لماذا اختار الرئيس الجزائري برلين لتعرية خطاب الراديكالية؟

صراع السرديات... الجزائر وأوروبا في مواجهة التطرف والانفصال

(أ.ف.ب)
(أ.ف.ب)
المستشار الألماني فريدريش ميرتس والرئيس الجزائري عبد المجيد تبون يتحدثان على شرفة المستشارية الاتحادية مع ظهور مبنى الرايخستاغ الذي يستضيف البرلمان الألماني البوندستاغ في الخلفية، في 16 يوليو 2026 في برلين.

لماذا اختار الرئيس الجزائري برلين لتعرية خطاب الراديكالية؟

لم تكن الرسائل السياسية التي بعث بها الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون من برلين مجرد "مناورة بروتوكولية"، بل هي جزء من رؤية أشمل تهدف إلى فرز جبهة المعارضة الخارجية وعزل الجناح الانفصالي عن حاضنته الحقوقية والسياسية في أوروبا، وتزامن هذا التحرك الخارجي مع إجهاض الأجهزة الأمنية لمخططات تخريبية تابعة لتنظيم "الماك" في عمق منطقة القبائل. ويضعنا هذا المشهد أمام فصل جديد من فصول كبح المد الانفصالي إذ يتجاوز الأساليب الردعية التقليدية ليركز على خنق الأطروحات الفكرية والدعم الدبلوماسي من خلال منصات عالمية وازنة.

أحدثت المحطة الدبلوماسية الأخيرة للرئيس عبد المجيد تبون في برلين تحولا لافتا في التعاطي مع ملف الجالية والمعارضة في الخارج رغم أن هذه الخطوة لا تعتبر الأولى من نوعها إذ سبقتها مجموعة من الآليات القانونية والإدارية الواردة ضمن ما يعرف بـ"مشروع التسوية والعفو"، حيث تضمنت تصريحاته رسائل سياسية مكثفة تخطت بكثير التهدئة البروتوكولية إلى ملامسة عمق الاستراتيجية الأمنية للبلاد، خاصة حينما توجه إلى الناشطين بالقول إن "المعارضين مرحب بهم بالجزائر". وأضاف: "قلت مرات عدة في مداخلاتي بالتلفزيون وأكررها اليوم أمامكم إن كل جزائري لديه الحق في الانتقاد، لكن يجب أن يأخذ بعين الاعتبار تقاليدنا وحرمتنا"، وبالرغم من أن الطرح الوارد في التصريحات اتسم بمرونة واضحة وفتح قنوات الحوار المشروط مع التيارات التي نأت بنفسها عن مساعي التقويض أو الفوضى ولم تحد عن الأطر القانونية والشرعية، غير أنه وضع خطا فاصلا لا رجعة فيه مع التيارات الراديكالية ودعاة الانفصال، مستبعدا إياهم تماما من هذه المبادرة عبر تأكيده الصارم أن "التجريح والسب والشتم لا يأتي إلا بالكراهية والعنف".

وتأتي هذه الخطوة امتدادا لنداء سابق أطلقه الرئيس الجزائري صوب النشطاء في الخارج، إذ جرى تحويل هذا التحرك ليتخذ صيغة عمل هيكلية بوصفه مشروعا للتسوية يقضي بتقنين وتسوية ملفات هؤلاء الفاعلين في المهجر المستهدفين بتدابير قضائية أو إدارية، وهو الإجراء الذي أفصحت عنه رئاسة الجمهورية في 11 يناير/كانون الثاني الماضي بالتوافق التام بين كل مؤسسات الجمهورية، وشمل القرار أيضا الشباب ممن لديهم بعض المشكلات القضائية ذات العلاقة بالحق العام، واستثني منه المتورطون في قضايا جرائم إراقة الدماء، والمخدرات، وتجارة الأسلحة، وكل من تعاون مع الأجهزة الأمنية الأجنبية بغرض المساس بأمن البلاد.

طرح تبون مبادرة للمعارضة بالخارج تتيح حوارا مشروطا مع التيارات التي نأت عن مساعي التقويض، ووضعَ حدا فاصلا للتيارات الراديكالية ودعاة الانفصال

أمام هذا الحزم القاطع الصادر من قلب أوروبا يبرز تساؤل محوري تفرضه الجغرافيا السياسية: لماذا وقع اختيار صانع القرار الجزائري على منصة برلين لإطلاق هذه المقاربة الجزائرية الجديدة نحو الخارج؟ وهل تملك الدبلوماسية الألمانية أوراق الضغط اللازمة لتعضيد مساعي الجزائر في تجفيف المنابع الفكرية والمالية للتطرف الانفصالي؟

