هل تُراجع الصين علاقتها بإيران في لحظة تصدع المعسكر الغربي؟https://www.majalla.com/node/329341/%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D8%A9/%D9%87%D9%84-%D8%AA%D9%8F%D8%B1%D8%A7%D8%AC%D8%B9-%D8%A7%D9%84%D8%B5%D9%8A%D9%86-%D8%B9%D9%84%D8%A7%D9%82%D8%AA%D9%87%D8%A7-%D8%A8%D8%A5%D9%8A%D8%B1%D8%A7%D9%86-%D9%81%D9%8A-%D9%84%D8%AD%D8%B8%D8%A9-%D8%AA%D8%B5%D8%AF%D8%B9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B9%D8%B3%D9%83%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%BA%D8%B1%D8%A8%D9%8A%D8%9F
بعد أيام من العملية العسكرية الخاطفة، التي أُوقف خلالها نيكولاس مادورو، بما أحدث تغييرا مبدئيا، وإن كان مؤجلا، في مسار فنزويلا السياسي، وجدت الصين نفسها مجددا أمام اختبار مألوف: كيف تحمي مصالحها في دول "صديقة" من دون الانزلاق إلى الدفاع عن أنظمتها أو دفع كلفة مواجهات لا تريدها.
هذا السؤال عاد بقوة مع اقتراب الرئيس الأميركي دونالد ترمب من إصدار أوامر بتوجيه ضربة عسكرية إلى إيران، قبل أن يتراجع في اللحظة الأخيرة، ويفتح نافذة دبلوماسية ضيقة، من دون أن يرفع "المسدس عن الطاولة". وبين فنزويلا وإيران، مرورا بسقوط نظام الأسد في سوريا في ديسمبر/كانون الأول 2024، يتكرّس نمط واحد، يضع بكين أمام معضلة متكررة: شركاء سياسيون بعيدون جغرافيا، قريبون تكتيكيا، لكن العلاقة معهم تبقى "معقّدة" وغير قابلة للتحول إلى تحالف.
فهذه الأنظمة ترتبط مع الصين، بشكل أو بآخر، بمقاربة أيديولوجية بحكم بعدها عن واشنطن، لكن التعامل الاقتصادي معها، الذي تفضله بكين، يبقى معقدا ومقيّدا بالعقوبات والفساد، وسوء الإدارة وغياب التنمية. ومع ذلك، تظل هذه الأنظمة قادرة على تأمين مكاسب متنوّعة لبكين، بينها ما هو مباشر مثل النفط الرخيص أو الموقع الجغرافي الاستراتيجي ضمن مبادرة "الحزام والطريق" وبينها ما هو غير مباشر في إطار موازنة العلاقة مع واشنطن.
ويثير استهداف ترمب لهذه الأنظمة تساؤلات مشروعة، حول موقف الصين، لا سيما في ظل الحديث عن تحركات أميركية منهجية، لإعادة رسم خريطة الطاقة العالمية، وتقليص نقاط ضعف الولايات المتحدة الاستراتيجية، بما في ذلك اعتمادها شبه الكامل على الصين في المعادن الحيوية، وسلاسل التوريد المرتبطة بها. غير أن النظرة الأشمل إلى سياسات ترمب، وخصوصا اشتباكه مع الحلفاء الغربيين بسبب قضية غرينلاند والتلويح المتكرر بضم كندا، واستخفافه بالقيمة الفعلية المضافة التي يقدمونها لواشنطن، إلى جانب محاولاته تحييد الصين وروسيا ضمن استراتيجيته للأمن القومي، تجعل الصين تمارس التريث والحذر في الرد على الضربات التي يتعرض لها "أصدقاؤها"، فيما تبحث في الوقت نفسه عن مواقع استثمار فرص استراتيجية، حيث يمكن أن تتحول الخسائر في منطقة إلى مكاسب في أخرى، لا سيما في ظل الزيارة المرتقبة للرئيس الأميركي إلى بكين، المرجّح أن تتم في أبريل/نيسان المقبل.
