البنتاغون يحتاج إلى 1.5 تريليون دولار... لماذا؟

تُحسن واشنطن صنعا حين تستثمر في موازنة دفاعية أكبر في هذه اللحظة الخطرة

(البحرية الأميركية/ رويترز)
(البحرية الأميركية/ رويترز)
الغواصة الهجومية "جون وارنر-إس إس إن 785" من طراز "فيرجينيا" خلال نقلها إلى الحوض الجاف العائم في أحواض نيوبورت نيوز لبناء السفن استعدادا لتدشينها في 6 سبتمبر بولاية فيرجينيا في الولايات المتحدة، 31 أغسطس 2014.

البنتاغون يحتاج إلى 1.5 تريليون دولار... لماذا؟

دعا الرئيس الأميركي دونالد ترمب، في طلب موازنته لعام 2027، إلى تخصيص أكبر موازنة دفاعية في تاريخ الولايات المتحدة، بقيمة 1.5 تريليون دولار، ويشكل ذلك أكبر زيادة في الإنفاق الدفاعي الأميركي منذ الحرب الكورية، إذ يقارب ضعف موازنة الدفاع لعام 2022، ويتجاوز مجموع إنفاق الدول الثماني عشرة التالية للولايات المتحدة.

يشكل مبلغ 1.5 تريليون دولار رقما ضخما، لكن الحاجة ملحة إلى إنفاقه كاملا.

تواجه الولايات المتحدة بيئة أمنية خطرة، وتدور صراعات كبرى في أوروبا والشرق الأوسط، فيما تمارس الصين سلوكا عسكريا عدوانيا يوميا في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، وكما تشير استراتيجية الدفاع الوطني الأميركية لعام 2026 بحق، تواجه واشنطن وحلفاؤها خطر اندلاع حروب متزامنة بين القوى الكبرى في أنحاء أوراسيا.

وقد تتجاوز خطورة هذه اللحظة حتى أحلك أيام الحرب الباردة، إذ تفوق قدرات الصين قدرات الاتحاد السوفيتي، وليست الصين الدكتاتورية الوحيدة المسلحة نوويا التي تتحدى الولايات المتحدة، ولا تملك واشنطن ببساطة الجاهزية اللازمة لخوض حرب متزامنة مع الصين وروسيا وكوريا الشمالية وإيران.

إذا اتخذنا الحرب الباردة نموذجا ناجحا، نجد أن الولايات المتحدة أنفقت ما متوسطه نحو 7 في المئة من ناتجها المحلي الإجمالي على الدفاع. في المقابل، بلغت موازنة الدفاع لعام 2022 أقل من 3.5 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد، وهو أدنى مستوى وفق هذا المقياس منذ نحو 70 عاما.

وكما جادلت في عام 2022، ينبغي لواشنطن أن ترتقي إلى مستوى اللحظة عبر تعزيز الردع النووي، وإقناع الحلفاء بزيادة مساهماتهم، والمضي "إلى حد مضاعفة الإنفاق الدفاعي"، وشكك معلقون آنذاك، بمن فيهم بعض من يشغلون الآن مناصب في وزارة الدفاع ضمن إدارة ترمب، في إمكان تحقيق زيادات ضخمة كهذه، وفي حجم الدعم السياسي المتاح لها، لكن ترمب يحب الرهانات الكبيرة، وتأخذ خطة هذا العام ما أنفقته الولايات المتحدة على الدفاع في السنة المالية 2022، والبالغ 778 مليار دولار، وتضاعفه تقريبا.

تعزيز الردع النووي والدفاع الصاروخي سيساعد في صد الهجمات الاستراتيجية لخصوم مسلحين نوويا

تشمل أبرز أولويات الإنفاق الدفاعي الأميركي تحديث قوة الردع النووي، وبناء منظومة "القبة الذهبية" للدفاع الصاروخي، وتوسيع برامج بناء السفن، وتجديد مخزونات الذخائر المستنزفة، والاستثمار في تقنيات جديدة مثل الذكاء الاصطناعي والطائرات المسيرة والقدرات الفضائية، وإحياء القاعدة الصناعية الدفاعية.

