بورصة الأمل… كيف تنظر الأسواق إلى مستقبل علاج السرطان؟

اللقاحات في مرصاد "ذاك المرض" وقطاع جديد ينمو في الأفق

المجلة
المجلة

بورصة الأمل… كيف تنظر الأسواق إلى مستقبل علاج السرطان؟

حين يخبرك الطبيب أن لديك سرطانا، يتغير معنى الأيام فجأة وكأنك ترى شريط حياتك يمر للحظات أمام عينيك. يصبح المستقبل أقرب، والخوف أثقل، والأسئلة أكثر من الإجابات. لكن كلمة "سرطان" - "ذاك المرض" الذي يرعب البشرية - لم تعد تحمل المعنى نفسه الذي كانت تحمله قبل عقود. وبينما لا يزال التشخيص لحظة قاسية تهز حياة المريض وعائلته، وتخنق أنفاسه وتتعب كاهله، لم يعد في الضرورة نهاية القصة.

فخلف أبواب المختبرات، تجري اليوم معركة مختلفة تماما، حيث يبحث العلماء عن طرق أكثر دقة لمهاجمة الأورام، وتقنيات تحاول تعليم جهاز المناعة كيف يتعرف إلى الخلايا السرطانية، ولقاحات تصمم وفق الخصائص الجينية لورم كل مريض، وعلاجات تستفيد من الذكاء الاصطناعي والبيانات الجينية للوصول إلى أهداف لم تكن مرئية من قبل.

إنها وعود علمية لا تزال تحتاج إلى إثبات، وبعضها قد يفشل قبل أن يصل إلى المرضى. لكنها تفتح نافذة على مستقبل يمكن أن يصبح فيه تشخيص بعض السرطانات أقل قسوة، وعلاجها أكثر دقة، وفرص النجاة أطول.

يعيش نحو 54.2 مليون شخص حول العالم ممن شُخّصوا بالسرطان خلال السنوات الخمس السابقة

وفي الجهة الأخرى من هذه الرحلة، تراقب الأسواق كل خطوة. فكل نتيجة إيجابية في تجربة سريرية، وكل اكتشاف واعد، وكل منصة تكنولوجية جديدة، يمكن أن تعني لشركات الأدوية مليارات الدولارات من الإيرادات المستقبلية. لذلك تتدفق الاستثمارات إلى التكنولوجيا الحيوية، وتتنافس الشركات الكبرى على الشراكات والاستحواذات، بينما تبحث رؤوس الأموال الجريئة عن الشركة التي قد تمتلك مفتاح العلاج المقبل. وعند هذه النقطة يلتقي مساران قد يبدوان متناقضين، ألا وهما أمل المريض في مزيد من الأيام، وطموح المستثمر في حصة أكبر من سوق المستقبل.

لكن العلاقة بينهما ليست بالضرورة متناقضة. فالأبحاث تحتاج إلى المال كي تتحول من فكرة في المختبر إلى علاج يصل إلى المريض، والمستثمرون يراهنون على أن تمويل التكنولوجيا التي قد تنقذ الأرواح يمكن أن يصنع في الوقت نفسه أسواقا جديدة وثروات ضخمة.

من هذه النقطة تبدأ قصة اقتصاد جديد للسرطان. قصة لا تدور فقط حول من سيكتشف العلاج الأفضل، بل حول من سيموّل الطريق إليه، ومن سيمتلك التكنولوجيا، ومن سيحجز موقعه في سوق قد تكون إحدى أكبر أسواق صناعة الدواء في العقود المقبلة.

حين يصبح الأمل استثمارا بمليارات الدولارات

يعيش نحو 54.2 مليون شخص حول العالم ممن شُخّصوا بالسرطان خلال السنوات الخمس السابقة، وفق أحدث تقديرات "غلوبوكان 2024" (GLOBOCAN 2024) التابعة للوكالة الدولية لأبحاث السرطان (IARC). وفي عام 2024 وحده، سُجل أكثر من 20.6 مليون تشخيص جديد ونحو 9.8 مليون وفاة بالسرطان. ومع ارتفاع عدد الإصابات وتقدم العلاجات وإطالة عمر المرضى، تتسع في الوقت نفسه السوق التي تتنافس شركات الأدوية على علاجاتها.

