عام ضبابي ينتظر روسيا وجيرانها في 2026

جبل جليدي من الأزمات الاقتصادية الروسية وإيران على صفيح ساخن من الاحتجاجات

المجلة
المجلة

عام ضبابي ينتظر روسيا وجيرانها في 2026

في مثل هذا الوقت من عام 2024، كان العالم يحاول التكيف مع ما أفرزته الانتخابات الرئاسية الأميركية، التي أسفرت عن إعادة انتخاب دونالد ترمب رئيسا للولايات المتحدة. وسعت معظم الدول إلى إعداد خطط تستفيد من هذا الوضع خلال عام 2025. وليس خافيا أن من يجلس في المكتب البيضاوي يملك تأثيرا واسع النطاق يتجاوز حدود الولايات المتحدة. غير أن مجموعة بعينها من الدول الواقعة على الحدود بين أوروبا وآسيا، شهدت عاما استثنائيا بسبب السياسات التي انتهجها ترمب، مما يمهد الطريق لتحولات قد تكون حاسمة في عام 2026.

روسيا: التطلعات السياسية تتعاظم، والآفاق الاقتصادية تتراجع

توارى عن الأذهان منذ وقت طويل، وعد دونالد ترمب بإنهاء الحرب "خلال 24 ساعة" من تنصيبه، لكن ملامح نهجه باتت واضحة في عام 2025. فقد أظهرت إدارته استعدادا لمعارضة حلفائها، والتعامل مع الصراعات الدولية الكبرى بمنظور تجاري بحت. وبينما قاطعت أوروبا ودول عدة الرئيس فلاديمير بوتين دعما لأوكرانيا، اختار البيت الأبيض التواصل المباشر مع الكرملين، بل التقى الرئيسان وجها لوجه على الأراضي الأميركية خلال صيف عام 2025.

وفي نوفمبر/تشرين الثاني، كشفت تسريبات إعلامية عن خطة سلام اقترحتها الولايات المتحدة، بدت كأنها تلبي جميع مطالب الكرملين، مما أثار قلقا شديدا في أوكرانيا وأوروبا. غير أن اقتراحا مضادا سحب بعضا من تلك التنازلات، مما دفع بوتين إلى إبداء قدر أقل من الحماسة في الآونة الأخيرة. وفي الوقت ذاته، شهد شهرا نوفمبر/تشرين الثاني وديسمبر/كانون الأول واحدة من أعنف موجات القصف على أوكرانيا منذ فترة طويلة. يسعى الكرملين إلى إعلان "نصر" ما، ويبدو أن كسب مزيد من الأراضي هو أفضل السبل لتحقيق ذلك، إلا أن الشعور العام يوحي بأن موسكو لن تكون قادرة على مواصلة الحرب لفترة أطول.

وعند النظر إلى الأداء الاقتصادي الروسي خلال عام 2025، يصبح هذا التقدير أكثر منطقية. فعلى السطح، لا تبدو الأوضاع سيئة، إذ سجل الناتج المحلي الإجمالي نموا إيجابيا على مدار السنوات الثلاث المنصرمة، وتفوق الاقتصاد الروسي في أدائه على بعض اقتصادات الدول الأوروبية. لكن المؤشرات الحالية تنبئ بالتباطؤ والاحتقان. ففي يوليو/تموز، توقع البنك المركزي الروسي نموا بين 1 في المئة و2 في المئة لعام 2025، مقارنة بـ4,3 في المئة في عام 2024، قبل أن يخفض التوقع في الربع الأخير من العام إلى ما بين 0,5 في المئة و1 في المئة.

تكبدت الشركات الغربية خسائر مباشرة بلغت 167 مليار دولار، وخسائر إجمالية بلغت 324 مليار دولار، نتيجة انسحابها من روسيا

كيريل ديميترييف، المبعوث الروسي الجديد للتعاون الاقتصادي الخارجي

في غضون ذلك، شددت أوروبا عقوباتها، وانضمت إدارة ترمب إلى هذا النهج للمرة الأولى. بل إن البيت الأبيض مارس ضغوطا على دول أخرى مثل الهند، التي تشتري النفط الروسي بأسعار مخفضة وتزود خزينة الدولة مصدر دخل حيويا.

