديون فلسا واحدا من أموال ترمب

يمكن لمذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران أن تتيح للحكومتين إعلان النصر بعد حرب قصيرة نسبيا لكنها مدمرة. وستهدأ أسواق النفط في نهاية المطاف، وستفتح طرق الشحن من جديد. لكن شعب إيران، الخاسر الأكبر، سيطويه النسيان.

وعد الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بدعم الإيرانيين المناهضين للنظام، بعدما ارتكبت الجمهورية الإسلامية مذبحة بحق آلاف المتظاهرين العزل في يناير/كانون الثاني.

لكن الحرب التي أعقبت ذلك زادت شلل إيران، إذ دمرت الولايات المتحدة وإسرائيل بنى تحتية حيوية ضرورية لاستمرار حياة عشرات الملايين من الإيرانيين.

فاقمت الحرب كل الأزمات الوطنية التي واجهها الإيرانيون قبلها، من نقص المياه والغذاء إلى انقطاع الكهرباء. كما أدت إلى نقص أشد في الأدوية، واضطرابات في الوقود، وعزلة دولية أعمق، وصدمات نفسية أوسع، وقمع بوتيرة غير مسبوقة.

والآن، بعدما خمدت نيران الحرب، يبدو أن إدارة ترمب تبنت سياسات من شأنها أن تقوي الحكومة الإيرانية وتساعدها على مواصلة قمعها الوحشي للشعب الإيراني. بل تحدث نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس عن احتمال إنشاء صندوق بقيمة 300 مليار دولار، يمكن أن يستخدمه النظام المعروف بفساده، والخاضع الآن أكثر من أي وقت مضى لهيمنة "الحرس الثوري" الإيراني، في "إعادة بناء" البلاد بعد الحرب.

(أ.ف.ب)
إيرانيون يمرون أمام جدارية لروح الله الخميني، والزعيم السابق علي خامنئي في طهران، 18 يونيو 2026

يمكن لمذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران أن تخفض خطر الحرب المباشر وتتيح للطرفين إعلان النصر. لكن من دون شروط صارمة وشفافية وآليات إنفاذ، لن يصل تخفيف العقوبات والاستثناءات المرتبطة بإعادة الإعمار إلى الإيرانيين العاديين. وعلى الأرجح، ستذهب الأموال إلى المقاولين أنفسهم المرتبطين بـ"الحرس الثوري"، وإلى مؤسسات النظام ووزاراته ومصارفه ووسطاء حقبة العقوبات، الذين خربوا البلاد أصلا وخلقوا ظروف الحرب.

بعدما خمدت الحرب، يبدو أن إدارة ترمب تبنت سياسات من شأنها أن تقوي النظام الإيراني وتساعده على مواصلة قمعه الوحشي للإيرانيين

لم تخلق الحرب أزمة إيران البيئية، لكنها أمعنت في تقويض الأنظمة المدنية التي تبقي المجتمع الإيراني على قيد الحياة: شبكات مياه الشرب، وشبكات الكهرباء، ومراكز توزيع الوقود، والمستشفيات، وسلاسل الإمداد الغذائي.

فعلى سبيل المثال، تسببت الضربات الجوية الإسرائيلية على مستودعات النفط في طهران في انبعاث مزيج خطير من الملوثات، منها الجسيمات الدقيقة، وثاني أكسيد الكبريت، والمركبات العضوية المتطايرة، والهيدروكربونات العطرية متعددة الحلقات، وغيرها من نواتج الاحتراق الثانوية السامة. وأفاد تحليل بالأقمار الاصطناعية بأن الحرائق أطلقت نحو 29,800 طن من ثاني أكسيد الكبريت، وأن السحابة أثرت في مساحة تقارب مساحة إيطاليا.

لا تختفي هذه الملوثات ببساطة عندما يتلاشى الدخان. تستطيع الجسيمات الدقيقة ومركبات الكبريت الانتقال لمسافات طويلة، فيما يمكن أن يترسب السخام وبقايا الاحتراق السامة على التربة وفي المياه، وأن تلوث هذه المخلفات الأنظمة الزراعية، وأن تعود إلى جسم الإنسان عبر المطر والغبار والمحاصيل.

وضربت الولايات المتحدة أيضا بنى تحتية مدنية حيوية لا قيمة عسكرية لها، منها خزانات مياه تخدم 20 ألف إيراني عادي في محافظة هرمزغان.

(أ.ف.ب)
امرأة إيرانية تقود دراجة نارية في أحد شوارع طهران، 18 يونيو 2026

كل جزء مدمر من البنية التحتية يترك تداعيات تتسع دائرتها. فتضرر مصفاة واحدة، مثلا، قد يقلص الوقود اللازم لتشغيل مضخات المياه، ونقل الغذاء، ومولدات المستشفيات، والآلات الزراعية، وفرق الطوارئ. كما قد تؤدي اضطرابات الكهرباء الناجمة عن تضرر منشآت الطاقة في الحرب إلى تعطيل إيصال مياه الشرب، والتبريد، والاتصالات، والرعاية الطبية. أما الطرق والمستودعات وشبكات الإمداد التي تعرضت للقصف، فقد تؤخر وصول الغذاء والدواء وقطع الغيار وأعمال الإصلاح.