رويترز
يعمل أحد موظفي شركة "بيونتك" في مختبر الأبحاث المخصص لتطوير لقاحات السرطان الشخصية المعتمدة على تقنية الحمض النووي الريبوزي المرسال في منشأة جديدة تابعة لشركة "بيونتك" في مدينة ماينتس بألمانيا، 27 يوليو/تموز 2023

وتفتح علاجات المناعة، والعلاجات الموجّهة، والعلاج بالخلايا، واللقاحات الشخصية المعتمدة على تقنية الحمض النووي الريبي المرسال (mRNA) أبوابا جديدة أمام مرضى لم تكن أمامهم قبل سنوات سوى خيارات محدودة. وهذه التطورات لا تحرك المختبرات وحدها، بل تحرك معها رأس المال.

فشركات الأدوية الكبرى تنفق مليارات الدولارات على أبحاث الأورام، وتدفع مليارات أخرى للاستحواذ على شركات التكنولوجيا الحيوية أو عقد شراكات معها، في سباق هدفه امتلاك العلاج المقبل قبل المنافسين.

وقد أصبحت علاجات السرطان بالفعل من أكبر مصادر الإيرادات في الصناعة، إذ حقق "كيترودا" (Keytruda) التابع لشركة "ميرك" (Merck) الأميركية نحو 31.7 مليار دولار في 2025، وحقق "دازاليكس" (Darzalex) الذي تسوقه شركة "جونسون آند جونسون" (Johnson & Johnson) الأميركية نحو 14.35 مليار دولار، بينما بلغت مبيعات "أوبديفو" (Opdivo) التابع لشركة "بريستول مايرز سكويب" (Bristol Myers Squibb) الأميركية نحو 10 مليارات دولار. وفي 2023 دفعت "فايزر" الأميركية نحو 43 مليار دولار للاستحواذ على "سيغن" (Seagen) الأميركية وتعزيز حضورها في علاجات السرطان.

في صناعة الأدوية، لا تنتظر الأسواق وصول العلاج إلى الصيدليات حتى تراهن عليه. وهذا بديهي، إذ يمكن نتيجة إيجابية في تجربة سريرية أن ترفع قيمة شركة ناشئة أو عملاق دوائي خلال ساعات، بينما قد يؤدي فشل تجربة إلى محو مليارات الدولارات من القيمة السوقية

ووفق أحدث بيانات "اتجاهات علاج الأورام عالميا 2025" من معهد "آي كيو في آي أيه" (IQVIA) للأبحاث والتحليلات (IQVIA Institute – Global Oncology Trends 2025)، بلغ الإنفاق العالمي على أدوية السرطان نحو 252 مليار دولار في 2024، محسوبا بأسعار القائمة، ولا يشمل تكاليف الرعاية الطبية الأخرى أو الأدوية الداعمة. وتتوقع "آي كيو في آي أيه" أن يرتفع إلى 441 مليار دولار في 2029. أي زيادة قدرها نحو 189 مليار دولار، أو 75 في المئة خلال خمس سنوات.

وهذا يعني أن السوق ستنمو من متوسط يقارب 21 مليار دولار شهريا في 2024 إلى نحو 37 مليار دولار شهريا في 2029 إذا تحققت توقعات "آي كيو في آي أيه".

البورصة تستثمر في المستقبل قبل أن يصل العلاج إلى المريض

في صناعة الأدوية، لا تنتظر الأسواق وصول العلاج إلى الصيدليات حتى تراهن عليه. وهذا بديهي، إذ يمكن نتيجة إيجابية في تجربة سريرية أن ترفع قيمة شركة ناشئة أو عملاق دوائي خلال ساعات، بينما قد يؤدي فشل تجربة إلى محو مليارات الدولارات من القيمة السوقية. ولهذا تتسابق الشركات على تقنيات قد تبدو اليوم تجريبية، لكنها قد تصبح غدا منصات لعشرات العلاجات.

