الاقتصاد العالمي أمام جبل من الديون... والخلاف على طريق الخروجhttps://www.majalla.com/node/332951/%D8%A7%D9%82%D8%AA%D8%B5%D8%A7%D8%AF-%D9%88%D8%A3%D8%B9%D9%85%D8%A7%D9%84/%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%82%D8%AA%D8%B5%D8%A7%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%8A-%D8%A3%D9%85%D8%A7%D9%85-%D8%AC%D8%A8%D9%84-%D9%85%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%8A%D9%88%D9%86-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%AE%D9%84%D8%A7%D9%81-%D8%B9%D9%84%D9%89-%D8%B7%D8%B1%D9%8A%D9%82-%D8%A7%D9%84%D8%AE%D8%B1%D9%88%D8%AC
هناك محطات في التاريخ تكون فيها الجغرافيا محددا رئيسا لمصير الاقتصاد. وهناك لحظات تكون الأزمات محركا حاسما لصناعة الأحداث، وتسريع وتيرة التاريخ. والمعادلة تعيد نفسها عندما يتعلق الأمر بأمن الطاقة والإمدادات والتجارة وطرق الشحن والنمو الاقتصادي.
وعلى مدى نصف قرن على الأقل، ظل الشرق الأوسط في قلب هذه الإشكالية المتعددة الأبعاد. فقد أسهمت حرب تشرين/أكتوبر 1973 وما أعقبها من صدمة الطاقة الأولى في دفع الاقتصادات الصناعية الكبرى إلى تعزيز التنسيق الاقتصادي في ما بينها، وصولا إلى تأسيس مجموعة السبع (G7) عام 1975، في خضم الحرب الباردة، كإطار للتنسيق بين القوى الرأسمالية الصناعية الكبرى في مواجهة الاضطرابات الاقتصادية والحاجة إلى ضمان استقرار إمدادات الطاقة.
وبعد أزمة الرهن العقاري الأميركية والصدمة المالية العالمية عام 2008، تعززت الحاجة إلى توسيع إطار التعاون الاقتصادي العالمي ليشمل الاقتصادات الصاعدة الكبرى، فتحولت مجموعة العشرين (G20) إلى مستوى القادة، لتصبح المنصة الأوسع لتنسيق السياسات الاقتصادية العالمية، بمشاركة دول مثل الصين والهند وروسيا وتركيا والسعودية والمكسيك وجنوب أفريقيا. في موازاة ذلك، برزت أهمية فوائض الدول النفطية، ولا سيما الخليجية، عبر صناديقها السيادية التي أصبحت لاعبا رئيسا في حركة رؤوس الأموال والاستثمار العالمي.
تواجه مجموعة العشرين مستويات مرتفعة من المديونية، في ظل تراكم الديون الحكومية والخاصة على نطاق عالمي، إذ حسبت تقديرات حديثة إجمالي الدين العالمي بنحو 353 تريليون دولار، مع تركّز جزء كبير منه في الاقتصادات الكبرى
سمح هذا التوسع العددي بطرح قضايا جديدة للنقاش مثل المديونية والتغير المناخي ونقل التكنولوجيا ومحاربة الاحتكار والعدالة التجارية والهجرة والتنمية المستدامة وغيرها. وفي عام 2026، أصبحت مجموعة العشرين تملك نحو 85 في المئة من الناتج الإجمالي العالمي، وتغطي ثلثي سكان العالم.
وقد أسهم التحول الجيو-اقتصادي، وتوسع التجارة وتدفقات رأس المال وصعود الاقتصادات الناشئة، في زيادة هائلة في حجم الاقتصاد العالمي؛ إذ تضاعف الناتج العالمي تقريبا خلال العقد السابق للأزمة المالية العالمية، من نحو 31 تريليون دولار عام 1999 إلى 62 تريليون دولار عام 2008.
كما شهدت العقود التي تلت الحرب العالمية الثانية واحدة من أطول فترات النمو الاقتصادي العالمي القوي، مع بروز اقتصادات ناشئة أصبحت محركات رئيسة للنمو العالمي.
