من هو غوردان بارديلا رئيس فرنسا المحتمل؟

الشعبوي البالغ من العمر 30 عاما سيدخل السباق إذا منعت مارين لوبان من الترشح... فمن هو؟

(رويترز/"المجلة")
(رويترز/"المجلة")

من هو غوردان بارديلا رئيس فرنسا المحتمل؟

يبدو شارع غابرييل بيري في سان دوني كصورة مألوفة من ضواحي شمال باريس. في واجهة متجر الجزارة، تصطف رؤوس الحملان كأنها تبتسم للعابرين. وفي متجر للتخفيضات، تعرض قمصان داخل سلة معدنية بسعر 2 يورو، أي 2.30 دولار، وعلى الرصيف، يبيع مهربون سجائر غير قانونية. في هذا المكان، داخل مجمع سكني من ثمانية طوابق في أكثر ضواحي العاصمة اكتظاظا بالسكان، كبر غوردان بارديلا. تبدو رحلة ابن الثلاثين من مراهق خجول شاحب الوجه إلى زعيم "حزب التجمع الوطني" اليميني الشعبوي رحلة استثنائية.

وفي 7 يوليو/تموز، قد تدخل هذه الرحلة مرحلة جديدة، إذ ستعرف مارين لوبان، عرابته السياسية، ما إذا كانت محكمة الاستئناف ستؤيد قرار منعها من الترشح للمناصب العامة على خلفية إساءة استخدام أموال أوروبية، وإذا حصل ذلك، فسيكون بارديلا مرشح "حزب التجمع الوطني" للرئاسة الفرنسية في أبريل/نيسان المقبل.

يقول بارديلا متأملا وهو يحتسي القهوة في البرلمان الأوروبي، حيث يشغل مقعد نائب عن "حزب التجمع الوطني": "لم يكن هناك شيء يوحي بأنني سأصل يوما إلى هذا المكان"، مؤكدا أن تخيل هذا المسار في مراهقته كان ضربا من "المستحيل"، ويعترف بأنه كان مراهقا "خجولا جدا"، يقضي ساعات طويلة في غرفته يمارس ألعاب "كول أوف ديوتي" أو "فيفا".

(أ.ف.ب)
رئيس "حزب التجمع الوطني" الفرنسي غوردان بارديلا يلقي كلمة عقب الجولة الأولى من الانتخابات البلدية في مدينة بوكير، 15 مارس 2026

لم يدرس بارديلا في مدارس النخبة الفرنسية، كما ترك الجامعة دون إكمالها، وفي صالونات باريس، بين أقران يحملون أسماء نخبوية مثل شارل أو آرثر، يوضح بارديلا أن اسمه المرتبط بالطبقة العاملة جعله هدفا "للسخرية"، معقباً: "ربما نشأت على بُعد عشر دقائق فقط من أطراف باريس، لكن ذلك كان عالما آخر تماما".

يقدم بارديلا واجهة أكثر قبولا لحزب لاحقته تهم معاداة السامية

كان صعود بارديلا داخل "حزب التجمع الوطني" خاطفا. فقد انضم إلى صفوفه في السادسة عشرة من عمره، وأصبح ناشطا محليا في الثامنة عشرة، ثم تصدر قائمة الحزب في انتخابات البرلمان الأوروبي وهو في الثالثة والعشرين، قبل أن ينتخب رئيسا للحزب في السابعة والعشرين وكانت مارين لوبان، ابنة جان ماري لوبان، أحد مؤسسي الحزب، هي من اختارته تلميذا سياسيا لها، ودفعته إلى الواجهة في سن مبكرة على نحو لافت، ويعامل بارديلا اليوم كما لو كان شخصية مشهورة إلى حد ما، حتى إنه يواعد أميرة إيطالية تنتمي إلى العائلة الملكية السابقة، آل بوربون الصقليتين. وتشير استطلاعات الرأي إلى أنه إذا أصبح بارديلا المرشح، كما اتفق الزعيمان في حال تأييد قرار منع لوبان من الترشح، فسيتصدر الجولة الأولى بفارق كبير، وربما يتمكن من الفوز في جولة الإعادة.

