3 كتب جديدة عن شعر الغناء اليمني

فنانو المدينة ومغنيات الريف

3 كتب جديدة عن شعر الغناء اليمني

لا يمر عام دون صدور كتب تتحدث عن الأغنية اليمنية وتاريخها وأعلامها. من بين الكتب الصادرة حديثا، كتاب عن حيدر آغا، أحد أعلام الأغنية التراثية اليمنية، وآخر يلقي الضوء على جوانب جديدة من سير بعض الفنانين المشهورين، وكتاب ثالث عن "المهاجل" الغنائية للمرأة اليمنية في الريف.

من يبلغ غزال رامة؟

يردد فنانون يمنيون، ومعهم المستمعون، أغاني شهيرة وصلتهم من التراث اليمني القديم دون أن يعرفوا مصادر كلماتها، أو ألحانها الموسيقية التي صارت إيقاعاتها تتنوع بحسب المغني وقدرته على الاكتشاف والإضافة.

هكذا استمعنا إلى أيوب طارش وهو يغني "من يبلغ غزال رامة/ مذهب الخد ساجي العين" وأبو بكر سالم بلفقيه في أغنية "رسولي قوم بلغ لي إشارة/ إلى عند المليح الحالي الزين" ومحمد قاسم الأخفش في أغنية "بلغ الأحباب عنا يا نسيم"، إلى جانب أغان شهيرة أخرى يؤديها عدد من الفنانين الرواد في القرن العشرين، مثل إبراهيم الماس وأحمد عبيد قعطبي ومحمد سعد عبدالله وصولا إلى فؤاد الكبسي، منها "عليك واناقض لتلك العهود/ سلام من وافي عهوده" و"حوى الغنج والتفتير والسحر أحومه" و"شاقني صوت الحمامة". وهي أغان كتبها الشاعر حيدر آغا (ت 1659) الذي جمع أشعاره الناقد والشاعر إبراهيم أبو طالب وحققها وأصدرها أخيرا بعنوان "ديوان حيدر آغا- أحد أمراء الغناء الصنعاني اليمني" عن دار "عناوين" في القاهرة.

قدم إبراهيم أبو طالب بجمعه لهذا الديوان هدية مهمة لعشاق التراث الغنائي الصنعاني ولدارسي اللغة واللهجات العربية

وهذه أول مرة يصدر فيها ديوان حيدر آغا بعدما ظلت قصائده مشتتة في كثير من المراجع الأدبية والشعرية. وجاء مسبوقا بدراسة لافتة لأبي طالب عن حياة الشاعر وعصره ولغته التي تنتمي إلى ما يعرف بـ"الشعر الحميني". وهو شعر يجمع بين الفصحى والعامية، كتب فيه شعراء متميزون لا تزال قصائدهم مصدر ثراء الأغنية اليمنية منذ قرون.

 Essa AHMED / AFP
مزارعون يمنيون يحملون محاصيلهم في مديرية عبس بمحافظة حجة

حيدر آغا شاعر من أصول تركية، ولد وعاش في صنعاء، وينحدر من عائلة تعود إلى زمن الوجود التركي الأول في اليمن الذي انتهى عام 1636. وعلى الرغم من قول بعض المراجع إن له شعرا باللغة التركية، إلا أن إبراهيم أبو طالب لم تصله أي إفادة من المؤسسات التركية التي عاد إليها تشير إلى وجود منجز أدبي لهذا الشاعر باللغة التركية. وما وصله يقتصر على الشعر "الحميني" العامي و"الحكمي" الفصيح، المقارب للغة أهل صنعاء وإيقاعها الجمالي الخاص. وبلغت قصائد الديوان 76 قصيدة ومقطوعة، مجموع أبياتها 552 بيتا. وتصف بعض المصادر آغا بـ"الموسيقار"، إذ عرف عنه التأليف الموسيقي وعزفه على بعض الآلات الموسيقية. وقد عاش الشاعر "في القرن الحادي عشر الهجري، وهو القرن الذي دخلت فيه اليمن مرحلة مهمة من الصراعات السياسية بين الإمامة الزيدية والمصالح العثمانية والدويلات المحلية". وشهد هذا القرن حركة تأليف واسعة خاصة في مجال التراجم وكتب السير والتاريخ إضافة إلى الجوانب الاجتماعية والعلمية والدينية. ومن الشعراء برز محمد عبدالله شرف الدين والحسن الهبل وأحمد الآنسي وعبدالله بن علوي الحداد وسالم الشبزي وعلي بن أبي الرجال.