واشنطن تعتمد مقاربة الرجل القوي في إدارة السياسة الدولية غير أن الصينيين ببراغماتيتهم المعهودة سيراهنون على أن تتعثّر إدارة ترمب في أخطائها السياسية
كليمانس شاي
لا تحالفات
لفهم السلوك الصيني، لا بد من العودة إلى الأساس الذي يحكم السياسة الخارجية الصينية منذ تأسيس الجمهورية الشعبية. فالصين لا تُقيم تحالفات، ولا تبني سياستها الخارجية على منطق الاصطفاف، بل على إطار تعاملي مرن، تحكمه المصالح وحدود الالتزام. تستند هذه المقاربة إلى المبادئ الخمسة للتعايش السلمي، التي أقرت عام 1954، والقائمة على احترام السيادة، وعدم التدخل والمنفعة المتبادلة، وهي مبادئ سمحت لبكين بإقامة علاقات واسعة مع أنظمة متباينة من دون الانجرار إلى التزامات صلبة. ولاحقا، طوّر دنغ شياوبينغ مبدأ "تاو غوانغ يانغ هوي" أي "إخفاء القدرات وانتظار الوقت المناسب"، بوصفه دعوة إلى ترتيب الأولويات الاستراتيجية، والتركيز على تقوية الداخل، وتجنّب الصراعات التي لا تخدم التحديث، من دون التفريط بالمصالح الجوهرية.
هذا الإطار استمر حتى عهد شي جينبينغ، الذي لم يتخلَّ عن المبادئ التأسيسية، بل أعاد تأويلها بما يتناسب مع انتقال الصين إلى موقع أكثر مركزية في النظام الدولي. فـ "عدم التدخل" لم يعد حيادا سلبيا، بل أداة نفوذ ناعم تتيح توسيع الحضور الصيني في مناطق النزاع، من دون تحمّل كلفة التدخل المباشر. أما "تاو غوانغ يانغ هوي"، فانتقل في عهد شي من سياسة كمون لحماية الضعف، إلى استراتيجية لتنظيم القوة، وضبط توقيت إظهارها، وهو ما انعكس في دبلوماسية أكثر ثقة، من بحر الصين الجنوبي إلى تايوان، دون مواجهة مفتوحة.
وفي هذا السياق، أدخل شي نظاما شبه رسمي لتصنيف الشراكات يميّز بين مستويات العلاقة من دون التحول إلى تحالف. فمُنحت باكستان تصنيف "الشراكة التعاونية الاستراتيجية في كل الظروف"، بما يكرّس التزاما سياسيا طويل الأمد دون تحالف عسكري، فيما وُصفت العلاقة مع روسيا بأنها "شراكة استراتيجية شاملة بلا حدود"، ذات دلالة سياسية عالية لكنها غير ملزمة دفاعيا.
نائب وزير الدفاع الإيراني، ماجد إبن رضا والملحق العسكري الصيني السابق لدى الولايات المتحدة، تشانغ لي، بعد إلقاء كلمة خلال جلسة عامة لمنتدى شيانغشان في بكين، 19 سبتمبر2025
أما إيران، فقد رُفعت علاقتها مع الصين إلى مستوى "الشراكة الاستراتيجية الشاملة" عام 2016، قبل توقيع اتفاق التعاون طويل الأمد عام 2021. وهو تصنيف مرتفع دبلوماسيا، لكنه يظل دون العلاقات الاستثنائية، ولا يعني اصطفافا استراتيجيا أو التزاما صينيا بالدفاع عنها. ولتوضيح حدوده، يكفي التذكير بأن الهند، رغم خلافاتها الحدودية العميقة مع الصين، ومشاركتها في أطر مناوئة لبكين مثل "الرباعية"، تقع ضمن التصنيف نفسه. ومن هنا قد يبدو نظام الجمهورية الإسلامية في إيران، قريبا من بكين سياسيا، إلا أن طبيعة العلاقة معها، وخصوصا على المستوى المؤسسي، لا تختلف جوهريا عن علاقة الصين مع دول أخرى.
