مصر أمام اختبار جديد لحيادها الجغرافي في ظل اتساع رقعة التصعيد

سياسة توازن دقيقة في حرب تتسع

(رويترز)
(رويترز)
سفينة حاويات تعبر خليج السويس متجهة نحو البحر الأحمر قبل دخولها قناة السويس، في منطقة العين السخنة بمدينة السويس، شرق القاهرة بمصر، في 24 أبريل 2017

مصر أمام اختبار جديد لحيادها الجغرافي في ظل اتساع رقعة التصعيد

في 29 يوليو/تموز، أصابت طائرة مسيّرة وحدة عائمة أميركية للتخزين وإعادة التغويز في ميناء دمياط، على الساحل المصري للبحر المتوسط، فاندلعت فيها النيران قبل أن تمتد إلى ناقلة للغاز الطبيعي المسال مملوكة لشركة يونانية كانت راسية بالقرب منها.

وتحتل دمياط موقعا محوريا في طموحات القاهرة الرامية إلى ترسيخ مكانة مصر مركزا رئيسا للطاقة في شرق المتوسط ، وممرا بديلا لنفط دول مجلس التعاون الخليجي في ظل الاضطرابات المتواصلة في مضيق هرمز والبحر الأحمر. وتسعى مصر إلى توظيف موقعها الاستراتيجي، ومنشآت تسييل الغاز في دمياط وإدكو، الواقعة على بعد نحو 170 كيلومترا إلى الغرب، إلى جانب قدرتها على بناء تحالفات إقليمية تدور حول الغاز.

ما الذي تعرفه القاهرة؟

بعد ساعات من الهجوم، أكد مجلس الوزراء المصري أن جهازا جويا غير مأهول نفذه، وأعلن فتح تحقيق في الحادث، وقال في بيان إن السلطات ستتخذ جميع التدابير اللازمة لحماية مصالح مصر وأمنها القومي.

وتتولى مثل هذه التحقيقات عادة جهات أمنية عدة، في مقدمتها جهاز المخابرات العامة والمخابرات الحربية. وقد يستغرق ظهور نتائج التحقيق بعض الوقت، وربما لا تعلن مطلقا، تبعا للطريقة التي تقرر بها القاهرة إدارة ردها خلال الأسابيع المقبلة.

ونادرا ما تدير مصر دبلوماسيتها عبر التهديدات العلنية أو البيانات الاستعراضية. وحين تقرر التحرك، تميل إلى العمل بهدوء وحسم، وتعاير ردها بما يحفظ أمنها القومي ويصون مصالحها السياسية والاستراتيجية الأوسع.

وخلال الأيام الماضية، راجت نظريات عدة حول الكيفية التي نفذ بها الهجوم، واستبعد معظمها أن يكون ناجما عن إخفاق بسيط في شبكة الدفاع الجوي المصرية. ويشير محللون عسكريون إلى أن مصر تدير منظومة دفاع جوي متعددة الطبقات، صممت لرصد الأجسام التي تخترق مجالها الجوي واعتراضها.

وقال اللواء حمدي بخيت، أحد قدامى المحاربين في حرب أكتوبر/تشرين الأول 1973 ومستشار كلية القادة والأركان التابعة لوزارة الدفاع المصرية، لـ"المجلة" إن الضربة انطلقت على الأرجح من مصدر تهديد "غير تقليدي"، ولم يستبعد أن تكون الطائرة المسيّرة قد أطلقت من موقع قريب جدا من الميناء.

الرؤية من الداخل

لم توجه السلطات المصرية أصابع الاتهام إلى أي طرف إقليمي أو دولي.

وسارع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى نفي ضلوع بلاده في الهجوم، كما نفت جماعة الحوثي في اليمن أي صلة لها به. ويبدو النفيان وجيهين.

نادرا ما تدير مصر دبلوماسيتها عبر التهديدات العلنية أو البيانات الاستعراضية، وحين تقرر التحرك، تميل إلى العمل بهدوء وحسم، بما يحفظ أمنها القومي ومصالحها السياسية الأوسع

منذ اندلاع حرب إيران، انتهجت مصر سياسة دقيقة لحفظ التوازن، عكست رؤيتها لدورها الإقليمي، وحساباتها المرتبطة بأمنها القومي، وحرصها على حماية مصالحها الاقتصادية. ومع أنها قدمت دعما سياسيا ودبلوماسيا وعسكريا لدول مجلس التعاون الخليجي، حرصت على عدم الانضمام إلى المعسكر المناهض لإيران.

وأتاح هذا الموقف للقاهرة أن تقدم نفسها وسيطا نزيها في منطقة تمزقها الصراعات.

(أ.ف.ب)
وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، والباكستاني إسحاق دار، والمصري بدر عبد العاطي، والسعودي فيصل بن فرحان في اجتماع في القاهرة لبحث التطورات الإقليمية، 21 يونيو 2026

ويرى محللون أن هذه الموازنة تعكس أيضا نظرة مصر إلى إيران، فهي لا تتعامل معها على أنها صديق أو عدو، وإنما قوة رئيسة في معادلة التوازن الإقليمي.

وقال الباحث السياسي إسلام منسي: "يرجع ذلك إلى نظرة مصر إلى الجمهورية الإسلامية على أنها قوة مهمة في الشرق الأوسط ، ودولة تتمتع بثقل جغرافي وسياسي لا يمكن التقليل من شأنه أو تجاهله".

وأضاف أن سياسة التوازن المصرية تنطلق كذلك من قناعة بأن العمل العسكري لن يفضي إلى حلول مستدامة لمشكلات المنطقة، وإنما سيزيدها تعقيدا ويوسع دائرة العنف الإقليمي.

