المسيّرات الأوكرانية تكشف فشل روسيا في تنويع اقتصادها

الابتكار والقطاع الخاص لا يزالان عاجزين عن انتزاع الدور المحوري لقطاع الطاقة

رويترز
رويترز
ازدحام السيارات عند محطة وقود في مدينة سيبريا على أثر أزمة النفط في روسيا، 6 يوليو/تموز 2026

المسيّرات الأوكرانية تكشف فشل روسيا في تنويع اقتصادها

طوابير للتزود بالوقود في دولة تعد ثالث أكبر مصدر للنفط في العالم تبدو مفارقة يصعب تفسيرها. فمنذ أسابيع، انتشرت صور سيارات تصطف أمام محطات الوقود في مدن روسية، من سيبيريا إلى شبه جزيرة القرم.

فكيف غدت دولة تنتج نحو 10.3 ملايين برميل من النفط والمكثفات يوميا، أي ما يقارب 3.8 مليارات برميل سنويا، تعاني من الشح في هذه المادة الحيوية؟

المفارقة هي أن الهجمات الأوكرانية بالطائرات المسيّرة أدت إلى تعطيل عدد من المصافي ومستودعات التخزين وخطوط الإمداد مما تسبب بهذه الحالة من عدم الاستقرار.

ففي مدينة أومسك، التي تضم أكبر مصفاة للنفط في روسيا والمملوكة لشركة "غازبروم نفت"، بطاقة تكريرية تبلغ نحو 460 ألف برميل يوميا، اصطفت السيارات أمام محطات الوقود بعد تعرض المصفاة لهجوم بطائرات مسيّرة أوكرانية. وأفاد مراسل لوكالة "رويترز" بأن السائقين انتظروا نحو 20 دقيقة لتزود الوقود، فيما علّقت بعض شبكات المحطات الخاصة بيع البنزين للأفراد مؤقتا بسبب شح الإمدادات.

وقد فرضت معظم المناطق الروسية خلال شهر يونيو/حزيران الماضي شكلا من أشكال القيود على بيع الوقود، إذ حددت الكميات التي يمكن السائقين شراؤها من البنزين أو الديزل في كل مرة.

أظهر استطلاع شهري أجراه مركز "ليفادا"، أن نسبة الروس الذين يرون أن البلاد تسير في الاتجاه الصحيح سجلت أكبر تراجع شهري منذ عام 2018، منخفضة إلى 52 في المئة في يونيو/حزيران، مقارنة بـ61 في المئة في مايو/أيار

وعلى وقع الأزمة، طلب مسؤولون حكوميون في منطقة سيبيريا الروسية من الشركات التحول إلى العمل عن بُعد كلما كان ذلك ممكنا، وخفض استهلاك الطاقة، وفقا لما نقلته صحيفة "بوليتيكو" (Politico).

وفي أواخر الشهر، تعهد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين باتخاذ إجراءات لتحقيق الاستقرار في سوق الوقود، فيما دعت السلطات المواطنين إلى التزام الهدوء، مؤكدة أنها تعمل على معالجة مشكلات سلاسل الإمداد بسرعة. وعلى الرغم من هذه التطمينات، لا تزال أزمة الوقود تلقي بظلالها على الحياة اليومية. وأظهر استطلاع شهري أجراه مركز "ليفادا"، وهو مؤسسة روسية مستقلة لقياس الرأي العام، أن نسبة الروس الذين يرون أن البلاد تسير في الاتجاه الصحيح سجلت أكبر تراجع شهري لها منذ عام 2018، إذ انخفضت إلى 52 في المئة في يونيو/حزيران، مقارنة بـ61 في المئة في مايو/أيار.