إيران "كاسرة الأمواج"
وهذا لا يعني أن العلاقة بين الصين وإيران هامشية أو ثانوية، ويمكن الاستغناء عنها من دون كلفة، فإيران عضو في مجموعة "بريكس"، والمبادلات النفطية بين البلدين تتراوح بين 12 إلى 14 في المئة من إجمالي واردات الصين من النفط. ويُضاف إلى ذلك موقعها الجغرافي على الضفة الشرقية للخليج، وتحكمها بمضيق هرمز، وهو ما يجعلها عنصرا أساسيا ليس فقط في صادرات الصين النفطية، بل في سلامة تدفقات الطاقة من دول الخليج الأخرى، التي تعتمد عليها بكين بشكل متزايد.
وعلى المستوى السياسي، لعبت إيران خصوصا قبل أحداث 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 دورا مؤثرا في شبكات النفوذ الإقليمي في العراق وسورية ولبنان واليمن، وتُعدّ الطرف القائد لما كان يُعرف بـ"محور المقاومة"، الذي شكّل في مرحلة معينة ميزانا مضادا للنفوذ الأميركي والغربي في الشرق الأوسط، الأمر الذي سمح للصين بموازنة حضورها ونفوذها في المنطقة من دون الانخراط المباشر في صراعاتها.
الأهم من ذلك أن إيران، بخلاف سورية وفنزويلا، أثبتت قدرة واضحة على البراغماتية السياسية، والتكيّف مع الضغوط الخارجية. فعلى الرغم من الدور المركزي للمرشد، لا يقوم النظام الإيراني على "رجل واحد"، بل على بنية مؤسسية متعددة المستويات، مكّنته من الاستمرار والصمود في مواجهة العقوبات والتهديدات على مدى عقود. هذه القدرة على الاستمرارية، تجعلها في نظر بكين شريكا قابلا للتعامل معه وفق المعايير الصينية.
وفي هذا السياق، يشير الكاتب والباحث الصيني تشاو تشي جيون لـ"المجلة" إن إيران تحتل موقعا استراتيجيا حاسما في مبادرة "الحزام والطريق" الصينية، إذ تُعتبر حلقة الوصل بين آسيا وأوروبا وأفريقيا، وإن خسارتها تعني قطع الشريان البري الرئيس المؤدي إلى أوروبا والشرق الأوسط، مما يُبطل فعالية ممرات أمن الطاقة المصممة للالتفاف على "مضيق ملقا" الذي تسيطر عليه الولايات المتحدة.
من جهة أخرى، يقول تشاو: "إن إيران بوصفها القوة المناهضة لأميركا في الشرق الأوسط، استنزفت الموارد الاستراتيجية الأميركية لفترة طويلة، مما خفف بشكل موضوعي الضغوط على الصين في منطقة آسيا والمحيط الهادئ. وفي حال سقط النظام الإيراني أو مال نحو الغرب، سيختفي هذا الحاجز الاستراتيجي، مما سيجبر الصين على مواجهة الحصار الغربي الشامل بمفردها".
ويلفت إلى أن إيران تعد ساحة اختبار حيوية لتدويل العملة الصينية "اليوان"، حيث تساهم تسوية تجارة النفط بـ "اليوان" بشكل مباشر في مساعدة الصين على بناء نظام مالي مستقل عن هيمنة الدولار.
على صعيد الأمن الجيوسياسي، يقول تشاو إن إيران لا تُعد مجرد "كاسر أمواج" يمنع تسلل التطرف نحو منطقة "شينجيانغ" الصينية فحسب، بل هي أيضا مفتاح لقطع الطريق أمام النفوذ الهندي الساعي لدخول آسيا الوسطى، وتقويض الاستراتيجية الصينية. وإذا انهار النظام الحالي في طهران، فإن القوى الأميركية والإسرائيلية والهندية ستسارع لملء الفراغ.
إيران لا تُعد مجرد "كاسر أمواج" يمنع تسلل التطرف نحو "شينجيانغ" فحسب بل مفتاح لقطع الطريق أمام الهند إلى آسيا الوسطى
تشاو شي جيون
كيف سترد الصين؟
وبين فلسفة السياسة الخارجية الصينية القائمة على البراغماتية وضبط الانخراط، ومحدودية العلاقة المؤسسية من جهة، وبين المخاطر الاقتصادية والجيوسياسية التي قد تترتب على أي هجوم أميركي على إيران، سواء بهدف إسقاط نظامها أو إضعافه لفرض شروط سياسية قاسية عليها من جهة أخرى، ستلجأ الصين إلى حسابات دقيقة، وحذر شديد في تصميم ردّها الدبلوماسي. ومن المرجّح أن يقوم هذا الرد على دعم الحكومة الإيرانية سياسيا ودبلوماسيا، مع إدانة أي لجوء إلى القوة أو مساس بسيادة إيران، وربما طرح مبادرة للوساطة الدبلوماسية، بالتوازي مع اتخاذ إجراءات عملية لحماية المصالح الحيوية الصينية.