كما ازداد اعتماد الاقتصاد الروسي على الصين خلال عام 2025، وهو ما قد لا يبعث على الارتياح في الكرملين، كما يثير القلق في واشنطن، خصوصا أن البلدين أصبحا يعتمدان إلى حد كبير على العملة الصينية في تعاملاتهما الدولية، مما يضعف مكانة الدولار الأميركي على الساحة العالمية.

أ.ف.ب.
عملة معدنية من الروبل الروسي أمام الكرملين، 12 سبتمبر 2025

لا يزال الاقتصاد الروسي يستمد زخمَه من نفقات الحرب، إذ يقدر أن أكثر من 8 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي يوجه إلى الإنفاق العسكري. وتشير تقارير إعلامية إلى أن البنك المركزي الروسي يعتزم خفض أسعار الفائدة من 16,5 في المئة إلى 16 في المئة في حلول نهاية ديسمبر/كانون الأول، في وقت تحصل فيه بعض الشركات، وخصوصا تلك المرتبطة بعقود دفاعية، على أسعار فائدة تفضيلية مدعومة من الكرملين، مما يحمل باقي قطاعات الاقتصاد تكاليف إضافية. ومن المتوقع أن تنهي روسيا العام بمعدل تضخم يتراوح بين 6 في المئة و7 في المئة، وهي نسبة بدأت تنعكس بوضوح على ميزانيات المستهلكين.

ما الذي يخبئه عام 2026 للكرملين؟

ليس من المستغرب أن يعتمد الكثير على ساكن البيت الأبيض، دونالد ترمب. فقد صرح من قبل بأنه "سئم من الاجتماعات" المتعلقة بمفاوضات السلام بين روسيا وأوكرانيا. وفي ديسمبر/ كانون الأول، أبرم ترمب اتفاقا مع بيلاروسيا، وهي دولة أخرى ينبذها الغرب، وأعفاها من العقوبات المفروضة على تصدير البوتاس، السلعة الرئيسة التي تصدرها هذه الدولة. ويشير هذا الأمر إلى أن الولايات المتحدة قد تسارع إلى رفع العقوبات عن روسيا في عام 2026، إذا تم التوصل إلى اتفاق لإنهاء الحرب.

وفي فبراير/ شباط 2025، قال كيريل ديميترييف، المبعوث الروسي الجديد للتعاون الاقتصادي الخارجي، إن الشركات الغربية تكبدت خسائر مباشرة بلغت 167 مليار دولار، وخسائر إجمالية بلغت 324 مليار دولار، نتيجة انسحابها من روسيا. ويرى المحللون أن روسيا ستكون سعيدة بالعودة إلى الاندماج في الاقتصاد العالمي، من أجل إعادة موازنة أدوات النفوذ التي تستخدمها الصين لصالحها حاليا. في الوقت نفسه، حل أوليغارشيون روس محل تلك الشركات، ولن يرغبوا في التنازل عن حصتهم السوقية. وسيتوقف الكثير في عام 2026 على أسعار النفط والغاز، اللذين يشكلان نحو نصف إيرادات الدولة الروسية.

لا تزال هناك تساؤلات حول كيفية تشغيل هذا الطريق والفوائد الاقتصادية المتوقعة لكل من أرمينيا وأذربيجان

وقد يشهد العام المقبل لحظة يضطر فيها فلاديمير بوتين إلى قبول شروط الاتفاق، حتى لو لم تلب مطالبه القصوى.
أرمينيا وأذربيجان: خريطة طريق جديدة للسلام والازدهار؟

هاتان الدولتان الجارتان اللتان تقعان جنوب روسيا مباشرة، وتعتمدان على "الأخ الأكبر" منذ عقود، تجدان نفسيهما الآن على مفترق طرق بالمعنى الحرفي للكلمة، لتحقيق اختراق محتمل في عام 2026.

رويترز
الرئيس الأميركي دونالد ترمب والرئيس الأذربيجاني إلهام علييف ورئيس الوزراء الأرميني نيكول باشينيان يرفعون اتفاقية السلام التي تم توقيعها في البيت الأبيض، 8 أغسطس 2025

فبعد سنوات من التوتر، بدأت الدولتان مفاوضات مباشرة، وفي أغسطس/ آب 2025، وقع رئيس الوزراء الأرميني نيكول باشينيان والرئيس الأذري إلهام علييف بالأحرف الأولى اتفاقية تاريخية في البيت الأبيض، إلى جانب اتفاقيات ثنائية مع الإدارة الأميركية. تضمنت الاتفاقية طريق عبور يعرف باسم "طريق ترمب للسلام والازدهار الدوليين"، الذي يطمح لأن يكون جزءا رئيسا من الممر الأوسط، الذي يربط الصين بأوروبا.