الرسائل الدبلوماسية المشفرة

وفي قراءة معمقة وتفكيكية لهذه الأبعاد، يرى باحثون في الشأن الجيوسياسي أن لجوء صانع القرار الجزائري إلى الحاضرة السياسية الألمانية لم يكن وليد الصدفة، بل جاء استنادا إلى حسابات استراتيجية دقيقة تترجم رغبة الجزائر في استثمار الثقل الجيوسياسي الذي تتمتع به برلين في الخارطة الأوروبية، وفي هذا السياق، ويقول الدكتور تلي عبد الله، أستاذ في كلية الحقوق والعلوم السياسية بجامعة أبو بكر بلقايد في ولاية تلمسان في حديثه لـ"المجلة" إن "اختيار الجغرافيا يحمل دلالات استراتيجية بالغة الأهمية، فمن حيث المكان، تعد ألمانيا واحدة من أهم القوى الأوروبية المؤثرة في صناعة القرار داخل الاتحاد كما أنها تستضيف على أراضيها جالية معتبرة من منطقة شمال أفريقيا والساحل الأفريقي، ومن ثم فإن إطلاق هذه الرسائل الحازمة من برلين يمثل إشارة غير مباشرة من صانع القرار الجزائري بأن الدولة تتابع بدقة النشاط السياسي والتنظيمي لبعض المجموعات المحسوبة على التيارات الراديكالية في أوروبا، وتريد وضع هذا الملف الأمني الشائك مباشرة أمام شركائها الأوروبيين".

(رويترز)
الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون يتحدث خلال مؤتمر صحافي مشترك مع المستشار الألماني فريدريش ميرتس، في مقر المستشارية الاتحادية ببرلين، ألمانيا، 16 يوليو 2026

 وأضاف ذات المتحدث أن "ألمانيا في هذه المقاربة ليست مجرد محطة لزيارة بروتوكولية عابرة، بل هي مركز سياسي واستراتيجي وازن في ملفات الأمن الإقليمي، وضبط الهجرة، ومكافحة التطرف، مما يجعلها الشريك الأنسب لتعضيد مساعي الجزائر في تجفيف منابع الفكر الانفصالي".

سعت الجزائر لترسيخ سردية أن تنظيمات تتلحف بعباءة المعارضة السياسية في الخارج تمارس خطابا انفصاليا، واحتضانها غربا حجر عثرة في مسار العلاقات الثنائية

ومن هذه الزاوية بالذات يتضح أن نداء برلين تخطى مجرد استهداف الشتات الجزائري ليوجه رسائل مشفرة إلى المجتمع الدولي والحكومات الأوروبية على حد سواء، ويقول المتحدث إن "الرئيس الجزائري سعى إلى تثبيت سردية وطنية صلبة تفيد بأن بعض التنظيمات التي تتلحف بعباءة المعارضة السياسية في الخارج تمارس في الواقع خطابا انفصاليا وتحريضيا خطيرا، وإن استمرار احتضانها في بعض العواصم الغربية بات يشكل حجر عثرة وإشكالا حقيقيا في مسار العلاقات الثنائية، ومن هذا المنطلق، وضعت الجزائر الدول الأوروبية أمام مسؤولياتها لفرز الخيوط والتمييز الصارم بين معارضة سياسية سلمية وحضارية، وبين تنظيمات راديكالية تهدد الوحدة الترابية وتنفذ أجندات تقسيمية عابرة للحدود".

ويجمع مراقبون على وجود فئة من الناشطين والإعلاميين المقيمين في المهجر تقع خارج دائرة حسابات أي خطة للتسوية أو العفو، وتحديدا أولئك المصنفين ضمن لوائح قضائية ثقيلة، ويبرز في صدارة هؤلاء فرحات مهني، رئيس حركة "الماك" المصنفة "منظمة إرهابية"، يعتبر المطلوب الأول لدى السلطات والأجهزة الأمنية والقضائية، صدرت ضده عدة مذكرات توقيف دولية ومحلية وأحكام قضائية غيابية بتهم تتعلق بالمساس بالأمن القومي والوحدة الوطنية والضلوع في قضايا إرهابية، إلى جانب الضابط السابق في الاستخبارات هشام عبود، وأمير بوخرص المعروف باسم "أمير دي زاد" إضافة إلى الصحافي عبدو سمار.

وتكتسي وضعية هذه الأسماء تعقيدا جيوسياسيا مضاعفا، كونها تشكل مادة دسمة لملف الخلاف القضائي والدبلوماسي الساخن بين الجزائر وباريس، حيث ترفض السلطات الفرنسية بانتظام الاستجابة لطلبات التسليم والضبط القضائي الصادر عن المحاكم الجزائرية بحقهم، متذرعة بقوانين اللجوء وحماية الحريات، مما يضع ملف هؤلاء الناشطين في خانة الاستثناءات المطلقة التي لا تشملها أي آلية مرتقبة للمصالحة أو "لم الشمل".