في هذا السياق، يقول تانغ تشي تشاو، وهو باحث أول في "معهد دراسات غرب آسيا وأفريقيا"، ومدير قسم الدراسات السياسية في "الأكاديمية الصينية للعلوم الاجتماعية"، ونائب رئيس وأمين عام "الجمعية الصينية لدراسات الشرق الأوسط"، أنه "كما في فنزويلا كذلك في إيران، يبقى موقف الصين ثابتا، فهي تدعو إلى احترام القانون الدولي، وتعارض التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، وترفض الهيمنة وسياسة القوة، وتتمسك بالعدالة الدولية. وفي الوقت نفسه، فإن الصين ستحمي مصالحها الخاصة بحزم".
ويشير تانغ الى أن "إجراءات الولايات المتحدة لا تنتهك فقط سيادة فنزويلا وإيران، بل تؤثر أيضا على مصالح الصين"، ويصف محاولات الولايات المتحدة "احتواء تطور الصين في نصف الكرة الغربي، وتقييد تعاونها مع دول الشرق الأوسط" بأنه "جهود غير قانونية ولا معقولة، ولن ترضخ أي دولة ببساطة للأوامر الأميركية".
سفينة عسكرية روسية خلال مناورات مشتركة إيرانية روسية صينية في خليج عُمان، في 12 مارس 2025
أما الباحث والكاتب تشاو فيرجح أن تتبنى الصين سياسة "ضخ الدماء الاقتصادية لحماية النظام"، مشيرا إلى أن أي رد صيني في إيران سيخضع لثلاثة قيود رئيسة: المشهد السياسي الداخلي في إيران، والتكاليف الدبلوماسية الجيوسياسية، والواقع العسكري التقني.
ويتحدث شاو عن تفاوت في مستوى "الثقة الاستراتيجية المتبادلة"، حيث يدرك صناع القرار في بكين وجود تيار قوي من "الموالين للغرب" داخل إيران، وأن استراتيجية طهران في "التوجه شرقا" غالبا ما تكون خيارا اضطراريا فرضته العقوبات الغربية.
ويقول شاو إن الصين تعي تماما أنه بمجرد حدوث أي انفراج في العلاقات الأميركية الإيرانية، قد تعدل طهران مسارها الدبلوماسي. ولهذا، لن تخاطر بدخول صراع عسكري مباشر مع الولايات المتحدة، من أجل شريك يتأرجح جيوسياسيا ويفتقر إلى الولاء المطلق.
ويعتبر أن "الخسائر الجانبية" في الدبلوماسية الجيوسياسية ثمنا لا تستطيع الصين تحمله، إذ تكمن المصالح الجوهرية للصين في الشرق الأوسط في الحفاظ على علاقات متوازنة، مع دول الخليج وإسرائيل، موضحا أن أي دعم عسكري راديكالي لإيران في هذا التوقيت، سيؤدي حتما إلى تحول إسرائيل لمعاداة الصين "ما سيقطع قنوات تعاون حيوية في مجال التكنولوجيا الفائقة"، وفي الوقت نفسه، سيثير مخاوف السعودية مما يهدد أسس "التحالف الصيني السعودي في الطاقة والمال"، وبالتالي حسب رأيه فإن "خسارة العالم العربي الرئيس وإسرائيل من أجل الحفاظ على إيران وحدها تُعد صفقة خاسرة بلا شك في الحسابات الاستراتيجية".