من نواح عديدة، لا يصعب فهم سر جاذبية بارديلا داخل الحزب. فهو يقدم واجهة أكثر قبولا لحزب عانى طويلا من النبذ، ولاحقته في ماضيه تهم معاداة السامية، بينما يسعى اليوم إلى اكتساب أكبر قدر من الاحترام السياسي، والأهم من ذلك كله أنه لا يحمل اسم لوبان، إلى جانب أنه ابن "لو 93"، أفقر رمز بريدي في فرنسا.

يتقن بارديلا الظهور أمام الكاميرا، فيقطع جمله بابتسامات محسوبة، ويستعد لكل إطلالة إعلامية "بمنهجية صارمة للغاية"، وفق ألكسندر لوبيه، صديقه والنائب عن "حزب التجمع الوطني". وبفضل أكثر من مليوني متابع على "تيك توك"، صار يتمتع بحضور لافت بين المراهقين، لا يقل عن شعبيته بين المتقاعدين.

منذ توليه قيادة الحزب، أخذ بارديلا يطرح رؤيته بوضوح أكبر: قومية معادية للمهاجرين، متشككة في السياسات البيئية والمناخية، ومناهضة لـ"الصحوة" على طريقة "ماغا"،  وتستند إلى منطق "فرنسا أولا"، ويشعر الدبلوماسيون الأوروبيون الذين التقوه بقدر من الارتياح لأنه يصف روسيا بأنها "تهديد متعدد الأبعاد"، ولأنه سيبقي القوات الفرنسية مشاركة في عمليات حلف شمال الأطلسي على جناحه الشرقي، لكنه، في المقابل، يعارض بشدة انضمام أوكرانيا إلى الاتحاد الأوروبي، ويريد إخراج فرنسا، في الوقت المناسب، من القيادة العسكرية المتكاملة للحلف.

(رويترز)

وفي برلين، أثارت تلميحاته الأخيرة إلى التعاون، ولا سيما في ملف الهجرة، قدرا من الارتياح بين المسؤولين الألمان، غير أن طموحه إلى إعادة تشكيل الاتحاد الأوروبي على هيئة "اتحاد أمم" ينذر بصدام واسع مع ألمانيا، خصوصا إذا مضى في مسعاه إلى خفض مساهمة فرنسا في الميزانية المشتركة وعندها، قد تتحول فرنسا في عهده إلى قوة تعرقل مشاريع الاتحاد بدل أن تدفعها إلى الأمام.

ينتهج بارديلا نزعة قومية معادية للمهاجرين، مناهضة للصحوة، ومنطق فرنسا أولاً

يصف بارديلا علاقته بلوبان بأنها "وثيقة للغاية"، ولا يزال، من باب الاحترام، يخاطبها بصيغة رسمية، بينما تخاطبه هي بصيغة أكثر ألفة، لكنه يصر على أنها "ليست علاقة وصاية"، ومع ذلك، بدأ يرسم لنفسه خطا مختلفا عن خطها، فبينما تريد لوبان خفض سن التقاعد، يبدو هو أقل اقتناعا بهذا الخيار، وفي حين تتبنى لوبان توجها اقتصاديا مائلا إلى اليسار يقوم على تدخل الدولة، ويلقى صدى في الحزام الصناعي المتدهور في شمال شرق البلاد، يسعى بارديلا أيضا إلى استمالة ناخبي اليمين البرجوازيين، وقد مد يده إلى رجال الأعمال بخطاب أكثر انفتاحا على عالم الشركات.

لكن ما الذي يؤمن به حقا هذا الرجل الذي يصف نفسه بأنه "برغماتي"؟ إنه متمرس في الحديث عن ملفات تمتد من السياسة المالية إلى الطاقة، ويبدو أكثر حماسة عندما يندد بما يراه صفقة مجحفة بحق فرنسا داخل أوروبا تهيمن عليها ألمانيا، غير أن الملف الذي يشعل حماسه حقا هو الهجرة، فقد قال مؤخرا لأصدقائه القوميين في بولندا: "لن تعود قارتنا قارة للأوروبيين إذا لم نضع حدا لطوفان الهجرة".

