التكامل الاقتصادي في الشرق الأوسط وهم زائف

واشنطن مفتونة بالفكرة... لكنها لن تجني منها سوى فوائد محدودة

رويترز
رويترز
حاويات في ميناء جبل علي بدبي، أحد أكبر موانئ المنطقة، وتعد مجموعات الموانئ أهدافا جذابة، في ظل ازدهار أسواق الشحن بدعم من نمو التجارة العالمية، 27 يونيو/حزيران 2006

التكامل الاقتصادي في الشرق الأوسط وهم زائف

يتردد في أوساط الشرق الأوسط والولايات المتحدة أن السعودية تريد إقصاء إسرائيل من الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا، ويعرف هذا المشروع اختصارا باسم "آيمك"، وهو شبكة من الممرات البحرية وخطوط السكك الحديدية يفترض أن تربط الهند بأوروبا عبر الإمارات العربية المتحدة والسعودية والأردن وإسرائيل.

وأعلن المشروع وسط ضجة كبيرة خلال قمة مجموعة العشرين في سبتمبر/أيلول 2023، ورأى فيه المسؤولون الأميركيون ردا على مبادرة الحزام والطريق الصينية. وفي ذلك الوقت، كان من الصعب إجراء أي حوار تقريبا في واشنطن من دون سماع عبارة "التنافس بين القوى الكبرى".

ويقترح مسار بديل مد خط للسكك الحديدية من السعودية إلى الأردن، ثم إلى سوريا وتركيا، قبل ربطه بأوروبا، وليست هذه هي المبادرة الوحيدة التي ستتجاوز إسرائيل. ففي يونيو/حزيران، أعلنت السعودية وتركيا خطة لإعادة بناء سكة حديد الحجاز، التي كانت تمتد من دمشق عبر الأردن إلى المدينة المنورة.

أما الإسرائيليون والإماراتيون، فيريدون التمسك بالخطة الأصلية، ولا يتضح كيف يمكن أن يحظى أي تعديل بقبول الهند، التي أكدت التزامها بمشروع "آيمك" في فبراير/شباط، وترتبط الهند بعلاقات مهمة مع كل من إسرائيل والسعودية.

تعكس الخلافات بين الأطراف التوترات الإقليمية، لكن تلك الضغوط والصراعات لم تقلل حماسة واشنطن للتكامل الإقليمي. وواصلت إدارة ترمب الدفع نحو تطبيع العلاقات السعودية-الإسرائيلية، على الرغم من مطالبة الرياض بإقامة دولة فلسطينية، وهو ثمن لا يرغب كثير من الإسرائيليين في دفعه. وفي هذا الأسبوع وحده، اشترط الرئيس الأميركي دونالد ترمب التطبيع للموافقة على الاتفاق النووي مع الرياض.

رويترز
قطار شحن في محطة بالرياض يربط العاصمة بميناء الدمام، ضمن خطط توسع السكك الحديدية الخليجية، السعودية، 31 أكتوبر/تشرين الأول 2012

كما يؤيد كثير من أعضاء الكونغرس من الحزبين مسار التكامل. وأفاد موقع "أكسيوس" بأن السيناتور ليندسي غراهام قال يوم وفاته: "لا يمكنني أن أموت الآن، لا يزال علي إنجاز عقوبات روسيا، ومعالجة مسألة إيران، وتحقيق التطبيع الإسرائيلي-السعودي". وتبدو هذه الرواية مختلقة، لكنها تشبه، في الوقت نفسه، ما قد يقوله السيناتور الراحل.

وفي يونيو/حزيران، طرح النائب كريغ غولدمان، أحد الرئيسين المشاركين لتجمع اتفاقات أبراهام في مجلس النواب "قانون توسيع اتفاقات أبراهام لعام 2026"، وحظي القانون بدعم واسع من الحزبين، وفي 22 يوليو/تموز، أدلى سفيران أميركيان سابقان لدى إسرائيل بشهادتيهما خلال جلسة عقدتها اللجنة الفرعية المعنية بالشرق الأوسط وشمال أفريقيا، التابعة للجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب، تحت عنوان "بناء هيكل أمني إقليمي جديد: المرحلة التالية من اتفاقات أبراهام".

يقترح مسار بديل مد خط للسكك الحديدية من السعودية إلى الأردن، ثم إلى سوريا وتركيا وأوروبا، لتقصي إسرائيل من الممر بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا ، أما الإسرائيليون والإماراتيون، فيريدون التمسك بالخطة الأصلية

ويبدو كل هذا الاهتمام غريبا، لأن التكامل الإقليمي لا يحمل أهمية كبيرة لواشنطن، على الأقل وفق أي تحليل موضوعي للمصالح الأميركية والجغرافيا السياسية للمنطقة، صحيح أن التصدي للنفوذ الصيني في المنطقة لا يزال أولوية لدى واشنطن، لكن الولايات المتحدة تستطيع مواجهة هذا التحدي سواء تحقق التكامل الإقليمي في الشرق الأوسط أم لم يتحقق.

نشأ مشروع "آيمك" بطبيعة الحال من مجموعة مصغرة تعرف باسم "آي تو يو تو"، وهو اختصار يشير إلى الهند وإسرائيل والولايات المتحدة والإمارات العربية المتحدة. وجاءت هذه المجموعة بدورها ثمرة لاتفاقات أبراهام لعام 2020. ومع تطبيع إسرائيل علاقاتها مع الإمارات والبحرين والمغرب، واهتمام الهند بربط مواردها البشرية بالقوة المالية الإماراتية، والأهمية العالمية لقطاع التكنولوجيا الإسرائيلي، إلى جانب القوة الأميركية، بدا مشروع "آيمك" خطوة منطقية تالية وتجسيدا ماديا للتكامل الإقليمي.

