خريطة ترمب الاقتصادية من "يوم التحرير" الى نفط فنزويلا

نجح في عامه الأول في توسيع النفوذ الاقتصادي الأميركي بالفرض السياسي والمالي

المجلة
المجلة

خريطة ترمب الاقتصادية من "يوم التحرير" الى نفط فنزويلا

لم تقتصر أولويات الرئيس الأميركي دونالد ترمب في عامه الرئاسي الأول، من ولايته الثانية، على الملفات والتسويات السياسية والأمنية، بل كان الشأن الاقتصادي في صلب أهدافها أولا وأخيرا. ووصف ديبلوماسيون كبار خدموا في واشنطن خلال هذه الفترة، التي بدأت في العشرين من يناير/كانون الثاني 2025، أهدافه السياسية بأنها انطوت على عمق استراتيجي ذي بعد اقتصادي، يحقق منافع مالية مباشرة للدولة الأميركية. كما كان واضحا بروز أدوار شخصيات ذات خلفيات اقتصادية بحتة، جمعت لاحقا بين المهمات الديبلوماسية والسياسية، بفعل قربها من الرئيس وتمتعها بثقته الكاملة.

في مطلع عام 2026 قال الرئيس ترمب إن الولايات المتحدة استقطبت استثمارات قيمتها 17 تريليون دولار خلال تسعة أشهر، متوقعا أن ترتفع هذه الاستثمارات إلى ما بين 20 و21 تريليون دولار بمرور عام كامل، معتبرا أن هذه القفزة تعود مباشرة إلى قراره رفع التعريفات الجمركية. وأكد أن هذه الأرقام تفوق بنحو عشرة أضعاف ما تحقق في مراحل سابقة.

السياسة في خدمة الاقتصاد

إنه "ترمب الاقتصادي" الذي لا تنافس أهميته وتأثيره "ترمب السياسي"، أعاد خلط الأوراق في الشرق الأوسط وفي مناطق عدة من العالم، مختتما السنة باستعادة فنزويلا الى الحضن الأميركي. دفع بالاقتصاد العالمي إلى الواجهة، وجعل المصالح الاقتصادية والاستثمارية عنصرا أساسيا في معالجة بؤر التوتر، وجزءا لا يتجزأ من مقاربات الحلول والخطط المطروحة. ولم يكن هدفه تغيير العالم سياسيا فحسب، بل اقتصاديا أيضا، انطلاقا من خلفيته العريقة في ريادة الأعمال.

ينطلق ترمب من قناعته بأن "كل حل سياسي يفتح الباب أمام صفقة اقتصادية". ويعني ذلك أن الدعم الأميركي لإنتاج تسويات على مدى بقاع العالم، لا ينفصل، وفق هذا المنطق، عن تحقيق مكاسب متصلة بالعقود التجارية

ينطلق ترمب من قناعته بأن "كل حل سياسي يفتح الباب أمام صفقة اقتصادية". ويعني ذلك أن الدعم الأميركي لإنتاج تسويات على مدى بقاع العالم، حيث الملفات الملتهبة، سواء عبر حلول سياسية أو تهدئة، لا ينفصل، وفق هذا المنطق، عن تحقيق مكاسب متصلة بالعقود التجارية، أو صفقات السلاح، أو الاستثمارات الأميركية، أو فتح أسواق جديدة أمام الشركات الأميركية، والضغط للحصول على تنازلات اقتصادية. وفي كل منطقة تشهد أزمة، يسعى ترمب إلى حلها، فإنما يهدف للحصول على امتيازات اقتصادية في مجالات السلاح، والطاقة، وإعادة الإعمار، والرسوم على الواردات، وتحسين موقع الشركات الأميركية. لا يرى ترمب العالم شبكة تحالفات سياسية فحسب، بل خريطة أسواق وفرصا للأعمال والتجارة.

في الرابع من ديسمبر/كانون الأول 2025، أصدرت إدارة ترمب استراتيجيتها للأمن القومي، التي ركزت بصورة بارزة على تعزيز التفوق الاقتصادي والتكنولوجي للولايات المتحدة، إلى جانب السعي لتجنب أي صراع في منطقة المحيطين الهندي والهادئ. كما أكدت الاستراتيجيا الاستمرار في السياسة الأميركية المعلنة منذ زمن طويل تجاه تايوان.