ديانا إستيفانيا روبيو

وعلى الرغم من الضغوط المتزايدة، لا يتوقع كثير من المحللين أن تتحول الأزمات الاقتصادية إلى ضغط سياسي يجبر الكرملين على تغيير مساره تجاه سياسته مع أوكرانيا، وفق تقرير لقناة "بي بي سي". وبحسب نينا خروشوفا، أستاذة العلاقات الدولية في "ذا نيو سكول" (The New School) في نيويورك، فإن بوتين لن يلين تحت الضغط. وقالت للـ"بي بي سي": "كلما ازداد الضغط عليه، زادت احتمالات أن يتصرف بصورة أكثر عدوانية وقمعا".

وهذا ما تجلى في ظهور بوتين مرتديا الزي العسكري خلال اجتماع مع قادة الجيش، إذ أكد استمرار القوات الروسية في الاحتفاظ بـ"المبادرة الاستراتيجية" في أوكرانيا، متعهدا بمواصلة التقدم والسيطرة على مزيد من الأراضي. كما دعا قادة الجيش إلى دراسة دور الحلفاء الأوروبيين لأوكرانيا في ما وصفه بـ"العمليات القتالية الفعلية"، تمهيدا لاتخاذ "قرارات مسؤولة" مستقبلا، وهي تصريحات أثارت تساؤلات في الأوساط الديبلوماسية والعسكرية الغربية في شأن احتمال إقدام موسكو على مزيد من التصعيد.

هبط معدل البطالة إلى مستويات تاريخية متدنية، مسجلا 2.6 في المئة في أبريل/نيسان 2024 قبل أن ينخفض إلى مستوى قياسي جديد بلغ 2.2 في المئة في مايو/أيار 2025

ما هو واضح، أن استهداف أوكرانيا لم يعد يتركز على آبار النفط، إذ انتقل إلى الحلقة الأكثر حساسية في سلسلة القيمة النفطية، وهي التكرير والتوزيع. وهنا تبرز مشكلة أكبر. إذ إن أزمة الوقود تطرح سؤالا يتجاوز الحرب نفسها. فإذا كان الاقتصاد الروسي ينمو بمعدلات تفوق معظم الاقتصادات الأوروبية، مسجلا نموا بنسبة 4.1 في المئة في عام 2024، في حين لم يتجاوز نمو منطقة اليورو 0.9 في المئة، وفقا لتقديرات صندوق النقد الدولي، فلماذا يؤدي تعطيل عدد من المصافي إلى ظهور طوابير البنزين؟

رويترز
عناصر من القوات المسلحة الأوكرانية، يُعِدّون طائرة "زوزوليا" المسيّرة المخصصة للضربات المتوسطة المدى للانطلاق في مهمة تجاه روسيا، 6 يوليو/تموز 2026

هذا السؤال يقود إلى قضية أكثر عمقا تتعلق بطبيعة الاقتصاد الروسي بعد أكثر من ثلاث سنوات من العقوبات الغربية، وهي مدى نجاح موسكو الفعلي في تنويع اقتصادها.

كيف تحدى الاقتصاد الروسي التوقعات؟

عندما فرضت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وحلفاؤهما في عام 2022 أكبر حزمة عقوبات اقتصادية في التاريخ الحديث على روسيا، كانت معظم التقديرات الغربية تتوقع ركودا عميقا وانهيارا في المالية العامة نتيجة خسارة الأسواق الأوروبية والتكنولوجيا الغربية. لكن ما حدث خالف التوقعات.

فبالإضافة إلى ارتفاع معدلات النمو التي سبق ذكرها، هبط معدل البطالة إلى مستويات تاريخية متدنية، مسجلا 2.6 في المئة في أبريل/نيسان 2024 قبل أن ينخفض إلى مستوى قياسي جديد بلغ 2.2 في المئة في مايو/أيار 2025. وفي الوقت نفسه، استمرت الصادرات النفطية في التدفق نحو آسيا، وأكد نائب رئيس الوزراء الروسي ألكسندر نوفاك أن روسيا أعادت توجيه معظم صادراتها النفطية إلى آسيا بعد العقوبات الغربية. وتمكنت موسكو من احتواء الصدمة الأولية للعقوبات عبر إعادة توجيه التجارة وسلاسل التوريد.

