ما الصلة بين التحول العالمي نحو التعددية القطبية خلال العقود الأخيرة والصراع الدائر مع إيران اليوم؟ منذ الثورة الإسلامية عام 1979، اتخذت إسرائيل والولايات المتحدة موقفا عدائيا من الجمهورية الإسلامية، لذلك لم يكن مستغربا أن تنفجر التوترات المتراكمة أخيرا في مواجهة مفتوحة. غير أن الاشتباك المباشر ظل في مراحل سابقة محدودا، فيما دارت معظم المواجهات عبر حلفاء ووكلاء.
للحرب مع إيران أسباب عدة، لكن أحد العوامل المهمة التي كثيرا ما يجري إغفالها يتمثل في التحول الذي طرأ على موازين القوى عالميا وإقليميا. ويرى أنصار المدرسة الواقعية في العلاقات الدولية أن توزيع القوة، سواء داخل النظام الدولي أو في إقليم بعينه مثل الشرق الأوسط، يؤدي دورا حاسما في كبح الصراعات أو تهيئة الظروف لاندلاعها. ومع تراجع قدرة واشنطن ورغبتها في ضبط النظام الإقليمي، في ظل عالم يتجه نحو مزيد من التعددية القطبية، اتسع هامش حركة القوى الإقليمية لملاحقة مصالحها وأجنداتها الخاصة، وفي الوقت نفسه، أتاح هذا التحول العالمي لإسرائيل والولايات المتحدة مساحة أوسع بكثير لمواجهة إيران مما كان متاحا في السابق.
وهنا تبرز مفارقة لافتة. فقد كانت إيران، خلال العقدين الأول والثاني من الألفية، من أبرز المستفيدين من المراحل الأولى للانتقال نحو التعددية القطبية، إذ استغلت تزايد الحذر الأميركي وانحسار رغبة واشنطن في التدخل في المنطقة. أما اليوم، فتجد طهران نفسها في مواجهة التداعيات القاسية للتحول نفسه.
توازن القوى في الشرق الأوسط
عرف الشرق الأوسط، في مرحلة ما بعد الدولة العثمانية، قدرا واضحا من التعددية القطبية. فقد أدى تقسيم المنطقة على أيدي القوى الاستعمارية إلى نشوء مجموعة من الدول متوسطة الحجم والقوة، امتلك كثير منها مقومات معتبرة، من أعداد كبيرة من السكان إلى جيوش قوية واقتصادات وازنة. ومع ذلك، لم تتمكن أي منها من فرض هيمنة إقليمية تشبه هيمنة الولايات المتحدة في أميركا الشمالية أو الصين في شرق آسيا.
غير أن الأهمية الاستراتيجية والاقتصادية للشرق الأوسط استقطبت باستمرار اهتمام القوى العظمى، ما جعل توازناته الداخلية مرتبطة ارتباطا وثيقا بموازين القوى العالمية، وحد من استقلالية التعددية القطبية داخل المنطقة. ففي أثناء الحرب الباردة، حين كانت الحروب تندلع بين إسرائيل وجيرانها، كان الطرفان يلجآن إلى الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي طلبا للدعم، ثم للمساعدة على احتواء التصعيد. وعلى نحو مماثل، خلال مرحلة الأحادية القطبية التي أعقبت الحرب الباردة، وسّعت الولايات المتحدة نفوذها عميقا في المنطقة ورسخت موقعها كقوة مهيمنة، وحتى الدول التي رفضت الرؤية الأميركية للشرق الأوسط، وفي مقدمتها إيران، وجدت قدرتها على الحركة مقيدة بشدة تحت وطأة التفوق الأميركي.