ولا تزال هناك تساؤلات حول كيفية تشغيل هذا الطريق والفوائد الاقتصادية المتوقعة لكل من أرمينيا وأذربيجان، ولكن السلام الدائم يمكن أن يكون له أثر إيجابي قوي على المنطقة بأسرها. وتأمل أرمينيا أيضا أن يفضي ذلك إلى إقامة علاقات ديبلوماسية مع أنقرة، وإعادة فتح الحدود المغلقة منذ عام 1993، بينها وبين تركيا.

بالنسبة إلى أرمينيا، يعني ذلك احتمال تقليص درجة اعتماد اقتصادها الحالي على روسيا. فعلى سبيل المثل، كانت روسيا حتى وقت قريب، المزود شبه الوحيد للوقود المستخدم في مركبات أرمينيا. وحتى مع دخول شركات مثل "شل" و"غولف" إلى السوق عبر تراخيص لاستيراد الوقود من أوروبا، لم تنخفض الحصة الروسية عن 90 في المئة. وفي ديسمبر/كانون الأول 2025، أعلنت أذربيجان أنها ستشحن حاوية وقود إلى أرمينيا، في خطوة ينظر إليها على أنها إمداد تجريبي قد يتوسع حجمه خلال عام 2026.

من المتوقع أن تواجه أذربيجان قدرا أقل من الدراما السياسية مقارنة بجارتها، مع استمرار تركيزها على الاستثمارات في الأراضي التي استعادتها خلال حرب عام 2020، حيث خصص نحو 8,4% من الإنفاق في الموازنة لهذا الغرض

ويبدو أن العام المقبل سيكون عاما مفصليا لهاتين الجمهوريتين الصغيرتين. فأرمينيا ستستضيف قمة "كوب 17" للتنوع البيولوجي، التي من المتوقع أن تستقطب أكثر من 25 ألف مشارك، في ما يرجح أن يكون أكبر حدث دولي تستضيفه البلاد في تاريخها. كذلك، ستعقد القمة السياسية الأوروبية الثامنة في أرمينيا عام 2026، لتستقبل للمرة الأولى عددا من أبرز القادة الأوروبيين.

ويبقى العامل الحاسم في مستقبل البلاد مرتبطا بانتخابات يونيو/حزيران 2026، وبنتائج الاستفتاء الدستوري المحتمل، حيث يتوقع أن يتصدر ملف السلام مع أذربيجان المشهد في كلا الاستحقاقين. وتبدي الحكومة الأرمينية قدرا من التفاؤل، إذ تتوقع نموا اقتصاديا يناهز 5 في المئة في عام 2025، و5,4 في المئة في عام 2026.

أما أذربيجان، فيُرجّح أن تشهد قدرا أقل من الدراما السياسية مقارنة بجارتها، مع استمرار تركيزها على الاستثمارات في الأراضي التي استعادتها خلال حرب عام 2020، حيث خصص نحو 8,4 في المئة من الإنفاق في الموازنة لهذا الغرض. وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2025، قال وزير الاقتصاد الأذربيجاني ميكاييل جباروف إن حصة القطاع غير النفطي والغازي من الناتج المحلي الإجمالي يتوقع أن ترتفع من 58 في المئة إلى 70 في المئة خلال العام المقبل. ومن المنتظر أن تنهي البلاد، بقيادة الرئيس إلهام علييف، عام 2025 بنمو اقتصادي بنحو 3 في المئة، فيما يتوقع محللون نموا بنسبة 2,6 في المئة في عام 2026.

أ.ف.ب.
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يصافح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لدى وصوله إلى ألاسكا، في 15 أغسطس 2025

وفي هذه المرحلة، يبدو أن المعطيات كلها مهيأة لجعل عام 2026 عاما مفصليا لهذه الدول، بما قد يفتح الباب أمام السلام ويدشن مرحلة جديدة من الازدهار. غير أن روسيا تراقب هذه التطورات عن كثب، ويعتقد كثير من المحللين أن الكرملين لن يسمح بسهولة بتراجع نفوذه في محيطه القريب. أما المتابعون للصراع الأرمني–الأذربيجاني على مدى عقود، فيدركون أن البلدين باتا أقرب إلى السلام من أي وقت مضى، غير أن أسسه لا تزال هشة، وأن أي اتفاق لا يصبح نهائيا إلا بعد التوافق على جميع تفاصيله.