ففي مجال الأجسام المضادة المقترنة بالأدوية (ADC)، أبرمت "ميرك" في 2023 اتفاقا مع "داي-إيتشي سانكيو" (Daiichi Sankyo) اليابانية تصل قيمته المحتملة إلى 22 مليار دولار لتطوير وتسويق ثلاثة علاجات تجريبية للسرطان، منها 4 مليارات دولار دفعتها مقدما و1.5 مليار دولار من المدفوعات اللاحقة، فيما يرتبط الجزء الأكبر من القيمة بأهداف مبيعات مستقبلية.

رويترز
طفل جرعة من لقاح "موديرنا" المضاد لمرض فيروس كوفيد-19 في صيدلية سكيباك في بلدة شوينكسفيل بولاية بنسلفانيا الأميركية، 11 سبتمبر/أيلول 2025

وفي مجال العلاج بالخلايا، استحوذت "روش" (Roche) السويسرية في 2025 على شركة "بوسيدا ثيرابيوتكس" (Poseida Therapeutics) الأميركية للتكنولوجيا الحيوية مقابل نحو مليار دولار عند إتمام الصفقة، مع إمكان وصول القيمة الإجمالية إلى 1.5 مليار دولار، في رهان على الجيل الجديد من العلاجات بالخلايا التائية ذات مستقبل المستضد الخيمري (CAR-T) الجاهزة للاستخدام والمصنعة من خلايا متبرعين.

وفي مجال لقاحات السرطان، تراهن شركتا "ميرك" و"موديرنا" الأميركيتان على لقاح شخصي قائم على تقنية الحمض النووي الريبي المرسال، فيما تركز "بيونتيك" (BioNTech) الألمانية بصورة متزايدة على الأورام، وأنفقت نحو 2.1 مليار يورو على البحث والتطوير في 2025، ضمن استثمارات تشمل برامج متعددة لعلاج السرطان.

عملت الصين في السنوات الخمس الأخيرة على زيادة التنافس مع الولايات المتحدة في إطلاق الأدوية الجديدة لعلاج الأورام. فقد أُطلق عالميا 132 دواء جديدا للسرطان (NAS) خلال السنوات الخمس الماضية

وفي 19 أغسطس/آب 2026، أعلنت "موديرنا" و"ميرك" أن لقاحهما الشخصي التجريبي للسرطان، نجح في تحقيق الهدف الرئيس لتجربة من المرحلة الثالثة لدى مرضى الميلانوما العالية الخطورة، عند استخدامه مع عقار "كيترودا".

لم تكشف الشركتان في ذلك اليوم عن البيانات التفصيلية، لكنهما قالتا إن العلاج نجح في إطالة الفترة الخالية من عودة السرطان وتقليل انتشاره. وكانت استجابة الأسواق فورية إذ ارتفع سهم "موديرنا" بنحو 177 في المئة في جلسة واحدة، مضيفا قرابة 45 مليار دولار إلى القيمة السوقية للشركة، بينما ارتفع سهم "ميرك" بنحو 12.6 في المئة إلى مستوى قياسي.

واللافت أن المستثمرين لم يكونوا يسعّرون فقط قيمة اللقاح في علاج الميلانوما. فقد اعتبروا نجاح التجربة إثباتا تجاريا لمنصة الحمض النووي الريبي المرسال الشخصية بأكملها، واحتمالا لاستخدام التكنولوجيا في سرطانات أخرى مثل سرطان الرئة والمثانة والكلى. لذلك رأت الأسواق في نجاح اللقاح المحتمل مصدرا جديدا للإيرادات لـ"موديرنا"، التي تراجعت إيراداتها مع انحسار الطلب على لقاح كوفيد-19، وفرصة لبناء قاعدة إيرادات أكثر استدامة تتجاوز اعتمادها على لقاحات الأمراض المعدية.