خلافات الكبار حول النمو والتجارة
فشل وزراء مالية مجموعة العشرين خلال اجتماعهم في آشفيل بولاية نورث كارولينا يومي 31 أغسطس/آب و1 سبتمبر/أيلول 2026، في الاتفاق على بيان مشترك، في ظل خلافات حول قضايا اقتصادية واستراتيجية، أبرزها الاختلالات التجارية العالمية والسياسات غير السوقية وسلاسل إمدادات الطاقة والمعادن الحيوية والدين السيادي.
وتبين أن مجموعة العشرين تواجه أيضا مستويات مرتفعة من المديونية، في ظل تراكم الديون الحكومية والخاصة على نطاق عالمي، إذ حسبت تقديرات حديثة إجمالي الدين العالمي بنحو 353 تريليون دولار، مع تركّز جزء كبير منه في الاقتصادات الكبرى، وفي مقدمتها الولايات المتحدة والصين واليابان. كما تواجه دول اخرى تضخما مرتفعا بلغ 30.4 في الأرجنتين و28.6 في تركيا.
وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت ورئيس مجلس الاحتياطي الفيديرالي كيفن وورش خلال مشاركتهما في اجتماع وزراء المالية ومحافظي البنوك المركزية لدول مجموعة العشرين، في مدينة آشفيل بولاية نورث كارولاينا الأميركية، 31 أغسطس/آب 2026
وخلال الاجتماع نفسه، اعترضت الصين على بنود تتعلق بالاختلالات التجارية والسياسات غير السوقية، والاعتماد على الصادرات لتعزيز النمو، وهي قضايا ربطها محللون ومسؤولون أميركيون بالمخاوف من تأثير الصادرات الصينية، ولا سيما منخفضة التكلفة، في الصناعات الأميركية.
وحث مسؤولون أميركيون دولاً في مجموعة العشرين على مواجهة نموذج الصين الاقتصادي القائم على التصدير. وفي أغسطس/آب، اتهمت واشنطن أكثر من 40 دولة واقتصاداً، بينها المكسيك والهند وكندا، بأنها تشكل جزءاً من"«شبكة عبور خفية" تستخدم لإعادة توجيه سلع صينية إلى الولايات المتحدة بهدف تجنب الرسوم الجمركية الأميركية.
وفي المقابل، كانت بكين قد وسّعت في وقت سابق من هذا العام سياسة المعاملة الجمركية بصفر رسوم لتشمل واردات من 63 دولة حول العالم، معظمها من الدول النامية في آسيا وإفريقيا وأميركا اللاتينية. وارتفعت واردات الصين بنسبة 22 في المئة على أساس سنوي خلال الأشهر السبعة الأولى من العام، وفق بيانات الإدارة العامة للجمارك الصينية، من دون أن يعني ذلك أن سياسة خفض الرسوم كانت العامل الوحيد وراء هذه الزيادة.
كشفت وزارة الخزانة الأميركية أن الصين اعترضت على أربع فقرات في بيان رئاسة مجموعة العشرين، تناولت الحرب والصراعات الإقليمية، بما فيها إغلاق مضيق هرمز، والاختلالات الاقتصادية والتجارية العالمية، واعتماد بعض الدول على الصادرات لتحقيق النمو، إضافة إلى قضايا إعادة هيكلة الديون السيادية
وكشفت وزارة الخزانة الأميركية أن الصين اعترضت على أربع فقرات في بيان رئاسة مجموعة العشرين، تناولت الحرب والصراعات الإقليمية، بما فيها إغلاق مضيق هرمز، والاختلالات الاقتصادية والتجارية العالمية، واعتماد بعض الدول على الصادرات لتحقيق النمو، إضافة إلى قضايا إعادة هيكلة الديون السيادية.
وقال محللون إن الصين ترفض تحميلها جزءا من مسؤولية الاختلالات الاقتصادية العالمية، في ظل الخلاف حول الفوائض التجارية الكبيرة واعتماد الاقتصاد الصيني على الصادرات.