ويريد بارديلا إلغاء حق المواطنة بالولادة وتقليص المزايا الممنوحة للمهاجرين، وفي يونيو/حزيران، تعرض لانتقادات حادة بعدما ربط أعمال العنف التي اندلعت في الشوارع بين المشجعين، عقب فوز باريس سان جيرمان، بدوري أبطال أوروبا، بما وصفه بـ"عجز فرنسا عن السيطرة على الهجرة".

خلف هذه النزعة القومية المتشددة، يبدو أن هناك قدرا من عدم التسامح مع من لم يسلكوا الطريق الذي سلكه والدا بارديلا، فقد ولدت والدته لويزا في تورينو، كما هاجر جده الإيطالي من جهة الأب إلى فرنسا في ستينات القرن الماضي، وتزوج امرأة فرنسية جزائرية، ويرى بارديلا أن ذلك الجيل "فعل كل شيء كي يصبح فرنسيا، ويتعلم اللغة، ويحترم البلد الذي رحب به، وهو جهد يأسف لأنه "لم يعد مطلوبا" اليوم.

(رويترز)

ويصف سان دوني، حيث لا تزال والدته تعيش، بأنها مكان "لتجارة المخدرات والجريمة والقذارة وفقدان قيمنا وهويتنا"، غير أن قصته الشخصية المؤثرة تغفل بعض التفاصيل غير الملائمة، فوالده، الذي انفصل عن والدته عندما كان بارديلا طفلا صغيرا، كان يدير شركة صغيرة لتوزيع المشروبات، واشترى لابنه سيارة في مراهقته، أما ابن المجمع السكني، فقد أخرج من التعليم العام في سن مبكرة وأرسل إلى مدرسة كاثوليكية في سان دوني، لكن هذه التفاصيل تصنع مادة ناجحة للسياسة الشعبوية، فهو يريد، كما يقول، أن يضمن أن لا "تشبه البلاد الحي الذي نشأت فيه".

إن نجت لوبان عاد غوردان بارديلا إلى ظلها، وإن سقطت سينتقل إرثها الحزبي إليه

في هذه الأيام، يمضي بارديلا وقتا أطول في قاعات مجالس الإدارة والسفارات في باريس، أو في منصة كبار الشخصيات في سباق جائزة موناكو الكبرى، حيث شوهد برفقة شريكته الجديدة، مما يمضيه في شوارع سان دوني، غير أن تقربه من النخبة ينطوي على مجازفة واضحة، إذ قد يضعف مصداقيته لدى قاعدته المناهضة للمؤسسة الحاكمة، ويرى كيفن بفيفر، صديقه والنائب عن "حزب التجمع الوطني"، أن ارتباطه العاطفي الشبيه بالحكايات الخيالية "يجعل الجميع يحلمون"، والواقع أنه لن يكون أول شعبوي يعيش حياة نخبويين، لكن الفرنسيين، بإرثهم الثوري، قد يكونون أقل تسامحا مع هذا التناقض.

ويبدو أن بارديلا، الذي يدير صورته بعناية شديدة، حتى إنه يطوي قمصانه البيضاء المتطابقة داخل حقيبته بدقة لافتة، يدرك هذه الحقيقة جيدا.

(رويترز)
مارين لوبان وغوردان بارديلا خلال فعالية "عيد النصر" لأنصار اليمين الفرنسي في مقاطعة لواريه، 9 يونيو 2025

ومع صدور حكم المحكمة، ستظهر التوترات حتما، فإذا خففت المحكمة عقوبة لوبان وسمحت لها بالترشح في العام المقبل، فسيعود بارديلا إلى ظلها، أما إذا أيدت قرار المنع، فسينتقل "الإرث العائلي للحزب"، بعد ثماني حملات رئاسية خاضها الأب والابنة، إلى شخص من خارجه، وإن كان شخصا اختارته لوبان بنفسها. هل يقلق هذا الاحتمال السيد بارديلا؟ يجيب: "إذا تجاهلت سؤالك، فستظن أنني أكذب، وإذا قلت إنني قلق، فقد أثير قلقك. لا شك أن الحقيقة تقع في مكان ما بين الأمرين".

font change

مقالات ذات صلة