إيران لا تُعد مجرد "كاسر أمواج" يمنع تسلل التطرف نحو "شينجيانغ" فحسب بل مفتاح لقطع الطريق أمام الهند إلى آسيا الوسطى
تشاو شي جيون
في الوقت نفسه حتى ولو فكرت الصين في تقديم أي دعم عسكري "إسعافي" لطهران، فإن وجود "حواجز في النظم العسكرية"، وفق شاو يحول دون أن يكون لذلك أي جدوى. ويقارن في هذا السياق بين عقود من التكامل العميق بين الجيشين الصيني والباكستاني في التسليح، وسلاسل القيادة، والفكر التكتيكي التي أوجدت قدرات فعالة للجيش الباكستاني، وبين الترسانة المختلطة والمعقدة للجيش الإيراني، مستنتجا أن تزويده بأسلحة صينية متطورة على المدى القصير، لن يخلق قدرة قتالية فورية، بل على العكس، في ظل غياب التدريب المناسب وتوافق وصلات البيانات والاندماج التكتيكي، قد تتحول هذه الأسلحة إلى أهداف سهلة، مما يضر بسمعة الصناعات العسكرية الصينية.
أما كليمانس شاي، الباحث الأول في مؤسسة "أوبزرفر لأبحاث الشرق الأوسط"، فيشير إلى أن العلاقة الصينية–الإيرانية غير متكافئة لمصلحة الصين، ويقلل من تأثير أي تغيير في النظام في طهران على إمدادات النفط الإيرانية، إذ عملت بكين على تنويع وارداتها من الطاقة على المديين المتوسط والطويل، كما أن "الصين ستكون على الأرجح مستعدة للتعامل مع قيادة بديلة في طهران"، فيما يخص قطاع الطاقة.
جدارية مناهضة للولايات المتحدة على مبنى في طهران، إيران،24 يناير2026
من ناحية أخرى يقول شاي لـ "المجلة" إنه "من الواضح أن واشنطن تعتمد مقاربة الرجل القوي في إدارة السياسة الدولية، غير أن الصينيين، ببراغماتيتهم المعهودة، سيراهنون على أن تتعثّر إدارة ترمب في أخطائها السياسية. ونحن نشهد بالفعل تحولات جيوسياسية لافتة، من بينها انفتاح كندا على الصين، وتوقيع الاتحاد الأوروبي اتفاقية تجارة حرة مع تكتل "ميركوسور"، وهي خطوات جاءت في سياق ردود الفعل على النهج الإكراهي الذي تتبعه واشنطن لفرض الانصياع على الدول"، مضيفا أن "التكتلات الإقليمية والدول منفردة تعيد اليوم حساباتها في سياساتها الخارجية، انطلاقا من مصالحها الوطنية، وفي بعض الحالات تفتح قنوات جديدة مع خصوم سابقين، مثل الهند والصين.
وشكّل "منتدى دافوس" هذا العام، الذي هيمنت عليه فوضى غرينلاند ومساعي الرئيس الأميركي لاستبدال الأمم المتحدة بـ "مجلس سلام" يقوده منفردا، منصة لاعتراض غربي واضح على سياسات ترمب. ودعا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، في كلمته أمام المنتدى، إلى زيادة الاستثمارات الصينية في القطاعات الحيوية الأوروبية، محذرا مما وصفه بـ"عودة الطموحات الإمبريالية". وعلى المنبر نفسه، بدت كلمة رئيس الوزراء الكندي مارك كارني أقرب إلى خطاب رئيس دولة من الجنوب العالمي، إذ اتهم الولايات المتحدة، من دون تسميتها، باستخدام التكامل الاقتصادي والرسوم والقدرات المالية كسلاح سياسي لفرض إرادتها، داعيا إلى الاستقلال الاستراتيجي، وبناء تحالفات بين القوى المتوسطة.
ومع تعثر مخططاته النفطية في فنزويلا لأسباب سياسية وتقنية، خفض ترمب سقف تهديداته في إيران كما في غرينلاند، تاركا الباب مفتوحا للعودة إليها لاحقا، غير أن الشرخ داخل المعسكر الغربي يبدو أنه بلغ مرحلة يصعب ترميمها سريعا، وهو ما تنظر إليه الصين، بوصفه فرصة موضوعية، تدفعها إلى تعميق حذرها الاستراتيجي في التعامل مع مسلسل تساقط الحلفاء، وتفضيل إدارة الخسائر واصطياد الفرص.