إيران: عام صعب وأسئلة مفتوحة على المستقبل

لم يكن العام المنصرم سهلا على النظام في طهران. فالتطورات التي شهدتها إيران كانت كثيفة ومعقّدة إلى حد يصعب الإحاطة بها باقتضاب. غير أن التوقف عندها يظل ضروريا، إذ إن ما يجري داخل إيران يرتبط مباشرة بتوجهات دونالد ترمب حيال المنطقة، وقد تكون له تداعيات تتجاوزها إلى روسيا وأرمينيا وأذربيجان.

ولا يبدو أن عام 2026 يحمل أخبارا أفضل لإيران، إذ يتوقع البنك الدولي انكماشا إضافيا بنسبة 2,8%، ويعني ذلك مزيدا من الضغوط على القدرة المعيشية للمواطنين الإيرانيين، وما قد يرافقها من اضطرابات اجتماعية

في يونيو/حزيران 2025، انتهت حرب الأيام الاثني عشر بين إيران وإسرائيل بهزيمة قاسية للجمهورية الإسلامية، لا سيما بعد استهداف الولايات المتحدة مواقع نووية في فوردو ونطنز وأصفهان، تاركة إياها "مدمرة بالكامل"، بحسب توصيف الرئيس الأميركي. وفي نوفمبر/تشرين الثاني، قال ترمب إن إيران أبدت اهتماما بالتوصل إلى اتفاق، وإن البيت الأبيض سيوافق على ذلك " على الأرجح". اقتصاديا، اضطر النظام في طهران إلى مواجهة عام من الركود، بل من الانكماش، قدّر بنحو 2 في المئة وفق بيانات البنك الدولي. كما تراوح معدل التضخم خلال العام بين 40 و50 في المئة، من دون أي مؤشرات جدية الى انفراج قريب. ويشكل قطاع النفط والغاز نحو ربع الناتج المحلي الإجمالي لإيران، غير أن العقوبات واصلت خنق عوائده خلال عام 2025.

أ.ف.ب.
متجر صرافة يعرض على شاشة أسعار العملات مقابل الريال الإيراني، طهران، 28 سبتمبر 2025

ولا يبدو أن عام 2026 يحمل أخبارا أفضل حتى الآن، إذ يتوقع البنك الدولي انكماشا إضافيا بنسبة 2,8 في المئة. ويعني ذلك مزيدا من الضغوط على القدرة المعيشية للمواطنين الإيرانيين، وما قد يرافقها من أخطار الاضطرابات الاجتماعية، لا سيما بعد أن لمس الشارع الإيراني هشاشة في درع النظام خلال المواجهة مع إسرائيل.

ويرى كثيرون أن ترمب لا يرغب في رؤية محور متماسك يضم إيران وروسيا والصين، وهو ما قد يدفع إدارته إلى محاولة استمالة طهران نحو الغرب، بما تملكه من موارد طبيعية كبيرة. وفي تقرير صادر عن الحكومة الكندية في يوليو/تموز 2025، أُشير إلى أن إيران قادرة على عكس مسار اقتصادها سريعا وتحقيق نمو يتراوح بين 3 و5 في المئة سنويا في الأعوام المقبلة، في حال توصلت إلى اتفاق مع الغرب.

ومع ذلك، تبقى حالة عدم اليقين طاغية على آفاق إيران في عام 2026، إذ ستتأثر مساراتها بمجموعة من المتغيرات الإقليمية والدولية المتداخلة. فإحلال السلام بين أرمينيا وأذربيجان قد يفتح ممرات تجارية جديدة تربط إيران بروسيا، كما أن أي تقارب بين الكرملين والغرب قد يعيد رسم معادلة إمدادات النفط والغاز على المستوى العالمي. وفي ظل هذه التشابكات، تحيط علامات استفهام كثيرة بمستقبل إيران في عام 2026، وسيتحدد جزء كبير من مصير البلاد بما يجري في محيطها الإقليمي والدولي.

إن محاولة استشراف ما سيحمله العام المقبل ليست مهمة يسيرة. وفي هذه المنطقة تحديدا، تبدو أقرب إلى مقاربة ذهنية معقدة، تتطلب الموازنة الدقيقة بين متغيرات متشابكة وعلاقات تتبدل بوتيرة متسارعة.

font change

مقالات ذات صلة