ما آفاق الاقتصاد العالمي بين التحولات السياسية والتكنولوجية والديموغرافية؟

النظام الدولي يمر بمأزق ويعاني من فقدان القيادة الحكيمة والتوافق

.أ.ب
.أ.ب
الرئيس الأميركي دونالد ترمب في اجتماع مع الرئيس الصيني شي جينبينغ، في بوسان، كوريا الجنوبية 30 أكتوبر 2025

ما آفاق الاقتصاد العالمي بين التحولات السياسية والتكنولوجية والديموغرافية؟

تمثل الدروس المستفادة من المتغيرات السياسية والاقتصادية على كل المستويات وفي مختلف الدول خلال العام المنصرم، ما يوازي سيرورة أحداث عقد من الزمن أو أكثر. وهذا ما تؤكده قراءات العديد من الباحثين في العلوم الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، من تحولات ميادين الاتصال والإعلام والتكنولوجيا، الى عمليات الانتاج وأسواق العمل، التي لم تكن كلها نتاج متغيرات عام واحد بل هي استمرار وتتويج لما حدث في أعوام سابقة.

يسير العالم الآن نحو أوضاع اجتماعية واقتصادية لم تكن مألوفة في خمسينات أو ستينات القرن الماضي. ولا بد أن تؤدي هذه المتغيرات إلى أنظمة سياسية مختلفة عما كان سائدا في سنوات وعقود ماضية، وسيكون لها التأثير الأقوى في الاقتصاد. فقد تحولت عمليات الانتاج بفعل التكنولوجيا بعيدا من المسارات التقليدية، ويؤدي توظيف الذكاء الاصطناعي إلى الاستغناء عن وظائف في أعمال الانتاج الصناعي والزراعي، في وقت تتسارع نشاطات الخدمات وتتمكن من الطغيان في مساهمتها في الناتج المجلي الاجمالي في مختلف الدول الصناعية المتقدمة، وهي تستوعب غالبية القوى العاملة في سوق العمل.

ومن الطبيعي أن يؤثر ذلك على أنظمة التعليم وتطويعه لكي يوفر العمالة المواتية. وقد عززت تحولات الاقتصاد دور دول صناعية على حساب دول صناعية تقليدية أخرى.

عند احتساب معدل دخل الفرد السنوي نجد أنه يبلغ 89,600 دولار في الولايات المتحدة بينما لا يتعدى 13,800 دولار في الصين، ويرتفع إلى ما نحو 60,000 دولار في ألمانيا ولا يزيد على 2,800 دولار في الهند

ويؤكد تقدم الصين وبلوغها المركز الثاني بعد الولايات المتحدة في الناتج المحلي الإجمالي، حجم هذه التحولات وآثارها العميقة.

الاقتصاد مابين الناتج ودخل الفرد

أصبحت الصين ثاني أكبر المساهمين في الناتج العالمي الاجمالي، ويقدر انتاجها السنوي في عام 2025 بـ 19.4 تريليون دولار، بعد الولايات المتحدة الأميركية التي لا تزال في القمة، حيث يقدر انتاجها المحلي الاجمالي بـ 30.6 تريليون دولار. تأتي بعدهما المانيا واليابان والهند. لكن هذه النتائج يجب التحوط لها لدى محاولة فهمها. فعند احتساب معدل دخل الفرد السنوي، نجد أنه يبلغ 89,600 دولار في الولايات المتحدة بينما لا يتعدى 13,800 دولار في الصين، ويرتفع إلى ما يقارب 60,000 دولار في ألمانيا و34,700 دولار في اليابان، ولا يزيد على 2,800 دولار في الهند. إذن، هناك تفاوت في مستويات الدخل والقدرات الاستهلاكية.