ضخت الحكومة الروسية مئات المليارات من الروبلات في مصانع الذخيرة والدبابات والصواريخ والطائرات المسيّرة، مما أدى إلى تشغيل آلاف المصانع بكامل طاقتها، وخلق طلب قوي على العمالة والمواد الخام والخدمات اللوجستية

دفعت هذه الأرقام كثيرين داخل روسيا إلى اعتبار العقوبات الغربية فاشلة، بل إن الكرملين قدمها دليلا على قدرة الاقتصاد الروسي على التكيف والاستقلال عن الغرب. واعتبر الرئيس الروسي أن "استراتيجيا الحرب الاقتصادية الخاطفة" ضد روسيا قد فشلت، مؤكدا أن الاقتصاد الروسي أصبح "أكثر تكيفا ومرونة وسيادة"، بينما شدد الكرملين لاحقا على أن العقوبات لن تجبر موسكو على تغيير نهجها. غير أن قراءة المؤشرات الكلية وحدها لا تكفي للحكم على نجاح التنويع الاقتصادي.

من أين جاء النمو؟

في الاقتصاد، يقيس الناتج المحلي الإجمالي حجم الإنتاج والنشاط الاقتصادي، لكنه لا يكشف بالضرورة عن طبيعة هذا النمو أو مدى استدامته. بالتالي، لا يجيب الناتج المحلي عن سؤال "كم نما الاقتصاد؟" فحسب، بل يترك سؤالا أكثر أهمية من دون إجابة: "بماذا نما؟".

فقد يرتفع الناتج نتيجة زيادة الاستثمار في التعليم أو التكنولوجيا، كما قد يرتفع أيضا بسبب التوسع في إنتاج الأسلحة أو الإنفاق العسكري. وهنا تكمن خصوصية الحالة الروسية.

رويترز
الرئيس الروسي يتفقد الصناعات العسكرية، في مدينة نيجني تاجيل، روسيا، 25 نوفمبر/تشرين الثاني 2015

ويرى عدد من الاقتصاديين أن جزءا كبيرا من النمو الذي حققته روسيا منذ عام 2023 ارتبط بالزيادة الكبيرة في الإنفاق الحكومي على المجهود الحربي، أكثر من كونه نتيجة طفرة في الابتكار أو توسع يقوده القطاع الخاص. فقد أشار صندوق النقد الدولي إلى أن تعافي الاقتصاد الروسي جاء مدفوعا بارتفاع الإنفاق العسكري، والتحويلات الحكومية، والاستثمار، بينما وصف كبير الاقتصاديين في الصندوق، بيار-أوليفييه غورينشاس، الاقتصاد الروسي بأنه "اقتصاد حرب"، تغذيه النفقات العامة المخصصة لتمويل الحرب، وهو ما أسهم في رفع النمو لكنه أدى أيضا إلى زيادة الضغوط التضخمية.

فالحكومة الروسية ضخت مئات المليارات من الروبلات في مصانع الذخيرة والدبابات والصواريخ والطائرات المسيّرة، مما أدى إلى تشغيل آلاف المصانع بكامل طاقتها، وخلق طلب قوي على العمالة والمواد الخام والخدمات اللوجستية.

ارتفع الإنفاق الدفاعي إلى نحو مليار دولار في موازنة 2025، ما يعادل 6.3 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي وقرابة ثلث الإنفاق الحكومي، وهو أعلى مستوى منذ نهاية الحرب الباردة

وبلغ إجمالي الإنفاق الدفاعي 10.8 تريليون روبل (نحو 117 مليار دولار) في موازنة 2024، وفق وزير المالية الروسي أنطون سيلوانوف. وأوضح أن هذه الأموال مخصصة لتزويد القوات المسلحة الأسلحة والمعدات والدعم اللوجستي. وارتفع إلى 13.5 تريليون روبل (نحو 145 مليار دولار) في موازنة 2025، أي ما يعادل 6.3 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي وقرابة ثلث الإنفاق الحكومي، وهو أعلى مستوى منذ نهاية الحرب الباردة.