وسبق لمجموعة العشرين أن شهدت انقسامات جيوسياسية حادة عطلت التوصل إلى توافق حول عدد من البيانات والمواقف المشتركة، ولا سيما منذ الغزو الروسي لأوكرانيا عام 2022. ويتجه الرهان الآن إلى قمة مجموعة العشرين المقبلة في ميامي بولاية فلوريدا يومي 14 و15 ديسمبر/كانون الأول، تحت رئاسة الولايات المتحدة والرئيس دونالد ترمب.
حاويات البضائع في ميناء مدينة شنغهاي، الصين، 9 مايو/أيار 2026
وتتطلع واشنطن إلى الحفاظ على هيمنتها التاريخية وكبح جماح التنين الصيني، في وقت قد تتحول فيه بعض الاختلالات التي يعانيها الاقتصاد الأميركي، ولا سيما العجز التجاري والمالي وتراكم الدين، إلى "عقب أخيل" في هذه المواجهة الجيو-اقتصادية، أي نقطة ضعف بارزة. ويعتقد مراقبون أن سعي الإدارة الأميركية إلى حث بقية أعضاء مجموعة العشرين على تشديد العقوبات الاقتصادية والمالية والتجارية على إيران، وتحميل طهران مسؤولية تعثر إمدادات الطاقة وارتفاع الأسعار، سيكون أحد أكثر المواضيع إثارة للجدل.
تحذيرات صندوق النقد الدولي
دخل صندوق النقد الدولي على خط الخلاف الأميركي - الصيني حول النمو والمديونية والصادرات. وقالت كريستالينا غورغييفا، المديرة العامة لصندوق النقد الدولي خلال اجتماع آشفيل إن الدين العام، الذي يقترب من 100 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، تجاوز الآن أعلى مستوياته المسجلة منذ الحرب العالمية الثانية، ومن المتوقع أن يواصل الارتفاع.
مع توقع صندوق النقد الدولي أن تبلغ هذه العتبة في عام 2029، بعدما كان يتوقع في أبريل/نيسان 2025 بلوغها في 2030. لكن الأزمات الجيوسياسية سرًعت التاريخ.
استبعدت أجندة هذا العام التركيز على موضوعات تقليدية مثل تغير المناخ وعدم المساواة والتنمية، التي كانت من بين المجالات الرئيسة خلال اجتماعات السنوات الأخيرة. وبدلا من ذلك، ركزت إدارة ترمب على رفع القيود التجارية غير الجمركية
وبالنظر إلى مساره التاريخي، وحسب غورغييفا، يشبه تطور الدين درجا متصاعدا: قفزات كبيرة إلى الأعلى عند وقوع الصدمات، يعقبها انخفاض طفيف في الدين أو عدم انخفاضه على الإطلاق. ويبدو المشهد المالي الدولي شبيها بتغير المناخ: تتراكم الضغوط بوتيرة تتجاوز التوقعات، قبل أن تظهر تداعياتها في صورة أزمات أشبه بحرائق يصعب احتواؤها.
ودعت غورغييفا إلى اعتماد "سياسات مالية ونقدية سليمة"، محذرة من مخاطر تراكم الديون، ومشددة على ضرورة أن تركز البنوك المركزية على استقرار الأسعار، وأن تضع السلطات المالية خططا موثوقا بها للضبط المالي على المدى المتوسط، وهي وصفات ترى مؤسسات "بريتون وودز"، وفي مقدمتها صندوق النقد الدولي، أنها ضرورية لتجنب تفاقم المديونية العالمية ومخاطر الانكماش الاقتصادي.
المديرة العامة لصندوق النقد الدولي، كريستالينا غورغييفا، تحضر اجتماع وزراء المالية لدول مجموعة العشرين، في مدينة آشفيل بولاية نورث كارولاينا الأميركية، 31 أغسطس/آب 2026
وظهر أن الخلاف حول معوقات النمو، وأسعار الفائدة، وتراكم الديون، يظل بعيدا من تحقيق الإجماع المطلوب. ففي الوهلة الأولى يبدو النمو الاقتصادي البديل الأكثر جاذبية لحل مشاكل المديونية، على الرغم من اختلاف المعالجة والأولويات. لكن عمق الخلاف يبقى أكثر اتساعا، ليس على المنهجية بل على النموذج الاقتصادي نفسه، وتحليل أسباب تعثر النمو.