رويترز
طبيب يحمل جرعة من لقاح "موديرنا" ضد كوفيد-19 القائم على تقنية الحمض النووي الريبوزي المرسال، في شوينكسفيل بولاية بنسلفانيا الأميركية، 24 سبتمبر/أيلول 2025

وقدّرت المجموعة المصرفية والمالية البريطانية "باركليز" (Barclays) أن مبيعات العلاج في الميلانوما وحدها قد تصل إلى نحو 3 مليارات دولار سنويا في 2035. لكن تحليل "رويترز بريكينغ فيوز" (Reuters Breakingviews) رأى أن هذا الرقم لا يفسر وحده القفزة التي تجاوزت 30 مليار دولار في القيمة السوقية لـ"موديرنا"، مما يعني أن المستثمرين كانوا يسعّرون نجاحات مستقبلية أوسع للقاح في أنواع أخرى من السرطان، بينها سرطان الرئة والمثانة والكلى.

لكن القصة تكشف أيضا كيف تعمل "بورصة الأمل". فلم يكن اللقاح قد حصل بعد على موافقة تنظيمية، كما لم تكن البيانات التفصيلية الكاملة للتجربة قد نُشرت، ومع ذلك قفز سهم "موديرنا"، أما في اليوم التالي، فتراجع السهم بنحو 20 في المئة مع إقبال المستثمرين على جني الأرباح، في مثل واضح على سرعة إعادة الأسواق تسعير التكنولوجيا الحيوية استنادا إلى توقعات النجاح المستقبلية.

وللمفارقة، في نوفمبر/تشرين الثاني 2020، أظهرت نتائج لقاحي "فايزر-بيونتيك" و"موديرنا" كيف يمكن الخبر العلمي أن يهز الأسواق فورا. فبعد إعلان فعالية لقاح "فايزر" بأكثر من 90 في المئة، ارتفعت أسهم الشركات المطورة ومنافستها "موديرنا"، كما قفزت أسهم شركات ستستفيد من عودة الحياة الطبيعية مثل "ديزني". وبعد أسبوع، ارتفع سهم "موديرنا" مجددا عقب إعلان فعالية أولية بلغت 94.5 في المئة، ليحقق قفزة بلغت 126 في المئة خلال نوفمبر/تشرين الثاني وحده، مقابل نحو 11 في المئة لمؤشر "أس آند بي 500" (S&P 500)، في مثل واضح على تسعير الأسواق للتطور الطبي بوصفه فرصة اقتصادية ضخمة.

سيطرة أميركية

تحتفظ الولايات المتحدة بموقع مهيمن في اقتصاد علاجات السرطان، فقد استحوذت على نحو 46 في المئة من الإنفاق العالمي على أدوية الأورام في 2024، فيما كانت سبع شركات أميركية من بين أكبر عشر شركات عالميا من حيث إيرادات علاجات السرطان. واستحوذت هذه الشركات مجتمعة على نحو 30 في المئة من المبيعات العالمية.

لكن هذه الهيمنة تواجه منافسة متزايدة، خصوصا من الصين التي اقتربت في السنوات الخمس الأخيرة من الولايات المتحدة في إطلاق الأدوية الجديدة لعلاج الأورام. فقد أُطلق عالميا 132 دواءً جديدا للسرطان (NAS) خلال السنوات الخمس الماضية، و282 دواء خلال العقدين الماضيين، مع تفاوتات جغرافية كبيرة، من بينها تسارع ملحوظ في إطلاق هذه الأدوية في الصين منذ عام 2019، إذ نمت من 37 دواء جديدا فقط خلال 2015–2019 إلى 84 دواء خلال السنوات الخمس الماضية، لتقترب بذلك من الولايات المتحدة التي سجلت 85 إطلاقا خلال الفترة نفسها.