كانت تلك لحظة مثيرة، لكن الحروب الإقليمية التي اندلعت منذ هجوم "حماس" على إسرائيل في أكتوبر/تشرين الأول 2023 أحدثت تحولا في المزاج العام، وصمدت اتفاقات أبراهام، لكن التعامل مع إسرائيل أصبح عبئا سياسيا. كما تصاعدت التوترات حتى بين الدول العربية، وفي ديسمبر/كانون الأول الماضي، قصفت السعودية حلفاء الإمارات في اليمن.

لا يعني ذلك أن دول الشرق الأوسط لن تستفيد من التكامل وبناء المؤسسات الإقليمية، فهي لا تتبادل التجارة في ما بينها بالمستوى المتوقع، ولا تجمعها عملة مشتركة، بل إنها لا تعتمد حتى أيام العطلة الأسبوعية نفسها. ولم تحقق جامعة الدول العربية، التي تضم 22 دولة في أنحاء المنطقة، أي إنجاز مهم منذ عقود، بينما لا يتجاوز مجلس التعاون الخليجي، في كثير من الأحيان، حدود المراسم على حساب المضمون.

أما اتفاقات أبراهام، فأعطت الأولوية لتطبيع العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية والأمنية، ومهدت كذلك الطريق نحو تكامل إقليمي أوسع، ولهذا انبثقت منها مجموعة "آي تو يو تو" ومشروع "آيمك"، كما تحدد "رؤية السعودية 2030" بوضوح هدف تعزيز التكامل في الخليج.

وقد رحبت واشنطن بهذا الاهتمام بشدة، استنادا إلى سلسلة من الافتراضات التقليدية التي تحكم السياسة الخارجية الأميركية في كثير من الأحيان، فتعزيز التكامل سيقود إلى تنمية اقتصادية واسعة، وسيحقق الازدهار الناتج عنها مزيدا من الاستقرار، وهو ما سيفضي بدوره إلى السلام والأمن. وكثيرا ما تسترشد دوائر صنع السياسات بتجربة أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية.

من المرجح أن لا يساعد التكامل الإقليمي تدفقات الطاقة وأن لا يعرقلها، لكنه لن يمنع بالضرورة ظهور تهديدات للتفوق الأميركي في الشرق الأوسط

وبعد هجمات 11 سبتمبر/أيلول، اعتقد أعضاء في الكونغرس أن الولايات المتحدة تحتاج إلى خطة مارشال للشرق الأوسط. وخلال الولاية الأولى لترمب، بحث فريقه فكرة إنشاء حلف شبيه بحلف شمال الأطلسي في الشرق الأوسط، تحت اسم "التحالف الاستراتيجي للشرق الأوسط". ومنذ توقيع اتفاقات أبراهام، بدأ الحديث عن تكامل شامل في الشرق الأوسط على غرار الاتحاد الأوروبي.

افتتنت شريحة واسعة من دوائر واشنطن بفكرة تعزيز التكامل الإقليمي، ولم يخرج عن هذا التوجه سوى مجموعة صغيرة من المحللين والناشطين الذين عارضوا اتفاقات أبراهام لأنها كسرت القاعدة غير الرسمية التي تنص على أنه "لا تطبيع قبل إقامة دولة فلسطينية"، وهي القاعدة التي كانت تحد من علاقات إسرائيل مع كثير من الدول العربية.

رويترز
لقطة عامة لميناء حيفا في إسرائيل، 27 يونيو/حزيران 2025

ولم يُعز نجاح اتفاقات أبراهام إلى مجرد استعداد الإمارات والبحرين والمغرب للتوصل إلى تفاهمات مع إسرائيل، بل لأنها فتحت أيضا آفاقا كان كثير من المراقبين يعدونها في السابق مجرد احتمالات نظرية. ونتيجة لذلك، اكتسب التكامل الإقليمي أهمية كبيرة جدا في واشنطن.

لكن هل يستحق التكامل الإقليمي كل هذه الأهمية حقا؟

قد يصعب تصديق ذلك، لكن مر وقت نجحت فيه الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، وكان ذلك قبل وقت طويل من اتفاقات أبراهام ومجموعة "آي تو يو تو" ومشروع "آيمك" و"رؤية 2030"، وعند تقييم هذه المبادرات والاتفاقات في ضوء المصالح الأميركية التقليدية في المنطقة، تبدو الحصيلة مختلطة.

فمن المرجح أن لا يساعد التكامل الإقليمي تدفقات الطاقة وأن لا يعرقلها، وقد يسهم في ضمان أمن إسرائيل، لكنه لن يمنع بالضرورة ظهور تهديدات للتفوق الأميركي في الشرق الأوسط، وبوجه عام، يندرج التكامل ضمن فئة الأمور المفيدة إن توافرت، لكنها ليست ضرورة.

ويرجح أن القضية اكتسبت أهمية تتجاوز قيمتها الفعلية لأن اتفاقات أبراهام مثلت أبرز إنجازات ترمب في السياسة الخارجية خلال ولايته الأولى، وحرصا منه على أن لا ينفرد ترمب بهذا الإنجاز، سعى الرئيس الأميركي جو بايدن، خلال وجوده في المنصب، إلى تطبيع العلاقات السعودية-الإسرائيلية. وعندما عاد ترمب إلى البيت الأبيض، حاول هو أيضا دفع السعودية وإسرائيل نحو اتفاق.

وهكذا، يبدو التكامل مهماً لبعض دول الشرق الأوسط، ومفيدا في بناء الإرث السياسي للرؤساء، لكنه ليس ضروريا للولايات المتحدة.

font change