وقد انعكس ذلك مباشرة على النشاط الاقتصادي. فمع الزيادة الكبيرة في الإنفاق الدفاعي، عملت شركات المجمع الصناعي العسكري بطاقات إنتاجية مرتفعة لتلبية أوامر الدفاع الحكومية. وأعلن بوتين أن "جميع مؤسسات الصناعات الدفاعية تقريبا" نفذت طلبيات الدولة بالكامل خلال عام 2024، مشيرا إلى تضاعف إنتاج أنظمة الاتصالات والاستطلاع والحرب الإلكترونية، وإنتاج أكثر من 1.5 مليون طائرة مسيّرة. كما ارتفع الطلب على المعادن والكيماويات والنقل والخدمات اللوجستية، وهو ما أسهم في دعم الإنتاج الصناعي الروسي.

رويترز
دخان حريق يتصاعد من مصفاة نفطية في أومسك، روسيا بعد استهداف مسيرات أوكرانية، 6 يوليو/تموز 2026

ومن أبرز الحجج التي يستخدمها الكرملين للدفاع عن نجاح سياساته الاقتصادية، أن العقوبات الغربية أجبرت روسيا على تصنيع ما كانت تستورده سابقا، في ما يعرف بـ"سياسة إحلال الواردات". ويستند الكرملين في دفاعه عن هذه السياسة إلى مؤشرات صناعية ملموسة. وبحسب هيئة الإحصاء الروسية (روستات)، واصلت الصناعات التحويلية أداءها القوي في عام 2025، محققة نموا بنسبة 3.9 في المئة، بدعم من زيادة إنتاج معدات النقل بنسبة 32 في المئة، والمنتجات المعدنية الجاهزة بنسبة 18 في المئة، والأدوية بنسبة 15.4 في المئة، إلى جانب نمو إنتاج الحواسيب والمنتجات الإلكترونية والبصرية بنسبة 11.7 في المئة.

في المقابل، تشير بيانات أخرى إلى أن سياسة "إحلال الواردات" لم تحقق النجاح نفسه في الصناعات العالية التقنية. فبحسب تقييم داخلي لوزارة الاقتصاد الروسية اطلعت عليه صحيفة "فايننشال تايمز"، لا تزال روسيا تعتمد على الواردات في مجالات مثل معدات الطاقة، والآلات، والإلكترونيات، ومكونات الطائرات المسيّرة، فيما أصبحت الصين المورد الرئيس لمعظم هذه التقنيات. كما أن الجزء الأكبر من الطفرة الصناعية ارتبط بالمجمع الصناعي العسكري، بينما لا تزال قطاعات أشباه الموصلات والمعدات الدقيقة تعتمد على الواردات أو ما يُعرف بـ"الواردات الموازية" عبر دول ثالثة للالتفاف على العقوبات. وبذلك، نجحت روسيا في توسيع إنتاجها الصناعي، لكنها لم تحقق بعد تنويعا اقتصاديا واسعا يقوده الابتكار والقطاع الخاص.

النفط لا يزال رافدا كبيرا لتمويل الدولة

أكدت إيلينا ليبيدينسكايا، مديرة إدارة الإيرادات في وزارة المالية الروسية، لصحيفة "روسيسكايا غازيتا" أن خفض الاعتماد على إيرادات النفط والغاز عزز استقرار الموازنة الفيديرالية.

وأضافت أنه في حلول نهاية عام 2025، انخفضت حصة الإيرادات النفطية والغازية إلى 22.7 في المئة من إجمالي إيرادات الموازنة الفيديرالية، وهو أدنى مستوى خلال العقد الماضي، ويعادل نحو نصف مستواها في عام 2015.