.أ.ف.ب
تراجع بورصة نيويورك على وقع تهديدات الرئيس دونالد ترمب بضرب إيران، في 14 يناير 2026

يضاف إلى ذلك، أن الصين لا تزال تعتمد على التصدير لجني الايرادات السيادية، في حين يعجز الاستهلاك الوطني عن مضاهاة مستويات الاستهلاك الشخصي والعائلي في الولايات المتحدة أو اليابان أو الدول الأوروبية الرئيسة. لا شك أن الصين، وقبل ذلك اليابان وكوريا الجنوبية ، تمكنت من إحراز تقدم كبير في حيازة الميزات النسبية في الصناعات التحويلية، في حين فقدت الولايات المتحدة وعدد آخر من البلدان الصناعية الأوروبية تلك الميزات منذ زمن طويل. لذلك، فإن البلدان الصناعية الغربية باتت تعتمد على استيراد السلع الأساس والبضائع المعمرة من الصين وعدد آخر من البلدان الآسيوية.

تحديات ديموغرافية محتملة

يشكو الكثير من الدول الصناعية منذ سنوات عدة، كما برزت شكاوى اضافية في العام المنصرم، من تراجع معدلات النمو السكاني وانخفاض معدلات الخصوبة التي باتت لا تلبي متطلبات التعويض السكاني، أي معدل 2.1 مولود لكل امرأة في سن الانجاب. غني عن البيان أن هذه الأوضاع الديموغرافية التي رفعت نسبة كبار السن، 65 عاما وأكثر، نتجت من متغيرات في الحياة الاقتصادية التي حفزت مفاهيم وقيما اجتماعية، خصوصا في المناطق الحضرية التي باتت تستوعب النسبة الكبيرة من سكان البلدان المتقدمة، وإلى درجة ما الدول النامية. الصين التي تبنت في عهد ماوتسي تونغ في ستينات وسبعينات القرن الماضي سياسة تنظيم الأسرة واعتمدت الطفل الواحد للأسرة، أصبحت تعاني من تراجع النمو السكاني. لذا تبنت في السنوات الأخيرة سياسات تحفز الزواج والانجاب. لا يقتصر الأمر على الصين التي يبلغ عدد سكانها في الوقت الحاضر 1.4 مليار نسمة، لكن يشمل دولا أساسية مثل الولايات المتحدة والعديد من البلدان الأوروبية، إن لم يكن كلها، واليابان وكوريا الجنوبية وبلدان عديدة في أميركا اللاتينية.

ليس هناك من استشراف واقعي لكيفية التوازن بين دور الانسان ودور الآلة، ولا بد أن هناك امكانات للتوافق بين الطرفين بعد استتباب الثورة الصناعية الرابعة وبروز أهمية الذكاء الاصطناعي

لا يزال العالم مكتظا بالسكان، حيث يقدر عددهم بـ 8.2 مليارات نسمة في عام 2025، مما يؤثر على الموارد الطبيعية وعلى البيئة ويخلق العديد من المشاكل الاقتصادية والاجتماعية مثل الاكتظاظ والزحام ومعضلات السكن في المدن والأرياف. بيد أن تباطؤ النمو السكاني قد يخلق مشكلات في سوق العمل. فالولايات المتحدة التي انتهجت في عهد الرئيس دونالد ترمب سياسات مناهضة للهجرة، تواجه عجزا في العمالة غير الماهرة، خصوصا في القطاع الزراعي وقطاع الفنادق والمطاعم والعديد من الأنشطة الخدمية التي اعتمدت لسنوات طويلة على العمالة الوافدة من دول أميركا اللاتينية والتي كانت تقبل بأجور ورواتب متواضعة. كذلك الحال في اليابان التي لم تتبن في تاريخها المعاصر أي سياسات مرحبة بالمهاجرين، ولكنها تعاني الآن من انخفاض في التدفق إلى سوق العمل، وشيخوخة السكان.

التوازن بين دور الانسان ودور الآلة

من جهة أخرى، يطرح البعض تساؤلا مشروعا، وهو هل هناك حاجة للمزيد من السكان، ومن ثم للعاملين الجدد في ظل التحولات المتسارعة، خصوصا مع انتشار تطبيقات الذكاء الصناعي واستخداماتها في أنشطة قطاع الصناعات التحويلية، والاتصالات والاعلام؟

Shutterstock
مشاة عند معبر شيبويا في طوكيو، اليابان، حيث يعبر أكثر من 2.5 مليون شخص يوميا.