واللافت أن الصين شهدت إطلاق 45 دواء جديدا لعلاج الأورام خلال السنوات الخمس الماضية لم تُطرح حتى الآن في أسواق أخرى، في مؤشر الى بروز نمط جديد من الابتكار يبدأ محليا أو يقتصر على السوق الصينية، وهو نمط لم يكن معهودا من قبل.

أعلنت المملكة في 2025 أكثر من 625 مليون دولار من الاستثمارات في علوم الحياة، ضمنها 266 مليون دولار من "بي دي" (BD) لتوطين التقنيات الطبية و20 مليون دولار من "روش" لتعزيز البحث السريري

ولا يقتصر سباق علاج السرطان على عمالقة صناعة الدواء، بل تلعب الشركات الناشئة في التكنولوجيا الحيوية دورا متزايدا بوصفها مختبرات للابتكار ومصدرا للأدوية والمنصات العلاجية الجديدة. وفي الولايات المتحدة وأوروبا، تتدفق الاستثمارات إلى شركات تعمل في مجالات مثل العلاج المناعي، والعلاجات الخلوية، والأجسام المضادة المقترنة بالأدوية، والطب الدقيق والذكاء الاصطناعي لاكتشاف الأدوية. وخلال النصف الأول من 2026، جمعت نحو 68 شركة تكنولوجيا حيوية أكثر من 9.1 مليارات دولار من تمويل رأس المال الجريء، وهو أعلى إجمالي لنصف عام منذ بداية 2022، وفق بيانات "بيوفارما درايف" (BioPharma Dive). لكن اللافت أن نحو ثلثي جولات التمويل ذهبت إلى شركات لديها بالفعل دواء مرشح يخضع للاختبار على البشر، مما يعكس تحول المستثمرين نحو الشركات التي قطعت شوطا أكبر في التطوير.

وفي الصين أيضا، برزت شركات ناشئة أصبحت مصدرا مهما للأصول العلاجية التي تستحوذ عليها أو ترخّصها شركات الأدوية العالمية. وتشير بيانات منشورة في 2025 إلى أن 46 شركة متخصصة في ابتكار علاجات السرطان حصلت على تمويلات، تجاوز مجموعها 15 مليار يوان، فيما جمعت 16 شركة أكثر من 100 مليون يوان (نحو 14.9 مليون دولار) لكل منها.

ماذا عن الدول العربية؟

ليست الدول العربية ببعيدة عن الاستثمارات في سوق علاجات السرطان. فالمنطقة بدأت تبني قدرات محلية في الطب الدقيق، والعلاج الخلوي والجيني، وتشخيص السرطان بالذكاء الاصطناعي، واكتشاف الأدوية. وتعد السعودية والإمارات الأبرز حاليا في ضخ رأس المال وبناء البنية التحتية. ففي السعودية، تستهدف الاستراتيجيا الوطنية للتقنية الحيوية بناء قطاع محلي يشمل اكتشاف الأدوية والتصنيع واللقاحات والطب الجيني، وقد أعلنت وزارة الصحة أن الفرص الاستثمارية في التكنولوجيا الحيوية وإنتاج اللقاحات والتصنيع الطبي والبحث والتطوير والصحة الرقمية تتجاوز 130 مليار ريال (نحو 34.7 مليار دولار) في 2040.

رويترز
لوحة تحمل شعار شركة "موديرنا" على مكاتب الشركة في مدينة كامبريدج بولاية ماساتشوستس الأميركية، 22 يوليو/تموز 2025

كما أعلنت المملكة في 2025 أكثر من 625 مليون دولار من الاستثمارات في علوم الحياة، ضمنها 266 مليون دولار من "بي دي" (BD) لتوطين التقنيات الطبية و20 مليون دولار من "روش" لتعزيز البحث السريري، إضافة إلى 3.24 مليارات دولار التزامات لرأس المال الجريء والصناديق الاستراتيجية لدفع الابتكار والتوطين الصحي.