حرائق الحرب أطلقت نحو 29,800 طن من ثاني أكسيد الكبريت، والسحابة أثرت في مساحة تقارب مساحة إيطاليا

لو تولت قيادة الإيرانيين حكومة جديدة تضع مصالحهم في صلب اهتمامها، لكان هناك بعض الأمل في تغيير حقيقي. لكن، رغم تصريح ترمب بأن "نظاما جديدا" ظهر في إيران بعد الحرب، تبدو الحقيقة على الأرض قاتمة.

ربما أدت الحرب إلى مقتل الزعيم الأعلى آية الله علي خامنئي وعشرات آخرين من كبار مسؤولي النظام وضباط "الحرس الثوري". لكن النظام خطط لعقود لاحتمال استهداف رأس قيادته، وخصوصا بعدما راقب الغزو الأميركي للعراق عام 2003، الذي عرف باسم "الصدمة والترويع". فقد عرف النظام كيف يعيد تشكيل قيادته بسرعة ويواصل خوض الحرب، مع إحكام قبضته على السكان.

أما الرجال الذين حلوا محل خامنئي ونوابه، ومنهم ابنه مجتبى خامنئي، فلا يبدو أنهم يختلفون عن أسلافهم. فهم عنيفون وفاسدون وغالبا ما يكونون متعصبين. وقد يبرمون صفقات مع واشنطن من أجل بقائهم ومصلحتهم، لكنهم يعرفون أن أي إرخاء لقبضتهم على السلطة قد يقود إلى نهايتهم.

لن تفيد الأموال التي سيقدمها ترمب لهؤلاء الرجال الشعب الإيراني، بل ستزيد ثراء شبكة واسعة من مؤسسات النظام، مثل "مقر خاتم الأنبياء للإعمار"، الذراع الهندسية والإنشائية والتعاقدية الرئيسة لـ"الحرس الثوري".

قادت هذه المؤسسات التدهور البيئي في إيران عبر استخدام الموارد العامة لصناعة ثروات شخصية وسلطة سياسية. وصارت السدود، وتحويل المياه بين الأحواض، والآبار العميقة، والصناعات الكثيفة الاستهلاك للمياه في المناطق الجافة، مشاريع مربحة للمقاولين والمسؤولين المرتبطين بالنظام. وكانت النتيجة استنزاف خزانات المياه الجوفية، وتضرر الأنهار، وانكماش البحيرات والأراضي الرطبة، وهبوط الأرض، وانهيار سبل العيش الريفية.

(أ.ف.ب)
إيرانيون يجلسون في محطة حافلات بالعاصمة طهران، 15 يونيو 2026

واللافت أن مؤسسات النظام، مثل "مقر خاتم الأنبياء للإعمار"، استخدمت موارد البلاد، في الوقت الذي كانت تلحق فيه الضرر ببيئة إيران، لحفر أنفاق وقاعات جوفية للمنشآت النووية ومدن الصواريخ.

الرجال الذين حلوا محل علي خامنئي، ومنهم ابنه مجتبى خامنئي عنيفون وفاسدون وقد يبرمون صفقات مع واشنطن من أجل بقائهم ومصلحتهم

ويرجح أيضا أن يحقق "مقر خاتم الأنبياء للإعمار" ومؤسسات النظام، أو ما يعرف باسم "البنياد"، أرباحا ضخمة من عقود يمنحها النظام، وربما أطراف أجنبية أيضا، نتيجة أي اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران.

ستكون أولوية هذه المنظمات إثراء نفسها وإعادة بناء القدرة العسكرية للنظام، لا إعادة بناء البنية التحتية المدنية في إيران.

لا يزال بوسع إدارة ترمب مساعدة الشعب الإيراني عبر فرض شروط حقيقية على تخفيف العقوبات والاستثناءات المرتبطة بإعادة الإعمار. وينبغي إخضاع عقود إعادة الإعمار للإفصاح العام والمناقصات التنافسية. وينبغي استبعاد المقاولين المرتبطين بـ"الحرس الثوري" والمدرجين على قوائم العقوبات أو مراقبتهم بصرامة، لا أن يعاد تأهيلهم بهدوء عبر فرص التعاقد من الباطن. وينبغي أن يجري خبراء مستقلون موثوقون تقييمات للأضرار البيئية، وأن تنشر نتائجها على الملأ.

ومن دون هذه الضمانات، ستتحول "المساعدة" إلى مصدر دخل آخر لبقاء النظام. وستخرج الجمهورية الإسلامية من هذه الحرب منهكة، لكنها أكثر ارتيابا، وأكثر عسكرة، وأكثر استعدادا لاستخدام العنف ضد الشعب من أي وقت مضى.

(رويترز)
صورة جوية لناقلة النفط "هيلغا" الراسية في أحد الموانئ النفطية البحرية جنوب البصرة استعداداً لتحميل النفط الخام، 24 أبريل 2026

عندما تقول واشنطن إن "المساعدة في الطريق"، سيكون لدى كثير من الإيرانيين سؤال آخر: مساعدة لمن؟ للشعب الذي يستنشق مطرا أسود، وينتظر مياها نظيفة، ويتحمل كلفة قرارات لم يتخذها قط؟ أم لمسؤولي النظام ومقاوليه ومؤسسته الذين سيديرون سيل الأموال المقبل المتدفق إلى النظام؟

font change

مقالات ذات صلة