رويترز
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يستعد للمغادرة من قاعدة أندرو، ولاية ميريلاند، الولايات المتحدة الأميركية، 30 أكتوبر 2025

وبالنسبة الى الشرق الأوسط، تشير الاستراتيجيا إلى أن المرحلة التي كانت فيها المنطقة تهيمن على التخطيط الاستراتيجي الأميركي، في طريقها إلى الانتهاء، ليس بسبب تراجع أهميتها، بل نتيجة تحولها التدريجي إلى ساحة شراكة وصداقة واستثمار. ومع ذلك، تؤكد الوثيقة أن للولايات المتحدة مصالح أساسية ستظل قائمة، وفي مقدمها ضمان عدم وقوع موارد الطاقة الخليجية في أيدي خصومها، وبقاء مضيق هرمز مفتوحا، وأمن البحر الأحمر كممر حيوي للملاحة الدولية.

انقلاب جمركي عالمي

استهل "ترمب الاقتصادي" سنته برفع الرسوم الجمركية على معظم دول العالم في تعاملاتها التجارية مع الولايات المتحدة. ففي الثاني من أبريل/نيسان 2025، أعلن "يوم التحرير" وفرض ما سماه "ضريبة أساسية" بنسبة 10 في المئة على غالبية الواردات إلى بلاده، أعقبتها رسوم متصاعدة بلغت في بعض الحالات 50 في المئة، ولا سيما على الفولاذ والمعادن والألومنيوم. وجاءت هذه الخطوات في إطار سعيه إلى جعل الولايات المتحدة "عظيمة من جديد" وفق شعار (MAGA)، بالتوازي مع إعادة النظر في حجم المساعدات الأميركية المقدمة لدول العالم، سواء في مجالات التنمية والتطوير أو في تمويل عمليات حفظ السلام.

إقرأ أيضا: كيف قلب ترمب اقتصاد العالم رأسا على عقب في 100 يوم؟

وبلغت التعريفات الجمركية على واردات الاتحاد الأوروبي واليابان وكوريا الجنوبية نحو 15 في المئة، في حين ارتفعت الرسوم المفروضة على البرازيل إلى 50 في المئة، وعلى المكسيك إلى 25 في المئة. وعمل ترمب من خلال هذه السياسات على إحداث انقلاب على النهج الاقتصادي العالمي المعتمد سابقا في هذا المجال، وإذا كانت السوق الداخلية قد شهدت في المقابل اضطرابات وخلطا للأوراق، فإنها تفاقمت بالتزامن مع استمرار الفوائد الأميركية المرتفعة.

حققت الولايات المتحدة نحو 100 مليار دولار من عائدات الرسوم الجمركية حتى منتصف عام 2025، وتوقع أن ترتفع هذه العائدات إلى نحو 300 مليار دولار في نهاية العام نفسه

وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت

وقال وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت، بحسب وكالة "رويترز"، إن الولايات المتحدة حققت نحو 100 مليار دولار من عائدات الرسوم الجمركية حتى منتصف عام 2025، متوقعا أن ترتفع هذه العائدات إلى نحو 300 مليار دولار في نهاية العام نفسه. وفي تصريحات لاحقة، أشار إلى أن إيرادات الرسوم الجمركية قد تتجاوز 500 مليار دولار سنويا في ظل السياسات الحالية، مع احتساب السنة المالية لا السنة العادية، وهو ما يشكل ارتفاعا غير مسبوق في الإيرادات.

وأشارت الوكالة الى أن الإيرادات الجمركية باتت رابع أكبر مصدر للدخل الاتحادي، مسهمة بنحو 5 في المئة من الإيرادات الحكومية الإجمالية، بعدما كانت لا تتجاوز 2 في المئة في السابق.

رويترز
وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت بجانب الممثل التجاري الأميركي جيميسون غرير، في مؤتمر صحافي لإعلان اتفاق خفض الرسوم الجمركية بين الصين والولايات المتحدة، جنيف، 12 مايو 2025

وشهدت العلاقات بين الرئيس الأميركي ونظيره الصيني تحركات متوازنة مهمة منذ أكثر من شهر، مما دفع بالعلاقات إلى أفق واعد وإيجابي. وكتب ترمب على منصته "تروث سوشال": "علاقاتنا قوية مع الصين"، في حين قبل دعوة الرئيس الصيني شي جين بينغ لزيارة بكين في أبريل/نيسان المقبل، على أن يزور شي واشنطن في وقت لاحق من عام 2026.

وكانت تايوان جزءا من المحادثات بين الطرفين، حيث اتفقا على خفض الرسوم الجمركية على الصين بنسبة 10 في المئة لتصبح 47 في المئة، في مقابل التزامات صينية تتعلق بالتدقيق في صادرات عقار الفنتانيل، وتخفيف ضوابط تصدير المعادن النادرة إلى الولايات المتحدة، وشراء ما لا يقل عن 12 مليون طن من فول الصويا الأميركي لعام 2025، و25 مليون طن لعام 2026.