سيساعد تعزيز الردع النووي ومنظومة الدفاع الصاروخي عن الأراضي الأميركية على ردع الهجمات الاستراتيجية التي قد يشنها خصوم مسلحون نوويا، وتعطي مخصصات بناء السفن الأولوية للغواصات، ما سيساعد الولايات المتحدة على الحفاظ على هيمنتها تحت سطح البحر، والحد من مواطن الضعف المتزايدة في سفنها السطحية أمام الصواريخ الصينية المضادة للسفن، واستنزفت عملية "الغضب الملحمي" وسنوات دعم أوكرانيا مخزونات الذخائر، ومنها الصواريخ الاعتراضية من طراز "PAC-3"، ولذلك تحتاج هذه المخزونات إلى تجديد عاجل، وتشكل الحرب في أوكرانيا مختبرا لمستقبل الحروب، وستضمن الاستثمارات في التقنيات الجديدة بقاء الولايات المتحدة في طليعة التطور، بما في ذلك مساعدة القيادة الأميركية في المحيط الهادئ على نشر دفاع يقوم على مفهوم "مشهد الجحيم".

(رويترز)
يظهر رأس التوجيه لصاروخ "باك-3" من إنتاج شركة "بوينغ" خلال ندوة ومعرض القوة العالمية لرابطة جيش الولايات المتحدة في هانتسفيل بولاية ألاباما، الولايات المتحدة، 28 مارس 2023.

لكن إحياء القاعدة الصناعية الدفاعية قد يكون أهم هذه الأولويات، فكلما ألقيت كلمة بشأن الإنفاق الدفاعي، يسألني أحدهم عادة عن النفوذ الخبيث لـ"المجمع الصناعي العسكري"، ويفترض هؤلاء أن زيادات الإنفاق الدفاعي تدفعها مصالح المتعاقدين الدفاعيين وجماعات الضغط الساعية إلى ملء جيوبها، لا المصلحة الوطنية.

لكننا نواجه في الواقع المشكلة المعاكسة، فقد أصبح "المجمع الصناعي العسكري" أضعف مما ينبغي.

وكما قال مايك روجرز، رئيس لجنة القوات المسلحة في مجلس النواب، في فبراير/شباط: "يتعين علينا فعلا توسيع القاعدة الصناعية الدفاعية، فقد تقلصت كثيرا، وأصابها الضمور، وتحتاج إلى اهتمام كبير".

تتجاوز اللحظة أحلك أيام الحرب الباردة، ولا تملك واشنطن الجاهزية لخوض حرب متزامنة مع الصين وروسيا وكوريا الشمالية وإيران.

كادت القاعدة الصناعية الدفاعية الأميركية أن تذبل بعد انتهاء الحرب الباردة، ففي اجتماع "العشاء الأخير" الشهير عام 1993، جمع ليس آسبن، وزير دفاع الرئيس بيل كلينتون آنذاك، كبار المتعاقدين الدفاعيين، وحذرهم من حساب عسير مقبل، وحثهم على الاستعداد لفترة طويلة من الموازنات الأكثر تقشفا، وعلى الاندماج أو الاندثار، وانخفض عدد المتعاقدين الرئيسين في القاعدة الصناعية الدفاعية الأميركية من 51 إلى خمسة فقط اليوم.

(أ.ف.ب/ غيتي)
وكيل وزارة الحرب جولز هيرست الثالث ومدير هياكل القوات الفريق ستيفن ويتني خلال مؤتمر صحافي لمناقشة طلب موازنة وزارة الحرب للسنة المالية 2027 في البنتاغون في أرلينغتون بولاية فيرجينيا، 21 أبريل 2026

وتشكل القاعدة الصناعية الدفاعية جزءا من القاعدة الصناعية الأميركية الأوسع، التي انكمشت بدورها خلال العقود الأخيرة، وخلال الحرب العالمية الثانية، حشدت الولايات المتحدة القطاع الصناعي المدني ليصبح ما وصفه الرئيس فرانكلين دي روزفلت آنذاك بأنه "ترسانة الديمقراطية"، وأوقفت شركة "فورد موتور" إنتاج سيارات "ديلوكس كوبيه"، وبدأت تصنيع دبابات "إم 4 شيرمان" بوتيرة متسارعة.

لكن عقودا من العولمة ونقل التصنيع إلى الخارج جعلت الأميركيين لا يصنعون الأشياء كما كانوا يصنعونها في السابق، بالمعنى الحرفي للكلمة، ولا تضاهى شركات البرمجيات والتمويل والخدمات الحديثة الأخرى في الولايات المتحدة، لكنها لا تصلح لإنتاج الذخائر بكميات ضخمة خلال الحرب المقبلة بين القوى الكبرى.

ولذلك، أحسنت استراتيجية الدفاع الوطني لعام 2026 حين اعتبرت إحياء القاعدة الصناعية الدفاعية الأميركية ركيزة أساسية، وستبعث الموازنات الدفاعية الأكبر إلى الصناعة بإشارة واضحة إلى حجم الطلب اللازم لافتتاح خطوط تصنيع جديدة، وتشغيل مزيد من نوبات العمل، واستقطاب قوة عاملة، والاستثمار في تقنيات تصنيع جديدة، وتوسيع الإنتاج بوسائل أخرى.