وأوضحت أن إجمالي إيرادات الموازنة الروسية واصل نموه، إذ بلغت في عام 2025 نحو 37.3 تريليون روبل (445 مليار دولار)، منها حوالى 8.5 تريليون روبل (نحو 101 مليار دولار) إيرادات نفطية وغازية، في حين بلغت الإيرادات غير النفطية والغازية 28.8 تريليون روبل (343.8 مليار دولار)، أي ما يعادل 77.3 في المئة من إجمالي الإيرادات.

قدرت "رويترز" أن الهجمات عطلت نحو 700 ألف برميل يوميا من طاقة التكرير بين يناير/كانون الثاني 2026 ومايو/أيار 2026، قبل أن تتجاوز الطاقة المتوقفة مليون برميل يوميا خلال موجات الهجمات في مارس/آذار وأبريل/نيسان

وللمقارنة، بلغت إيرادات الموازنة الفيدرالية في عام 2024 نحو 36.7 تريليون روبل (406.5 مليار دولار)، شكلت الإيرادات النفطية والغازية منها 30.3 في المئة، مقابل 69.7 في المئة للإيرادات غير النفطية والغازية.

وعلى الرغم من نجاح روسيا في الحد من أثر العقوبات الغربية عبر إعادة توجيه صادراتها النفطية من أوروبا إلى آسيا، فإن ذلك لم يغير بنية الاقتصاد الروسي بقدر ما غيّر وجهة صادراته. فالتراجع النسبي في مساهمة النفط في الموازنة يعكس تغيرا في هيكل الإيرادات الحكومية أكثر مما يعكس تحولا في بنية الاقتصاد. إذ لا يزال النفط والغاز يمثلان المصدر الرئيس للعملات الأجنبية.

أ.ف.ب
خزانات الوقود في سانت بطرسبرغ، روسيا، 26 سبتمبر/أيلول 2025

فوفقا لنائب رئيس الوزراء الروسي ألكسندر نوفاك، أصبحت الصين والهند تستحوذان على نحو 80 في المئة من صادرات النفط الروسية، بعدما كانت أوروبا السوق الرئيسة قبل الحرب. وتؤكد وكالة الطاقة الدولية أن روسيا تمكنت من الحفاظ على مستويات مرتفعة من صادرات النفط بفضل التحول نحو الأسواق الآسيوية، مدعومة بتقديم خصومات سعرية كبيرة للمشترين، ولا سيما الهند والصين. وبذلك، لم تتراجع أهمية النفط في الاقتصاد الروسي، وإنما تبدلت خريطة العملاء. وهنا يظهر الفارق بين تنويع الأسواق وتنويع الاقتصاد. فالأول يعني بيع السلعة نفسها إلى مشترين مختلفين، أما الثاني فيعني تقليص الاعتماد على تلك السلعة أساسا. وهذا ما لم يتحقق بعد بصورة كاملة في روسيا.

الضربات الأوكرانية تفضح المستور

في عام 2024، أظهرت حسابات أجرتها "رويترز" استنادا إلى بيانات المتعاملين في السوق، أن الهجمات عطلت نحو 10 في المئة من طاقة التكرير الروسية بسبب ضربات المسيرات الأوكرانية على المصافي الروسية. وتشير تقديرات حديثة إلى أن الضربات الأوكرانية المكثفة خلال الأسابيع الماضية على المصافي والبنية التحتية النفطية الروسية تسببت في تعطيل جزء كبير من طاقة التكرير في البلاد. وبحسب تحقيق أجرته صحيفة "وول ستريت جورنال"، طالت الهجمات الأوكرانية جميع المصافي الروسية العشر الأكبر، وأخرجت أكثر من 25 في المئة من طاقة التكرير الروسية عن الخدمة في بعض الفترات، مما أدى إلى أطول أزمة وقود تشهدها روسيا منذ عقود.