مراعاة الثقل التكنولوجي الصيني

لا شك أن الصين تحتل موقعا محوريا في خريطة ترمب الاقتصادية، ويرجع ذلك إلى سرعة نموها الاقتصادي بشكل قد يفوق سرعة ازدهار الاقتصاد الأميركي. ويقول ديبلوماسي بارز قريب من الإدارة الأميركية لـ"المجلة" إن الولايات المتحدة تعتمد بشكل كبير على الدول المصدرة لهذه الرقائق، خصوصا الصين وتايوان وكوريا الجنوبية، موضحا أن تايوان تحتل الصدارة عالميا بصناعة نحو 60 في المئة من مجموع الرقائق، تليها الصين بنسبة 20 في المئة، وكوريا الجنوبية بين 17 و20 في المئة، وأوروبا 9-10 في المئة، في حين تقتصر حصة الولايات المتحدة على 10 في المئة فقط. ولذلك، ترى الصين في السيطرة على تايوان هدفا اقتصاديا استراتيجيا، إذ إن فقدان الولايات المتحدة لسوق تايوان قد يهدد استقرار اقتصادها بشكل مباشر.

تقع فنزويلا في صلب تركيز ترمب على أميركا اللاتينية بوصفها خزانا للموارد الطبيعية الخام، وفنزويلا هي المحطة الأولى في هذا التوجه

ما وصلت اليه الأمور مع الصين حاليا، أن ترمب ليس في صدد فتح صراع، بل يواصل التفاوض معها، انطلاقا من اقتناع بأن أي حرب لن تكون في مصلحة بلاده. فعلى الرغم من التقدم الاقتصادي الأميركي على الصين، فإن اندلاع حرب بين الطرفين من شأنه أن ينعكس سلبا على الاقتصاد الأميركي. ومن هنا، يبرز حرص ترمب على تعزيز شبكة تحالفات إقليمية في آسيا، لافتا إلى أن ترمب زار آسيا، وحصل خلال جولته على تعهد من الرئيس الكوري الجنوبي باستثمارات بقيمة 350 مليار دولار في مجالات عدة في مقدمها الذكاء الاصطناعي وصناعة الرقائق.

رويترز
مبنى الاحتياطي الفيديرالي الأميركي، واشنطن 22 يوليو 2022

وفي موازاة تدفق الإنتاج الصيني إلى الأسواق الأميركية، تشهد أوروبا تصاعدا في حربها الاقتصادية مع الصين، في مؤشر إلى أن المواجهة التجارية باتت مستعرة على مستوى العالم. فقد كانت منظمة التجارة العالمية تصوغ المعايير والضوابط التجارية المتبعة في الاقتصاد العالمي، وتشرف عليها، أما الآن فلم تعد اللعبة الاقتصادية الدولية محكومة بأسس ثابتة، إذ بات كل طرف قوي يفرض القواعد التي تخدم مصالحه، في عالم يتجه أكثر فأكثر نحو التعددية القطبية اقتصاديا. وأسهم ترمب، من خلال رفع الرسوم الجمركية، في إرباك النظامين المالي والاقتصادي العالميين، مما أفضى إلى حالة من عدم الاستقرار، إذ أدت هذه الإجراءات إلى تعزيز اقتصادات في عينها، في مقابل إضعاف اقتصادات أخرى.

وتميزت "السنة الترمبية" بخلافه المرير مع رئيس الاحتياطي الفيديرالي جيروم باول، الذي لم ينفك عن مهاجمته، بشكل شبه أسبوعي، وممارسة شتى انواع الضغوط عليه لخفض الفائدة، ودعاه مرارا الى الاستقالة قبل نهاية ولايته. ولا شك ان الأشهر المقبلة ستظهر أكثر طبيعة الصراع مع رجل "الفيديرالي" الأول، لجهة ممارسة  السيطرة على إحدى أهم الوكالات الفيديرالية المستقلة القليلة المتبقية في الولايات المتحدة الأميركية.

للمزيد إقرأ: ترمب يخطط للسيطرة على الاحتياطي الفيديرالي… لا مجرد خفض الفائدة

ويقول خبراء اقتصاديون دوليون لـ"المجلة"، إن سياسات ترمب أدت الى عدم الاستقرار الاقتصادي، وإجبار العديد من الدول على القيام بتحالفات ضيقة بين مجموعة دول، في محاولة لتجاوز هذه المعضلة عبر تعديل سياساتها الاقتصادية. كما أدت إلى تحالفات مع مجموعة "بريكس"، في وقت تعمل فيه دول آسيوية على تنسيق سياساتها لحماية اقتصاداتها ومصالحها. أما دول الخليج التي وعدت بتبادل استثمارات مع الولايات المتحدة بمئات مليارات الدولارات، فقد اتجهت في موازاة ذلك إلى توسيع انفتاحها على الصين وغيرها من القوى الاقتصادية، تفاديا لربط اقتصاداتها بعلاقة أحادية مع واشنطن.

