يشتغل الروائي اللبناني، علي السقا، في روايته "الصعود إلى النهار" (دار المطبوعات للتوزيع والنشر) في بيروت، على تقنية سردية تنهض على مقاربة الواقع اليومي بوصفه مادة حكائية أولى. إذ يستمد من تفاصيل العاصمة اللبنانية المنهكة عناصر بناء متينة، يحولها عبر تركيب فني محكم إلى صورة كاشفة عن مصير فئة اجتماعية تدفعها بنى الهيمنة إلى أقصى الهامش، فيغدو النص بذلك غوصا حكائيا في طبقات المجتمع السفلى، مستحضرا الصراع الضمني بين ثقافة مركزية مهيمنة وهامش عام مطحون.
مدينة محصنة ومسيجة
صدرت الرواية سنة 2025 ووصلت أخيرا إلى القائمة الطويلة لجائزة "كتارا" للرواية العربية، مشكلة الحلقة الثالثة في مشروع روائي بدأه السقا برواية "حي السريان" عام 2016، و"باب الصخر" عام 2018. في باكورته "حي السريان"، رسم ملامح إنسان بيروت ولبنان المهزوم الذي تتقاطع في وجدانه القسوة والاغتراب والطائفية وأشكال عبودية مستحدثة.
تتصدر رواية "الصعود إلى النهار" شخصية حسن، ابن الطفولة المكسورة، الذي اختفى والده منيف وهو في عمر مبكر، فاضطر إلى هجر مقاعد الدراسة في سن العاشرة، ووجد نفسه مرميا في سوق عمل هامشي يستهلك جسده وزمنه قبل أن يستهلك حلمه. علي السقا، الحاصل على ماجستير في علم الاجتماع السياسي، والمشتغل بالصحافة الثقافية منذ أكثر من 10 أعوام في صحف عربية متعددة، يحمل إلى عمله الروائي حساسية سوسيولوجية تجعل من الشخصية الروائية عنده عينة بشرية تختزل مصير طبقة بأكملها، أكثر مما تجسد فردانية استثنائية منعزلة عن سياقها.
هكذا يحول السقا فضاء المدينة إلى نسيج مكاني كثيف، تتداخل فيه الأزقة الضيقة، والمحال المتداعية، والأبنية المتآكلة، والمرافئ، والطرقات، فيغدو المكان بنية دلالية تنتج المعنى بقدر ما تحتضن الحدث.
تؤدي بيروت في الرواية دور الفاعل السردي الذي يعيد تشكيل وعي الشخصيات ويحدد أفق وجودها، متجاوزة وظيفة الخلفية المتحركة فوق الأحداث، حتى يغدو الفضاء امتدادا للحالة النفسية والاجتماعية التي تعيشها الذات الساردة.
ومن رحم هذا التشابك بين المكان والوجود، يكتسب "الصعود إلى النهار" قيمة رمزية تتجاوز الحركة الفيزيائية نحو مستوى علوي، ليصبح سعيا مضنيا إلى انتزاع الذات من عتمة التهميش والقهر.



