إن لم تكن مشتركات اللغة والموسيقى تتجاوز كون كل منهما نظاما صوتيا ذا قواعد، وإن كانت الموسيقى مختلفة عن اللغة على صعد الوظائف والمعاني والاستقبال البيولوجي العصبي المختلف لكل منهما وعلى المستوى الفلسفي والتعريفي لهما، فما تكون؟
الحق أن تعريفنا للموسيقى مهم إذ سيكون له تأثير في استقبالنا لها وحكمنا الجمالي عليها وفهمنا لمغزاها وإمكان معرفتها، كما سيؤثر في طريقة أداء المؤدين لها وعلاقتهم بها. فلا يستوي مثلا أن نظن أن الموسيقى هي "حاملة معان"، فيصير الحكم مرتبطا بالمعاني أو بالرسالة وينتهي الأمر بالحكم على الأغاني وفقا لكلماتها لا لموسيقاها مثلا، أو أن نعتبرها "صانعة لعالم صوتي" فيصير السؤال عن وسائل صناعته وتركيبه ونجاحها او فشلها، أو أن نظنها "تعبيرا عن نفس المؤلف" ويصير السؤال عندئذ حول مدى اتصالنا "بنفس المؤلف" وعن اهتمامنا بتلك النفس أصلا ويتحول المؤدي إلى وسيط شبه شفاف بيننا وبين المؤلف.
لن نتناول في هذا المعرض مسائل الأحكام الجمالية على موسيقى معينة ولا أشكال تأثيرها في السامعين أو مواضع استعمالها في المجتمع أو غير ذلك من جوانب الموسيقى. كذلك لا نستعرض في هذه العجالة مجمل آراء الفلاسفة والنقاد في ماهية الموسيقى، ولا نظن أن في الإمكان آخر الأمر انتاج تعريف واحد موجز جامع مانع لها، وذلك لتعدد زوايا النظر إليها تعددا فائقا.
لكن النظر في بعض النواحي، وبالتحديد لناحية ما هو "موسيقي في نسيج الموسيقى ذاتها"، ضروري وسيكون مقدمة لحديث لاحق عن كيفية الاستماع إلى الموسيقى، وأدوات المؤلفين، ودور المؤدين والنقاد من الجنسين.
الموسيقى تنظيم أصوات في الزمن
ينبغي أولا الإعراض عن ربط الموسيقى بالتدوين الموسيقي، سواء بالنوطة الغربية أو غيرها. فالتدوين بدأ كعامل مساعد للذاكرة وسمح في إطار الموسيقى الغربية بتعقيد النسيج الموسيقي والتوزيع وربط جمل مختلفة في إطار البوليفوني وإنشاء ودراسة الهارموني. لكن الشطر الأعظم من موسيقات العالم لا يعرف سبق التدوين للمسموع، بل وفي غالب الأحيان لم يعرف التدوين أو لم يستعمله. كما أن الارتجالات، في موسيقات العالم المختلفة، أيضا خارجة عن إطار التدوين. فليست النوطة إذن معيار وجود الموسيقى. ولا يمكن حصر العمل في تدوينه، ولا افتراض أنه اصلا في "رأس" المؤلف فلا يتبقى لنا إلا صور باهتة عنه. وإذا ما خرجنا من نطاق الموسيقى الأوروبية المدونة، فإن السؤال عن كون "العمل الموسيقي" المفرد هو مجموع اداءاته "الوفية" أم لا، لا يعود سؤال مهما لتعريف الموسيقى، ففي موسيقى يغلب عليها الارتجال الحر، أو المقيد بقواعد مرجعية، فإن "العمل الموسيقي" ليس مصنوعا أصلا كي يتكرر بحذافيره.