وفي مجال السرطان تحديدا، بدأت تظهر شركات سعودية ناشئة تعمل على تقنيات متقدمة. فبرنامج مُسرّع التكنولوجيا الحيوية السعودي (Saudi Biotechnology Accelerator) يضم شركات مثل "فالير ثيرابيوتكس" (Valere Therapeutics) التي تطور علاجات مناعية دقيقة لسرطان الثدي، و"أونويدس" (ONOIDS) التي تعمل على منصة للطب الدقيق في الأورام تجمع بين العضويات المشتقة من أورام المرضى والتحقق من علاجات الخلايا التائية ذات مستقبل المستضد الخيمري، و"إيبينوفا" (EpiNova) التي تطور تشخيصا مبكرا غير جراحي للسرطان باستخدام المؤشرات الحيوية والذكاء الاصطناعي.

أما الإمارات، فتبدو أكثر تقدما في تحويل الاستثمار السيادي إلى منظومة متكاملة. ففي 2025 أطلقت أبوظبي مجموعة "هيلم" للصحة والطب وطول العمر (HELM) بهدف جمع البحث والتطوير والتصنيع والتكنولوجيا الحيوية والذكاء الاصطناعي في منظومة واحدة، مع تقديرات بأن تسهم في 94 مليار درهم في اقتصاد أبوظبي وتوفر 30 ألف وظيفة في 2045. كما دخلت دائرة الاستثمار في الأبحاث السرطانية مباشرة عبر اتفاق بين دائرة الصحة في أبوظبي ومكتب أبوظبي للاستثمار (ADIO)، وشركة "جي إس كيه" (GSK)، وهي شركة أدوية بريطانية متعددة الجنسيات، لإنشاء معهد تقنيات "الأوميكس المتعددة"، التي تدمج بيانات الجينوم والبروتينات والتمثيل الغذائي وغيرها من البيانات البيولوجية لتحليل المرض بصورة أكثر شمولا، يركز على علم الجينوم والطب الدقيق والأورام.

تقديرات للبنك الدولي خلصت إلى أن القيمة الحالية للمنافع الناتجة من القضاء على الجدري بلغت نحو 47.3 مليار دولار بأسعار 1967، أي أن كل دولار أُنفق على البرنامج حقق منافع اقتصادية هائلة، مع تقدير نسبة المنافع إلى التكلفة بنحو 159 إلى 1 عند احتساب إجمالي التكاليف

وهناك أيضا قطر، التي تركز أكثر على البنية البحثية والجينوم والطب الدقيق. ويعمل سدرة للطب على تطوير قدرات التسلسل الجيني و"الأوميكس المتعددة"والذكاء الاصطناعي، فيما أسهم تمويل مجلس قطر للبحث والتطوير والابتكار في بناء قدرات وطنية في التسلسل الجيني وإنشاء مرجع إقليمي لتحليل الجينوم.

هل تربح شركات الدواء من علاج السرطان أم من بقائه؟

ليس دقيقا ظن البعض أن شركات الأدوية لا تريد القضاء على السرطان لأن استمرار المرضى يعني استمرار مبيعات الأدوية؛ فهذه الفكرة تقترب من نظرية المؤامرة أكثر مما تستند إلى حقيقة اقتصادية مثبتة. لكن هناك مفارقة تستحق البحث وتقوم على أن نموذج صناعة الدواء يكافئ أحيانا العلاجات التي يستخدمها المريض لفترات طويلة بإيرادات متكررة، بينما العلاج النهائي أو الجرعة الواحدة قد يحدّ من تكرار المبيعات.

ومع ذلك، يمكن لعلاج ناجح أن يكون بالغ الربحية، خصوصا إذا كان سعره مرتفعا أو يعالج عددا كبيرا من المرضى. والأهم أن السرطان ليس مرضا واحدا، بل مئات الأنواع ذات الخصائص المختلفة، وبعضها أصبح قابلا للشفاء أو السيطرة عليه لسنوات. ومن هنا تبرز المنافسة الجديدة على لقاحات السرطان والوقاية، فالشركة التي تنجح في منع المرض قد لا تخسر سوقا، إذ إنها قد تفتح سوقا أكبر لملايين الأشخاص الذين سيدفعون مقابل الوقاية بدلا من العلاج.