غياب الإجماع حول النموذج الاقتصادي
استبعدت أجندة هذا العام التركيز على موضوعات تقليدية مثل تغير المناخ وعدم المساواة والتنمية، التي كانت من بين المجالات الرئيسة خلال اجتماعات السنوات الأخيرة. وبدلا من ذلك، ركزت إدارة ترمب على رفع القيود التجارية غير الجمركية، ودعم استثمارات القطاع الخاص، ومعالجة الاختلالات الاقتصادية والديون السيادية.
ويرى صندوق النقد الدولي أن الأولويات في هذه المرحلة تتمثل في الحفاظ على استقرار الأسعار، واعتماد سياسات مالية ونقدية سليمة، إلى جانب تنفيذ إصلاحات هيكلية وخطط مالية متوسطة الأجل لدعم نمو أقوى وأكثر توازنا.
تغيير أسعار الفائدة الرئيسة صعودا أو هبوطا ، هو أصعب قرار يتخذه أي بنك مركزي في العالم، لأنه في الغالب لا يرضي كل الأطراف
محافظ المركزي المغربي عبد اللطيف الجواهري
وتوقع معهد أكسفورد "انخفاض النمو الاقتصادي العالمي إلى 2.5 في المئة فقط في نهاية 2026" بسبب الأوضاع الدولية غير المساعدة وحالة عدم اليقين السياسي. وكان مؤملا بلوغ نمو عالمي من 3.1 في المئة قبل اندلاع حرب إيران.
وتحتاج استعادة معدلات النمو المرتفعة إلى إسكات البنادق، وهزم التضخم، ومعالجة المشكلة المالية. وتعتقد الخزانة الاميركية "أن الاقتصاديات غير القائمة على قواعد السوق، التي تعتمد على الصادرات الرخيصة، ليست حلا مستداما".
هذا الكلام يعيد الاقتصاد إلى ما قبل نشأة مجموعة العشرين نفسها، كون عشرات الدول يعتمد اقتصادها حاليا على التصدير الصناعي، وهو ركن أساس في سلاسل الإنتاج والتوريد، وعنوان نجاح العولمة. ويقول محللون إن مجموعة العشرين متفقة إلى حد كبير على الحاجة إلى التركيز على النمو، لكنها لا تتفق على نموذج النمو الاقتصادي.
الاستثمار في السندات عوض الاستثمار في الإنتاج
كشفت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) أن ارتفاع مستويات الدين وتكاليف الاقتراض يضعان ضغوطا متزايدة على قدرة الحكومات والشركات على تمويل الاستثمار والنمو، في وقت تتجه فيه الحكومات والشركات إلى اقتراض نحو 29 تريليون دولار من أسواق السندات الدولية خلال عام 2026، بزيادة قدرها 4 تريليونات دولار مقارنة بعام 2024. وقدرت المنظمة إجمالي اقتراض الحكومات المركزية في دولها بنحو 17 تريليون دولار في عام 2025، بزيادة نحو 7 في المئة عن عام 2024.
محافظ البنك المركزي المغربي عبد اللطيف الجواهري، يتحدث في مؤتمر صحفي، في العاصمة الرباط، 19 يونيو/حزيران 2018
كما ارتفع اقتراض الشركات من أسواق الدين إلى 6.8 تريليون دولار عبر سندات الشركات العام الماضي. وتكشف هذه الأرقام تصاعد الاعتماد على أسواق السندات لتمويل الحكومات والشركات، في وقت باتت فيه تكاليف الاقتراض الطويل الأجل أكثر ارتفاعا. وبينما استقرت نسبيا معدلات الفائدة القصيرة الأجل في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية عام 2025، ارتفعت عوائد السندات لأجل 30 عاما بشكل كبير في معظم البلدان، مما يزيد تكلفة التمويل ومخاطر إعادة تمويل الديون.