لا يزال عدم اليقين مهيمنا على دوائر الفكر والبحوث، وليس هناك من استشراف واقعي لكيفية التوازن بين دور الانسان ودور الآلة، ولا بد أن هناك امكانات للتوافق بين الطرفين بعد استتباب الثورة الصناعية الرابعة وبروز أهمية الذكاء الاصطناعي.

البيئة والطاقة

خلال الربع الأول من القرن الحادي والعشرين، أولت الدول الصناعية اهتماما متزايدا بمسائل البيئة وضرورة السيطرة على مظاهر الاحتباس الحراري. طغت المخاوف من أخطار ارتفاع درجات الحرارة، وهو ما أكدته موجات الحر في بلدان كانت معروفة سابقا بشدة البرودة واعتدال المناخ في شهور الصيف. كما أن الفيضانات التي ضربت العديد من الدول وأدت إلى خسائر مادية وبشرية، أكدت لكثير من العلماء أن التغير المناخي ناتج من السلوكيات البشرية، بما في ذلك تزايد أعداد المصانع التي تعتمد على الوقود الأحفوري، وزيادة عدد المركبات ووسائط النقل الأخرى المعتمدة على مشتقات النفط والفحم.

استراتيجيات وسياسات الولايات المتحدة وعلاقاتها مع العالم، الحلفاء والخصوم، قد أصبحت ضبابية وغير مستقرة. وتأكد خلال عام 2025 ومنذ بداية الولاية الثانية لترمب بأن العالم يمر بمأزق

لكن يبقى التساؤل: هل يمكن الاستغناء عن الوقود الأحفوري؟ وهل ستكفي بدائل الطاقة النظيفة والمتجددة لتلبية احتياجات الاستهلاك العالمي؟

إن الاهتمامات الرامية إلى بيئة نظيفة خالية من التلوث وانبعاثات الكربون، تمثل تحديا مزدوجا للمستهلكين ولمنتجي النفط والغاز الطبيعي، وتؤكد ضرورة التعاون والتفاعل بين جميع الأطراف، كما أبرزت ذلك المؤتمرات واللقاءات الدولية خلال السنوات الماضية.

رويترز
سفن ضخمة لنقل النفط الفنزويلي المفروضة عليه عقوبات أميركية، بالقرب من مدينة بويرتو كابيللو الفنزويلية، 29 ديسمبر 2025

أما الدول المنتجة للنفط، فتواجه تحديا كبيرا يتمثل في ضرورة اعتماد تقنيات إزالة الكربون من نفوطها (Decarbonization)، وهي تقنيات قد تكون مكلفة، ويستلزم التأكد من جدواها الاقتصادية في ظل أوضاع أسواق النفط الراهنة.

تقلبات السياسات الأميركية الراهنة

مثّل وصول الرئيس ترمب أهم التحديات للأوضاع الاقتصادية والسياسية في العالم. عندما يقرر رفع الرسوم الجمركية على السلع والبضائع المستوردة إلى الولايات المتحدة، فذلك يعني أن الدول الصناعية الأخرى مثل الصين واليابان وكوريا الجنوبية وألمانيا، والعديد من الدول الأوروبية، ستواجه تراجعا قي صادراتها إلى أكبر سوق استهلاكية في العالم. كما أن ذلك يعني أن اقتصاديات العولمة التي رست منذ ثمانينات القرن الماضي، أصبحت غير ذات أهمية في التجارة الدولية. يضاف إلى ذلك، أن استراتيجيات وسياسات الولايات المتحدة وعلاقاتها مع العالم، الحلفاء والخصوم، قد أصبحت ضبابية وغير مستقرة. وتأكد خلال عام 2025 ومنذ بداية الولاية الثانية لترمب، بأن العالم يمر بمأزق ويعاني من فقدان القيادة الحكيمة والتوافق.

font change

مقالات ذات صلة