حصة الدفاع لا تتجاوز 13 في المئة من الإنفاق الحكومي، أما البحث عن وفورات في البنتاغون فمطاردة لمبالغ هامشية


وسيساعد الإنفاق عند هذا المستوى الولايات المتحدة أيضا على الوفاء بالتزاماتها تجاه حلفائها، فبعد ضغوط شديدة مارستها إدارة ترمب، وافق حلفاء حلف شمال الأطلسي العام الماضي على إنفاق 3.5 في المئة من نواتجهم المحلية الإجمالية على الدفاع العسكري المباشر، وإنفاق 1.5 في المئة إضافية على نفقات أخرى مرتبطة بالأمن بحلول عام 2035، وتساءل مسؤولون في الدول الحليفة عما إذا كانت أهداف الإنفاق هذه تشمل الولايات المتحدة، ويظهر طلب موازنة هذا العام، الذي يعادل نحو 4.6 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، أن واشنطن تمضي بالفعل على الطريق الصحيح لتقديم نصيبها العادل.

(أ.ف.ب)
الغواصة الهجومية البحرية الأميركية "يو إس إس مينيسوتا-إس إس إن 783" من طراز "فيرجينيا" خلال إبحارها قبالة ساحل غرب أستراليا، 16 مارس 2025.

وقال روجرز والسيناتور روجر ويكر، رئيس لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ، في بيان مشترك: "ستدفع هذه الأموال الولايات المتحدة نحو موازنة دفاعية تعادل 5 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، وهو معيار أيدناه منذ فترة طويلة بوصفه ضروريا للحفاظ على دفاعنا الوطني، ويرسل الرئيس ترمب أيضا إشارة واضحة إلى حلفائنا وشركائنا كي يبنوا على التقدم الأخير ويحققوا هذا المعيار إلى جانبنا".

ويخشى البعض أن تقود زيادة الإنفاق الدفاعي إلى إعسار الدولة، لكن الحسابات لا تؤيد هذا الاستنتاج، ولا شك في أن تصاعد ديون الولايات المتحدة وعجزها المالي يشكل مشكلة، غير أن حصة الدفاع لا تتجاوز نحو 13 في المئة من الإنفاق الحكومي، في المقابل، يذهب ما يقارب نصف الإنفاق الفيدرالي الأميركي، أي 45 في المئة، إلى الضمان الاجتماعي وبرنامج "ميديكير" وغيره من برامج الرعاية الصحية.

ويرجح أيضا أن ترتفع تكلفة برامج الاستحقاقات هذه بسرعة مع مرور الوقت وتقاعد جيل طفرة المواليد، ويتوقع أن تتضاعف تكاليف "ميديكير" وحده تقريبا خلال العقد المقبل، ولا يمكن عمليا تحقيق التوازن في الموازنة إلا بإصلاح برامج الاستحقاقات، أما البحث عن وفورات كبيرة في البنتاغون، فلا يعدو كونه مطاردة لمبالغ هامشية.

ويتردد بعض الديمقراطيين في دعم خطة الإنفاق لأنهم يرون أن إقرارها يعني ضمنيا تأييد حرب ترمب في إيران، لكن التخلي عن استثمار في الأمن الوطني للبلاد لا يتكرر إلا مرة كل جيل، بسبب خلاف على سياسة راهنة، سيكون ضربا من قصر النظر.

ويشق التشريع الدفاعي طريقه عبر الكونغرس، وسيأتي في دفعتين: مشروع قانون أساسي بقيمة 1.15 تريليون دولار، وحزمة بقيمة 350 مليار دولار عبر آلية المصالحة التشريعية، ويتعثر المشروع بسبب محاولة بعض الجمهوريين ربطه بمشروع قانون ترمب المثير للجدل، الذي يلزم الناخبين بإبراز بطاقات هوية، ومع ذلك، يظل قانون تفويض الدفاع الوطني من مشاريع القوانين القليلة التي يقرها الكونغرس بانتظام، ويرجح أن يصل إلى مكتب الرئيس لتوقيعه قريبا.

يمثل مبلغ 1.5 تريليون دولار رقما ضخما يصعب استيعابه، ولا يمكن الاستخفاف بإنفاق مبلغ من 13 رقما على أي بند، لكن الضرورة تقتضي إنفاق ما يكفي لردع الخصوم المعادين أو هزيمتهم، وسيتبين في النهاية أن ذلك أقل كلفة من خسارة حرب بين القوى الكبرى.

font change

مقالات ذات صلة