ويعود أبو طالب إلى دراسة لعلي راجح تبين الخصائص اللغوية لشعراء ذلك العصر، إذ تميزت ببناء "لغوي يتمرد على الإطار الثابت لترتيب الجملة النحوية والإفادة من القوالب الممكنة التي يخرج فيها الكلام من تقديم وتأخير واعتراض وزيادة وغيرها". ويشرح محقق نصوص الكتاب خصائص مفردات الشعر الحميني وشكل كتابتها باللغة العامية، بطريقة لافتة تعكس خبرة الشاعر بلغة منطقة صنعاء وإرثها الأدبي الذي هو جزء منه.

يبين الباحث تقاسيم تكوين القصيدة الحمينية وأوزانها الخاصة التي قد تجمع في شكلها أكثر من وزن. أما مواضيع القصائد فتشبه قصائد شعراء ذلك العصر بانغماسها في الغزل والتغني بالمعشوق الذي يصل أحيانا إلى حد المجون، من خلال أوصاف "الحبيب" الذي لا نعرف جنسه، أو البوح للندماء بالرغبات والأشواق، مع نهايات معتادة يقفل فيها الشعراء قصائدهم بالصلاة والسلام على النبي محمد.

قدم إبراهيم أبو طالب بجمعه لهذا الديوان هدية مهمة لعشاق التراث الغنائي الصنعاني ولدارسي اللغة واللهجات العربية في تاريخها وتحولها، إضافة إلى إظهار خصائص الإيقاعات الوزنية المختلفة في الشعر الحميني اليمني.

غلاف كتاب "دليل السراة"

الأغنية اليمنية

ما إن يكمل القارئ قراءة كتاب "دليل السراة في الأدب والفن اليمني" للكاتب مصطفى راجح الذي صدر أخيرا عن دار "أروقة" في القاهرة، حتى يتمنى لو كان المؤلف خصص كتابه للحديث عن المغنين والموسيقيين اليمنيين الذين احتلوا ثلثي مواد الكتاب (347 صفحة) ولم يضف إليه تلك المقالات الأخرى التي تتناول مواضيع وأسماء في الحياة الثقافية والأدبية في اليمن. فالكتاب يضم مقالات مهمة عن منجز بعض الفنانين المشهورين في اليمن مثل عبدالله البار ومحمد مرشد ناجي ومحمد حمود الحارثي ومحمد سعد عبدالله وأيوب طارش وأبو بكر سالم بلفقيه وعلي الآنسي وأحمد السنيدار وعلي عبدالله السمة وعبد الباسط عبسي وأحمد فضل العبدلي (القمندان) وفضل محمد اللحجي وفيصل علوي ومنى علي وأمل كعدل وحسين محب.


خلافا لإرث الصراعات السياسية الانقسامية، قدم الفن اليمني نموذجا للتنوع القادر على التعايش والنمو

يتتبع الكاتب حياة هؤلاء الفنانين وأثرهم في الأغنية اليمنية والصعوبات التي واجهت بعضهم في منعطفات حياتهم الاجتماعية. إضافة إلى تناوله بعض الجوانب المثارة في تاريخ الفن اليمني، كإشكالية تجديد التراث الغنائي اليمني، وفن "الزوامل" القديم وكيف قدمه الموسيقار أحمد بن غودل. إذ يلاحظ أن الكاتب يعده فنا "شعبيا" بذاته، وليس ضمن التراث الموسيقي الممتد لآلاف السنين. ويتناول موضوع الأثر التركي في الغناء اليمني، فيقول إن اليمنيين اختلطوا "بالأتراك والبريطانيين والفرس والأحباش، واختلطوا عبر التجارة بالإغريق والهنود. لكن فن الغناء اليمني بقي محافظا على أصالته ونغماته الخاصة". وهذا الرأي، كما يبدو، يخالف بعض الآراء التي توصلت إلى وجود تأثيرات موسيقية في بعض الألحان اليمنية من أفريقيا والهند وتركيا وفارس.

  MOHAMMED MAHJOUB / AFP
الفنان اليمني أبو بكر سالم خلال حفل في مهرجان مسقط

يرى الكاتب في منطلقه لدراسة أعمال هؤلاء الفنانين أن "لا شيء يفوق الفن اليمني في قدرته على تقديم اليمن بتنوعها وتراثها وثقافتها، وثراء وتنوع النغمات المنبعثة من تجارب ناسها وأحاسيسهم". و"خلافا لإرث الصراعات السياسية الانقسامية، قدم الفن اليمني نموذجا للتنوع القادر على التعايش والنمو".