وقال محافظ المركزي المغربي عبد اللطيف الجواهري لـ"المجلة" إن تغيير أسعار الفائدة الرئيسة صعودا أو هبوطا، هو أصعب قرار يتخذه أي بنك مركزي في العالم، لانه في الغالب لا يرضي كل الأطراف". واستجاب المقترضون والصناديق السيادية لأسعار الفائدة المرتفعة الطويلة الأجل، وهي مراهنات قد تكون لها تداعيات على كتلفة الاستثمار والتمويل لاحقا، وتجعل المديونية في حلقة مفرغة إذا تجاوزت 90 في المئة من الناتج وفق خبراء صندوق النقد.
ومن المتوقع أيضا أن يصبح اقتراض شركات الذكاء الاصطناعي أكثر حضورا في أسواق الدين، بالنظر إلى المبالغ الضخمة التي تحتاجها استثمارات توسع الذكاء الاصطناعي
ومنذ أزمة مضيق هرمز أصبحت عوائد السندات المرتفعة مصدر قلق في معظم الأسواق المالية، لوجود علاقة متشابكة بين التضخم وأسعار الفائدة والديون السيادية والنمو الاقتصادي. وبلغ العائد على سندات الخزانة الأميركية لأجل عشر سنوات 4.75 في المئة، فيما وصل العائد على السندات لأجل سنتين إلى 4.34 في المئة في نهاية أغسطس/آب 2026 حسب بيانات وزارة الخزانة الأميركية.
وبسبب الضغوط المتزايدة في أسواق الدين، اتجهت الخزانة الأميركية إلى إعادة شراء بعض سندات الخزانة في إطار إدارة سوق الدين وتحسين سيولته. وفي عام 2025، وصل اقتراض الحكومات والشركات من أسواق الدين إلى مستوى قياسي بلغ 27 تريليون دولار، ومن المتوقع أن يرتفع إلى 29 تريليون دولار في عام 2026. ومن المتوقع أيضا أن يصبح اقتراض شركات الذكاء الاصطناعي أكثر حضورا في أسواق الدين، بالنظر إلى المبالغ الضخمة التي تحتاجها استثمارات توسع الذكاء الاصطناعي، ولا سيما لبناء مراكز البيانات وتوفير الطاقة والبنية التحتية اللازمة لها.
مقر البنك المركزي الأوروبي، فرانكفورت، ألمانيا، 6 مارس/آذار 2025
وحتى عهد قريب جدا، ظل قطاع التكنولوجيا أقل استخداما للتمويل الخارجي. ويحتاج القطاع مستقبلا إلى نفقات استثمارية تراكمية مخطط لها خلال الفترة 2026-2030 بأكثر من أربعة تريليونات دولار. في عام 2025، جمعت تسع شركات كبرى تُعرف عادة باسم "العمالقة السحابية" (Hyperscalers) ما مجموعه 122 مليار دولار من أسواق السندات، وهو ما يمثل نحو نصف إجمالي إصدارات شركات التكنولوجيا على مستوى العالم.
المديونية تهدد النمو العالمي
وتحوّل ارتفاع المديونية الأميركية إلى همّ عالمي، بعدما تجاوز الدين الوطني 40 تريليون دولار في أغسطس/آب.
وتطال هذه المديونية العالم أجمع لأن الولايات المتحدة والدولار وسوق سندات الخزانة تحتل موقعا محوريا في النظام المالي الدولي؛ فالدولار هو العملة الأكثر استخداما في معاملات الصرف الأجنبي والمدفوعات العابرة للحدود، كما أن سندات الخزانة الأميركية تُعد من الأصول الأساس المنخفضة المخاطر وتُستخدم على نطاق واسع كضمان ومرجع لتسعير الأصول المالية. ولذلك فإن ارتفاع الدين الأميركي وتكاليف خدمته، أو حدوث اضطراب في سوق الخزانة، يمكن أن يرفع تكاليف التمويل ويزيد التقلبات وينقل الضغوط إلى الأسواق والاقتصادات الأخرى.