وقدرت "رويترز" أن الهجمات عطلت نحو 700 ألف برميل يوميا من طاقة التكرير بين يناير/كانون الثاني 2026 ومايو/أيار 2026، قبل أن تتجاوز الطاقة المتوقفة مليون برميل يوميا خلال موجات الهجمات في مارس/آذار وأبريل/نيسان. وفي يوليو/تموز الجاري، توقفت مصفاة أومسك، أكبر مصفاة في روسيا، عن العمل عقب هجوم بطائرات مسيّرة، كما انخفض إنتاج البنزين المحلي إلى نحو 65 في المئة فقط من الطلب. وخفضت وكالة الطاقة الدولية توقعاتها لإنتاج النفط الروسي في عامي 2026 و2027، مرجعة ذلك إلى استمرار الهجمات على منشآت الطاقة والبنية التحتية النفطية.

الاقتصاد الروسي لم ينمُ على الرغم من الحرب، إنما بسببها

يرى بعض المحللين المحليين أن أزمة الوقود الحالية لا تعكس انهيارا هيكليا في قطاع الطاقة الروسي، بقدر ما تمثل اختبارا لقدرة موسكو على التكيف مع الحرب. ويشير هؤلاء إلى أن الحكومة الروسية اتخذت سلسلة من الإجراءات لاحتواء الأزمة، شملت تقييد صادرات الوقود، والسحب من المخزونات، وإعادة توزيع الإمدادات بين الأقاليم، وتسريع أعمال إصلاح المصافي المتضررة، في محاولة للحفاظ على استقرار السوق المحلية.

أ.ف.ب
صفوف من السيارات تنتظر تعبئة الوقود، في موسكو، روسيا، 30 يونيو/حزيران 2026

ويرى أصحاب هذا الطرح أن هذه الإجراءات تدفع روسيا أيضا إلى إعادة هيكلة منظومة الطاقة، من خلال تعزيز مرونة سلاسل الإمداد، وتوزيع طاقات التكرير على نطاق أوسع، وتقليل الاعتماد على عدد محدود من المنشآت الكبرى، بما يجعل القطاع أكثر قدرة على مواجهة الهجمات والعقوبات مستقبلا. غير أن نجاح هذه الاستراتيجيا سيظل مرهونا بقدرة موسكو على مواصلة تمويل هذه الاستثمارات، واستمرار الطلب الآسيوي على صادراتها النفطية، في ظل حرب طويلة وتحديات مالية متزايدة.

دور الولايات المتحدة

على وقع الضربات الأوكرانية للمصافي الروسية، أنهت الولايات المتحدة في 17 يونيو/حزيران العمل بالإعفاء الذي كان يسمح ببعض التعاملات المتعلقة بالنفط الروسي إبان إغلاق مضيق هرمز، في خطوة تهدف إلى زيادة الضغط الاقتصادي على موسكو، بعدما اعتبر الرئيس الأميركي دونالد ترمب أن استقرار إمدادات النفط العالمية يتيح تشديد العقوبات. كما تعهدت دول مجموعة السبع بتوسيع العقوبات على قطاعي النفط والغاز الروسيين.

وعلى الرغم من ذلك، واصلت روسيا زيادة صادراتها النفطية، التي بلغت نحو 6 ملايين برميل يوميا في مايو/أيار وفق بيانات "ستاندرد آند بورز غلوبال" (S&P Global). وترى الباحثة أولغا خاكوفا من المجلس الأطلسي أن الإعفاءات الأميركية السابقة منحت موسكو أكثر من ملياري دولار من الإيرادات الإضافية، لكنها تتوقع أن تستمر روسيا في الالتفاف على العقوبات عبر إعادة توجيه صادراتها إلى الأسواق الآسيوية بأسعار مخفضة للحفاظ على تدفق الإيرادات.

هل تمكنت فعليا من تنويع اقتصادها؟

الإجابة في الغالب هي: لا.

فالاقتصاد الذي ينمو بفضل عقود حكومية عسكرية يختلف جذريا عن اقتصاد ينمو نتيجة الابتكار أو زيادة إنتاجية القطاع الخاص أو توسع الصناعات التصديرية المدنية. وفي الواقع، الاقتصاد الروسي لم ينمُ على الرغم من الحرب، إنما بسببها. ويرى اقتصاديون أن هذا النوع من النمو أقل استدامة على المدى الطويل. وهذا يتماشى مع توقعات صندوق النقد الدولي بتباطؤ النمو على المدى المتوسط مع تشديد السياسة النقدية واستمرار تأثير الحرب والعقوبات على الإمكانات الإنتاجية للاقتصاد.