يسرد الكاتب بعض ما واجهه الفنانون اليمنيون من الآراء المتطرفة التي كانت تقف ضد الفن وانتشاره. وكيف انتشرت الأغنية اليمنية في فترة الستينات والسبعينات من القرن الماضي، وقيام بعض الفنانين العرب بتأدية ألحان وأغان يمنية.

وأبرز ملاحظات الكاتب عما يعرف بـ"فن الغناء الصنعاني" هي أنه "في الأصل فن الغناء اليمني"، الذي يجمع الباحثون على "أنه يعود إلى فترة الشعر الحميني الذي ولد قبل سبعة قرون في تهامة وتعز وحضرموت، ووصل لاحقا إلى صنعاء في نهاية القرن السادس عشر الميلادي".

غناء الريفيات

في كتابه "فن مهاجل المرأة اليمنية في الريف" الصادر أخيرا في صنعاء بدعم من مؤسسة "آفاق"، يتناول الباحث زيد صالح الفقيه موضوعا لافتا في الثقافة الشعبية اليمنية وهو غناء المرأة الريفية الذي عرف بتنوع مواضيعه وقدرته على الابتكار الإيقاعي من منطقة إلى أخرى، وكأنه تعويض عن إنتاج الشعر الفصيح للمرأة اليمنية الذي يكاد أن يكون غائبا في بعض المراحل التاريخية القديمة.

بدأ اهتمام زيد الفقيه بهذا النوع من الأدب منذ عقود عدة، حيث نشر بعض المقالات حوله منذ عام 1989. وكان الباحث اليمني عارف الحيقي قد نشر كتابا يجمع فيه بعض أشعار المرأة اليمنية الريفية. كتاب الفقيه يتميز بتقديم دراسة تحليلية عن جوانب هذه "المهاجل" الشعبية، فيبحث في مواضيعها وخصائصها الفنية من خلال نماذج مدروسة وأخرى وثقها وألحقها في كل فصل.

وفن "المهاجل"، كما يعرفه الباحث "هو فن من فنون القول النادر في اليمن، تختص به النسوة وتؤديه أثناء أعمالهن في الحقول والمزارع، وأحيانا عند جلب الحطب من الشعاب والجبال، وقد يتسامرن على ترديده في أسطح المنازل في الليالي الدافئة التي يكون فيها ضوء القمر هو مصدر الإنارة الوحيد لهن".

 AHMAD AL-BASHA / AFP
موسيقيون يعزفون على الكمان والعود ولوحة المفاتيح الإلكترونية خلال مهرجان يوم الأغنية اليمنية في تعز

وهذه الأشعار تكتب باللغة العامية بأنماط وزنية خاصة غير مقيدة بأوزان الخليل المعروفة. وتمتاز بالعفوية، أو التلقائية، والتعبيرية الشفاهية الناتجة من مواقف اجتماعية في الحياة اليومية. وعادة ما ترتبط "المهاجل" بموسم الزراعة، وبشهور "علان"، وهي تسمية يمنية (حميرية) قديمة. وتؤدى "المهاجل" بشكل جماعي غالبا، حيث "تنقسم النسوة اللائي يرددنها إلى مجموعتين مثنى مثنى، أو ثلاث ثلاث، ويتجاذبن أطرافه بأصوات مرتفعة منغمة ومموسقة، تنبعث من أواسط الحقول في مواسم العلان كتغاريد البلابل، وقد تحدد شهوره بثلاثة أشهر. وسميت بالعلان لأن الأرض تعلن عن ظهور كنوزها". وتشي "كلمات هذه المهاجل بما يختلج في نفس المرأة من أحلام وأحزان وفرح وشكوى وشوق للأحبة وعتاب، شارحة الوضع الاجتماعي الذي تعيشه".

تشي كلمات هذه المهاجل بما يختلج في نفس المرأة من أحلام وأحزان وفرح وشكوى وشوق للأحبة وعتاب

ولا يعرف عادة اسم قائلة "المهجل" الشعبي، فـ"المهاجل" مثل الحكايات تتوارث من جيل إلى جيل. وهناك لازمات شعرية لـ"المهاجل" في بعض المناطق اليمنية. فيما تختلف طريقة الأداء والنطق أو تركيب المفردات من مكان إلى آخر.

ويلاحظ استخدام "المهاجل" لكل جماليات بلاغة الشعر العربي، كالقول "يا حمامي عدن من أين صدت الحمامة/ من شوارع عدن أو من شوارع تهامة"، فـ "الحمامي" و"الحمامة" استعارة مجازية للرجل الذي اصطاد المرأة.

font change

مقالات ذات صلة