إن العامل الأميركي البسيط سيحتاج إلى أكثر من 615 مليون سنة لكسب ما يعادل رأسمال هذا الدين، الذي تضاعف خلال عقد
دان كواتسوورث، المحلل المالي في "أيه جاي بيل" (AJ Bell)
وقال دان كواتسوورث، المحلل المالي في "أيه جاي بيل" (AJ Bell)، إن العامل الأميركي البسيط سيحتاج إلى أكثر من 615 مليون سنة لكسب ما يعادل رأسمال هذا الدين، الذي تضاعف خلال عقد. وارتفع الدين الأميركي من نحو 5 تريليونات دولار عام 2000 إلى 18 تريليونا عام 2015، ونحو 27 تريليونا عام 2020. وتجاوزت تكلفة خدمة الدين الفيديرالي تريليون دولار، لتصبح في مستوى الإنفاق الدفاعي أو تتجاوزه، فيما قفز صافي تكلفة الفائدة في يوليو/تموز إلى نحو 104 مليارات دولار.
وترى مؤسسة "فوندانسيون إفراب" (Fondation IFRAP) الفرنسية التي تُعنى بالسياسات العامة والاقتصاد والمالية العامة، أن مخاطر المديونية على المدى المتوسط ترتبط أيضا بارتفاع حصة المستثمرين الأجانب في حيازة الدين السيادي، إذ تبلغ 53.2 في المئة في فرنسا، و42 في المئة في إسبانيا، و32 في المئة في المملكة المتحدة، و27 في المئة في إيطاليا، و23 في المئة في الولايات المتحدة.
والمقصود هنا أن ارتفاع حصة الأجانب في حيازة الدين السيادي يجعل بعض الدول أكثر تعرضا لتقلبات الأسواق المالية العالمية. فإذا تراجع إقبال المستثمرين الأجانب على شراء السندات، قد تضطر الحكومات إلى تقديم عوائد أعلى لجذب التمويل، مما يرفع تكلفة خدمة الدين ويزيد الضغوط على الموازنات العامة والنمو. وتبدو هذه المخاطر أكثر أهمية في الاقتصادات التي تعتمد بدرجة كبيرة على المستثمرين الخارجيين لتمويل ديونها. ومن ثم، فإن ارتفاع الدين لا يمثل مشكلة مرتبطة بحجمه فقط، بل أيضا بمن يملك هذا الدين ومدى اعتماد الحكومات على التمويل الخارجي.
مبنى وزارة الخزانة الأميركية، في واشنطن، 11 يوليو/تموز 2026
وتكمن الإشكالية أيضا في معرفة المتملكين الحقيقيين للسندات، إذ قد تمر ملكية الدين السيادي عبر سلاسل من الوسطاء والمراكز المالية الدولية، بما يجعل تحديد المالك النهائي أكثر صعوبة. ويظهر في بيانات حيازة الديون الأجنبية حضور مراكز مالية مثل جزر كايمان وباهاماس وسنغافورة، لكن وجودها لا يعني في الضرورة أن هذه الأصول مملوكة لأطراف تسعى إلى إخفاء هويتها.
ماذا عن العالم العربي؟
يقف العالم العربي في موقع مختلف من أزمة المديونية العالمية، كونه لا يشكل كتلة واحدة. فالدول الخليجية تمتلك هوامش مالية واحتياطيات وصناديق سيادية كبيرة توفر لها وسادة أمام ارتفاع تكلفة الاقتراض وتقلبات الأسواق، بينما تواجه دول عربية أخرى أعباء ديون أعلى وضغوطا أكبر على المالية العامة وتكلفة خدمة الدين.
وتكشف أزمة الديون العالمية بالتالي عن انقسام عربي بين دول تملك فوائض مالية وأصولا سيادية يمكنها الاستثمار في الأسواق العالمية، ودول تعتمد بدرجة أكبر على الاقتراض الخارجي والمساعدات والتمويل الدولي. ومع ارتفاع عوائد السندات عالميا، تصبح هذه الفجوة أكثر أهمية، لأن ارتفاع تكلفة التمويل لا يضغط على المدينين فقط، بل يرفع أيضا تكلفة تمويل الاستثمار والنمو.