الجدري... حين كان القضاء على المرض أفضل اقتصاديا من علاجه

لا تتفاجأوا إن تحدثنا في هذا السياق عن الجدري. فقد قتل هذا المرض ما يقدر بنحو 300 مليون شخص في القرن العشرين وحده، وظل مرضا عالميا لآلاف السنين، قبل أن تنجح حملة دولية قادتها منظمة الصحة العالمية في القضاء عليه، وأُعلن رسمياً استئصاله عام 1980، بعدما سُجلت آخر إصابة طبيعية في الصومال عام 1977.

رويترز
يظهر شعار شركة "ميرك" عند إحدى بوابات المقر التابع لشركة "ميرك آند كو" في مدينة راهواي بولاية نيوجيرسي الأميركية، بتاريخ 12 يوليو 2018

وبلغت تكلفة برنامج الاستئصال المكثف نحو 300 مليون دولار بين 1967 و1980 حسب منظمة الصحة العالمية. لكن العالم أصبح بعد القضاء عليه يوفر أكثر من مليار دولار سنويا من تكاليف التطعيم والوقاية والسيطرة على المرض.

والأكثر إثارة اقتصاديا أن تقديرات للبنك الدولي خلصت إلى أن القيمة الحالية للمنافع الناتجة من القضاء على الجدري بلغت نحو 47.3 مليار دولار بأسعار 1967، أي أن كل دولار أُنفق على البرنامج حقق منافع اقتصادية هائلة، مع تقدير نسبة المنافع إلى التكلفة بنحو 159 إلى 1 عند احتساب إجمالي التكاليف.

وهنا يمكن بناء مقارنة ذكية جدا مع السرطان. ففي الجدري، كان الهدف الاقتصادي والصحي النهائي هو إنهاء المرض نفسه، وبعد اختفائه لم يعد العالم بحاجة إلى سوق عالمية مستمرة للقاحات الجدري أو علاجاته، وتحولت الأموال التي كانت تنفق سنويا على مواجهته إلى موارد يمكن استخدامها في مجالات صحية أخرى. أما مع السرطان، فالوضع مختلف جذريا. نحن لا نتحدث عن مرض واحد يمكن القضاء عليه بل عن مئات الأنواع، ولذلك يتحول السباق من "استئصال المرض" إلى تحويله إلى مرض يمكن الوقاية منه أو اكتشافه مبكرا أو السيطرة عليه أو علاجه بدرجة أكبر.

الأمل... سوق لا تنتهي

قد يكون أجمل ما في سباق علاج السرطان أن نجاحه لا يُقاس فقط بمليارات الدولارات التي يمكن أن تحققها شركات الأدوية، ولا بارتفاع أسهمها بعد كل نتيجة سريرية واعدة. فهو يوازي عدد السنوات التي يمكن أن يستعيدها المرضى من الخوف والانتظار.

فكل تقدم في العلاج، وكل استثمار في البحث، وكل تقنية جديدة قد تقرّب البشرية من مستقبل يصبح فيه السرطان أقل فتكا وأكثر قابلية للوقاية والعلاج. والمفارقة أن هذا الأمل الإنساني يلتقي مع منطق الاقتصاد، إذ كلما نجحت العلوم في إطالة الحياة وتحسينها، اتسعت أيضا الأسواق أمام الابتكار، من الأدوية واللقاحات إلى التشخيص والذكاء الاصطناعي والعلاجات الشخصية.

وبينما يراهن المستثمرون على الشركات التي قد تقود المرحلة المقبلة، يبقى الرهان الأكبر للبشرية في أن تتحول مليارات الاستثمارات إلى أيام أكثر، وحياة أطول، وخبر تشخيص لا يعني نهاية الطريق، بل بداية طريق جديد نحو الشفاء.

font change