(أ.ف.ب)
صورة الصحافي الفرنسي المعتقل في الجزائر منذ يونيو، كريستوف غليز، في مبنى المجلس الإقليمي بمارسيليا، وأيد استئناف تيزي وزو الجزائرية الأسبوع الماضي حكم السجن سبع سنوات بحقه بتهمة 'الإشادة بالإرهاب" لمقال عن نادي شبيبة القبائل

إعادة "صياغة أخلاقية" للمعارضة 

القراءة التحليلية التي يعضدها زناسني محمد، الباحث الجزائري في الدراسات الاستراتيجية والأمنية بالتأكيد على أننا أمام فصل مغاير من فصول كبح المد الانفصالي يتجاوز الأساليب الردعية التقليدية ليركز على تفكيك الأطروحات الفكرية الهدامة لبعض فصائل المعارضة الراديكالية التي تختبئ بعباءة العمل الحقوقي في الخارج، ويقول في حديثه لـ"المجلة" إن "مساعي الرئيس عبد المجيد تبون لفتح قنوات حوار مع المعارضة في الخارج تحمل رؤية ثنائية الأبعاد ترسم معالم هندسة سياسية جديدة".

ويرتكز البعد الأول بحسبه على "إعادة صياغة أخلاقية للعمل المعارض عبر نزع الشرعية عن خطابات السب والشتم التي لا صلة لها بالعمل السياسي الحقيقي، بينما يتجلى البعد الثاني في إعادة ضبط مفهوم المعارضة رافدا قويا لإثراء النقاش الاقتصادي والسياسي"، ويجزم المتحدث بأن "إطلاق هذا الطرح من برلين لم يكن مجرد مناورة بل هو حجر زاوية يهدف إلى إعادة ضبط التصورات السياسية لدى العواصم الغربية وإلحاقها أخلاقيا بمنع استخدام أراضيها كمنصات للهجوم على الدولة الجزائرية، مما يؤدي مباشرة إلى تحطيم سرديات الحركات الانفصالية التي تتمترس خلف عباءة المعارضة لضرب الأمن القومي بأبعاده السياسية، والاجتماعية والعسكرية.

تزامنا مع طرح تبون استراتيجية "اليد الممدودة" من برلين، كانت حركة "الماك" المصنفة "إرهابية" تخطط لهجوم في منطقة القبائل في الانتخابات التشريعية الحالية 

هذه المقاربة الاستراتيجية التي فكك أبعادها زناسني محمد، وجدت ركيزتها الصلبة على أرض الواقع من خلال ضربة استباقية حاسمة أجهضت مؤامرة ميدانية قبل أيام قليلة فقط من الزيارة الرئاسية التي قام بها الرئيس الجزائري إلى ألمانيا، ففي الوقت الذي كان فيه صانع القرار يجهز لطرح استراتيجية "اليد الممدودة" وتبني استراتيجية "الفرز السياسي" من برلين، كانت حركة "الماك" المصنفة "إرهابية" تخطط في الخفاء لتفجير الوضع وبث الفوضى في عمق منطقة القبائل بالتزامن مع الانتخابات التشريعية التي جرى تنظيمها في 2 يوليو/تموز 2026، وجاء التدخل السريع للمصالح المركزية لأمن الجيش بالناحية العسكرية الأولى في مدينة تيزي وزو التي تقع في شمال دولة الجزائر وتحديدا في قلب منطقة القبائل الكبرى، ليجهض هذا المخطط، عبر تفكيك خلية تخريبية مكونة من ستة عناصر من بينهم رعايا من جنسية مغربية.

لكن المقاربة الثنائية للدولة الجزائرية تواجه عقبة حقيقية عند محاولة صياغة لحمة داخلية شاملة إذ تظهر فجوة الضمانات حاجزا يفصل بين الخطاب الدبلوماسي المرن وقراءات النخبة الحقوقية المهاجرة في العواصم الأوروبية، ويبرز في هذا السياق تحفظ منظمة شعاع لحقوق الإنسان والمحامي سعيد صالحي وهو نائب رئيس الرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان المنحلة، حيث يتقاطع هذان الصوتان الحقوقيان في رهانهما على أهمية توسيع هوامش النقاش السياسي والسماح للمعارضين بحرية النشاط والتعبير عن الموقف، وفي المقابل يعكس هذا التحفظ تخوفا سائدا لديهم من تحول مبادرة العودة إلى أداة مشروطة بالصمت والامتناع التام عن مناوئة السلطة أو نقد السياسات العامة.

وبناءً على هذا يمكن القول إن الرهان الحقيقي للجزائر مستقبلا يكمن في الموازنة الدقيقة بين القبضة الأمنية الحديدية ضد التيارات التخريبية، والانفتاح السياسي الممنهج لاستقطاب الكفاءات والمعارضين السلميين، بما يضمن تحصين الجبهة الداخلية وصياغة عقد سياسي وطني جامع يتجاوز أزمات الماضي.

font change

مقالات ذات صلة