ومع دخول عامي 2025 و2026، بدأت مؤشرات التباطؤ الاقتصادي تتزايد. فقد تراجع معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي من نحو 4.9 في المئة في عام 2024 إلى قرابة 1 في المئة في 2025، وفق تقديرات صندوق النقد الدولي، الذي يتوقع نموا لا يتجاوز 1.1 في المئة في 2026. وعلى الرغم من أن البنك المركزي الروسي بدأ خفض أسعار الفائدة بعدما بلغت ذروتها عند 21 في المئة في 2024، فإن سعر الفائدة الأساس لا يزال مرتفعا عند 14.25 في المئة في يوليو/تموز 2026، وهو مستوى يعكس استمرار الضغوط التضخمية ويحد من الاستثمار والائتمان.

صور طوابير السيارات أمام محطات الوقود في بلد يملك أحد أكبر احتياطيات النفط والغاز في العالم كشف أن أساس النمو الروسي لم يتغير جذريا. لقد تغيرت الجغرافيا الاقتصادية، وتغيرت الأسواق، وتغيرت أولويات الإنفاق

وفي الأدبيات الاقتصادية، لا يقاس التنويع بحجم الناتج المحلي أو الإيرادات النفطية، إنما بقدرة الاقتصاد على خلق محركات نمو متعددة تقلل الاعتماد على قطاع واحد أو سلعة واحدة.

وتُعدّ النرويج نموذجا بارزا لذلك، إذ حولت جزءا كبيرا من عائدات النفط إلى أصول مالية عبر صندوقها السيادي، الذي تجاوزت قيمته تريليوني دولار في عام 2026، بالتوازي مع تطوير قطاعات تنافسية في التكنولوجيا، والخدمات، والصناعات البحرية، والطاقة المتجددة، مما حدّ من تعرض الاقتصاد لتقلبات أسعار النفط. كما تسعى دول خليجية، في مقدمها السعودية، ضمن "رؤية 2030"، إلى زيادة إسهامات القطاعات غير النفطية في الناتج المحلي عبر الاستثمار في السياحة، والتعدين، والخدمات اللوجستية، والتكنولوجيا.

.أ.ف.ب
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يزور مصنع "أورالفاغونزافود"، وهو المصنع الرئيس للدبابات في البلاد في منطقة الأورال، 15 فبراير/ شباط 2024

أثبتت موسكو بلا شك أنها تستطيع الالتفاف على العقوبات، وإيجاد مشترين جدد لنفطها، وبناء طرق تجارية بديلة، وتمويل اقتصاد الحرب لسنوات أطول مما توقعه خصومها. غير أن صور طوابير السيارات أمام محطات الوقود في بلد يملك أحد أكبر احتياطيات النفط والغاز في العالم، تذكّر بأن أساس النمو الروسي لم يتغير جذريا. لقد تغيرت الجغرافيا الاقتصادية، وتغيرت الأسواق، وتغيرت أولويات الإنفاق، لكن النفط لا يزال يمثل العمود الفقري للاقتصاد، فيما أصبحت الصناعات العسكرية محركه الأكثر نشاطا.

لذلك، فإن التجربة الروسية منذ عام 2022 لا تبدو قصة انتقال ناجح من الاقتصاد النفطي إلى اقتصاد متنوع، بقدر ما تبدو قصة إعادة تدوير النموذج النفطي في ظل حرب طويلة وعقوبات غير مسبوقة. وقد يكون هذا النموذج قادرا على الصمود لسنوات، لكنه سيظل معرضا للاهتزاز كلما تعرض قطاع الطاقة أو المالية العامة أو الإنفاق العسكري لضغوط جديدة.

font change

مقالات ذات صلة