إطفاء الصراعات بالصفقات الاقتصادية

وكانت مقاربته جلية في ملف أوكرانيا. فالحل المطروح يندرج، وفق رؤية ترمب، في إطار حماية خطوط الاستثمار في هذا البلد، وضمان الوصول إلى موارده من المعادن النادرة. ويتم ذلك عبر تفاهم أميركي-روسي يقوم على معادلة تقاسم النفوذ: تحصل روسيا على جزء من الأرض، فيما تحصل واشنطن على المعادن والاستثمارات.

واختتم ترمب سنته الاقتصادية، باختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو ومحاكمته داخل الولايات المتحدة، وهو ما يندرج أيضا في إطار سعيه للاستفادة من الثروة النفطية الفنزويلية والمعادن الثمينة في الصناعات المتطورة والذكية. وتأتي فنزويلا في صلب تركيز ترمب على أميركا اللاتينية بوصفها خزانا للموارد الطبيعية الخام، وفنزويلا هي المحطة الأولى في هذا التوجه.

مع الانتخابات النصفية للكونغرس في نوفمبر 2026، يفترض أن يتبين ما إذا كان ترمب سيظل محافظا على قوته السياسية، أم أن اندفاعه سيُكبَح في فرض الضغوط لتحقيق خططه الاقتصادية، إضافة الى الحاجز الدستوري الذي يمنعه من الترشح لولاية ثالثة

حتى في الحل المطروح للتفاوض مع إيران، في شأن برنامجها النووي، فإن جزءا من الصفقة التي يريدها الأميركيون، الاستفادة من الثروات المعدنية الإيرانية، وفتح المجال أمام الاستثمار الاقتصادي للشركات الأميركية فيها.

سياسة خارجية "استثمارية" في غزة ولبنان

وفي اطار السياسة الخارجية، كان ارتباطها معلنا بشكل مباشر: الاقتصاد والاستثمارات، إذ عمل ترمب "على القطعة"، من دون عقيدة ثابتة. لكنه خلال ذلك، دفع في اتجاه فلسفة خاصة به، تبلورت من خلال نظرته إلى توظيف التسويات السياسية كمدخل لإطلاق مشاريع اقتصادية واسعة. فقد قام تصوره على إنشاء مناطق اقتصادية تحل محل المناطق المدمرة وبؤر الاشتباك، وهي فكرة سعى إلى تكريسها منذ إعلانه اقتراح "ريفييرا الشرق الأوسط" في الرابع من فبراير/شباط 2025.

وتجلى هذا التوجه أيضا في طرحه وقف إطلاق النار ورؤيته لإعادة تطوير قطاع غزة وتحويله إلى منطقة سياحية واقتصادية ضمن خطة تنموية أشمل، قبل أن يعود ويطرح الفكرة نفسها بصيغة مغايرة، لكن بالمفهوم ذاته، عند حديثه عن إعادة إعمار غزة في إطار خطة السلام التي جرى الاتفاق عليها في 29 سبتمبر/أيلول 2025. وعلى الرغم من أن الخطة تضم بنودا سياسية يجري العمل على تنفيذها ولم تطبق بعد بكامل تفاصيلها، فإن جوهرها يبقى تحويل المنطقة إلى مساحة مفتوحة للاستثمارات الأميركية، ولا سيما في مجالات الموارد المائية والنفطية وإعادة الإعمار في مختلف أوجهها.

أ.ف.ب.
حاويات الشحن مكدسة في ميناء شنغهاي، 7 نوفمبر 2025

وعلى خط مواز، طرح ترمب في ربيع عام 2025 فكرة إنشاء منطقة اقتصادية في جنوب لبنان على الحدود مع إسرائيل، قبل أن يعيد طرحها مجددا في سياق المفاوضات الجارية حاليا بين الطرفين، لتحل هذه المنطقة مكان المنطقة الأمنية التي تسعى إسرائيل إلى إقامتها لحفظ استقرارها والحد من التهديدات المرتبطة بـ"حزب الله".

يبقى السؤال، إلى أي مدى سيتمكن ترمب من ترجمة أفكاره الاقتصادية والاستثمارية إلى واقع مجز للخزينة الأميركية؟ لربما الجواب الأدق لن يتبلور تماما الا مع الانتخابات النصفية للكونغرس في نوفمبر/تشرين الثاني 2026، حيث يفترض أن يتبين ما إذا كان سيظل محافظا على قوته السياسية، أم أن اندفاعه في فرض الضغوط لتحقيق خططه الاقتصادية سيُكبَح، إضافة الى الحاجز الدستوري الذي يمنعه من الترشح لولاية ثالثة.

font change

مقالات ذات صلة