وخلال الحرب الإسرائيلية على غزة في عامي 2024 و2025، كبدت هجمات الحوثيين على السفن التجارية في البحر الأحمر ومضيق باب المندب مصر خسائر بمليارات الدولارات، كان من أبرزها التراجع الحاد في إيرادات قناة السويس.

ومع ذلك، لم تدفع هذه الخسائر القاهرة إلى اتخاذ أي إجراء انتقامي معلن ضد الجماعة المدعومة من إيران.

وانسجاما مع هذا النهج، يرجح أن تحجم القاهرة في الوقت الراهن عن أي تحرك عسكري معلن، رغم تصعيد الحوثيين هجماتهم على الملاحة في البحر الأحمر وتهديداتهم للسفن العابرة لمضيق باب المندب.

ويستند هذا الترجيح في جوهره إلى نظرة مصر للحوثيين على أنهم وكيل لإيران تتحكم طهران في اتجاهات تحركه.

وقد يفسر ذلك افتقار إيران والحوثيين إلى أي مصلحة في جر مصر، بما تملكه من قدرات عسكرية، إلى مواجهة دأبت القاهرة طويلا على تجنبها.

ظل "الحرس الثوري" الإيراني

غير أن ذلك لا ينفي احتمال ضلوع إيران أو الحوثيين في الهجوم.

ويبدو أن الحرب الأميركية-الإسرائيلية أحدثت تصدعا في آلية صنع القرار الإيراني، وكشفت عن فجوات واضحة بين القيادة السياسية والمؤسسات العسكرية، وفي مقدمتها "الحرس الثوري" الإيراني.

ففي مناسبات عدة خلال الأشهر الماضية، شن "الحرس الثوري" هجمات طالت دولا مجاورة في مجلس التعاون الخليجي، بينما كانت مؤسسات سياسية، من بينها وزارة الخارجية والرئاسة، تخاطب الدول نفسها بلغة دبلوماسية.

تسعى مصر لتوظيف موقعها الاستراتيجي، ومنشآت تسييل الغاز في دمياط وإدكو، لترسيخ مكانتها مركزا رئيسا للطاقة في شرق المتوسط

لذلك، يظل احتمال تورط إيران في هجوم دمياط قائما، سواء عبر "الحرس الثوري" مباشرة أو من خلال إحدى الميليشيات المتحالفة معها خارج الأراضي الإيرانية. وإذا ثبتت صحة هذا الاحتمال، فسيكون ذلك تطورا بالغ الخطورة.

إذ يعني أن الاعتبارات الأيديولوجية أخذت تطغى على الحسابات السياسية في طهران، وأن بعض دوائر القرار باتت مستعدة لاستعداء دول حرصت على البقاء بعيدة عن المواجهة.

خطوة القاهرة المقبلة

استهداف ميناء على البحر المتوسط يقع في قلب صناعة الغاز المصرية، داخل بلد يسعى إلى ترسيخ موقعه ممرا بديلا للطاقة وسط الفوضى التي تعصف بمضيق هرمز، يفتح الباب أمام احتمال ضلوع أطراف أخرى أيضا.

ويأتي الهجوم في وقت تقاوم فيه القاهرة ضغوطا متكررة لجرها إلى أتون المواجهة الإقليمية الراهنة.

(أ.ف.ب)
صورة نشرتها البحرية الفرنسية، تظهر المجموعة القتالية لحاملة الطائرات شارل ديغول تعبر قناة السويس في طريقها إلى جنوب البحر الأحمر، تأهبا لمهمة محتملة لإعادة الملاحة لمضيق هرمز، 6 مايو 2026

وتكشف قراءة سريعة للإعلام الإسرائيلي عن مسعى قوي إلى تحويل حرب إيران إلى مواجهة عربية-إيرانية مفتوحة، من دون سقف زمني واضح.

ويجري ذلك بينما تحاول واشنطن وتل أبيب نقل أزماتهما الجيوستراتيجية إلى دول المنطقة، فتسعيان تارة إلى دفع سوريا نحو مواجهة مباشرة مع "حزب الله" في لبنان، وتارة أخرى إلى حث الدول العربية على الدخول في صدام مباشر مع إيران.

وأيا كانت الجهة التي تقف وراء هجوم المسيّرة في دمياط، فمن شبه المؤكد أن تعيد مصر ضبط تكتيكاتها في المرحلة المقبلة.

وحتى الآن، تمسكت القاهرة بنهجها المعتاد في التعامل مع التهديدات الإقليمية، بما فيها تلك التي تمس أمنها مباشرة، من خلال التعاون والتحرك ضمن أطر إقليمية ودولية مشتركة. وكان الاتصال الهاتفي بين الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ورئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، في اليوم التالي للضربة، مؤشرا مبكرا إلى استمرار هذا النهج.

غير أن خطوة القاهرة التالية ستكون على الأرجح أكثر عملية، وقد تمهد لتسريع إجراءات حماية البنية التحتية  للطاقة والموانئ. فمواصلة سياسة التوازن الدقيق من دون تحصين هذه المنشآت ستجعل أهم الأصول الحيوية المصرية أشد عرضة للخطر.

وسيضع رد الحكومة المصرية خلال الأيام أو الأسابيع المقبلة، على المستويات الدبلوماسية والعسكرية والتجارية، سياستها الإقليمية أمام اختبار جدي، ويكشف حدود قدرتها العملية على التزام الحياد مع الدفاع عن مصالحها.

font change

مقالات ذات صلة