الغرب وأوكرانيا يُغرقان "أسطول الظل" الروسي

ويستنزفان معه إيرادات موسكو النفطية

(أ.ف.ب)
(أ.ف.ب)
صورة غير مؤرخة وزعتها القيادة الأوروبية-الأميركية تظهر مصادرة ناقلة النفط "بيلا-1" في شمال المحيط الأطلسي، بعد مطاردة استمرت أسابيع بسبب انتهاك العقوبات

الغرب وأوكرانيا يُغرقان "أسطول الظل" الروسي

في 22 يناير/كانون الثاني، كانت "ذا غرينتش" تبحر في المياه الدولية قبالة سواحل إسبانيا، حين حلقت مروحيتان تابعتان للبحرية الفرنسية فوقها. اقتحم الجنود المقصورة، وفتشوا السفينة، ووجهوها إلى ميناء قريب من مرسيليا، حيث ترسو الآن تحت حراسة مشددة.

كانت السفينة "ذا غرينتش" خاضعة للعقوبات، فلجأت إلى رفع علم مزيف لجزر القمر، بينما كانت تحمل على متنها نحو 730 ألف برميل من النفط الروسي. وتعد واحدة من خمس سفن مراوغة على الأقل نجح الغرب في الإيقاع بها خلال هذا الشهر.

بدأت إيران بتجميع هذا الأسطول خلال العقد الثاني من الألفية، وهو أسطول غير منظم مخصص لنقل النفط الخاضع للحظر الغربي. ومنذ منتصف عام 2022 تضاعف حجمه مرات عدة، ليضم اليوم نحو 700 سفينة، معظمها قديم، تديرها شركات وهمية تُخفي هوية المالك الحقيقي. وقد يرتفع العدد إلى نحو 1500 سفينة إذا أُخذت في الحسبان تلك التي تنقل بين الحين والآخر شحنات نفط خام مشبوهة.

إيران بدأت بتجميع هذا الأسطول من السفن وهو مخصص لنقل النفط الخاضع للحظر الغربي

وتلجأ كثير من هذه السفن إلى تزوير مواقعها بصورة منتظمة، وتغيير أسمائها وألوانها، فضلا عن نقل حمولاتها سرا إلى سفن أخرى في مناطق بحرية ضعيفة التنظيم.

وعلى الرغم من موجات العقوبات المتلاحقة، واصلت الناقلات شق طريقها، ما أتاح لإيران وروسيا، التي باتت اليوم أكبر مستخدم لهذه الشبكة، شحن النفط الخام إلى الصين والهند. وفي مطلع عام 2025، ساعدت أيضا نظام فنزويلا عندما سحب ترمب رخصة كانت تسمح للبلاد بتصدير جزء من نفطها قبل أن يُعاد إصدارها لاحقا. وفي ديسمبر، نقلت هذه السفن نحو خمسة ملايين برميل يوميا من الخام الخاضع للحظر، أي ما يعادل 11 في المئة من تدفقات الشحن البحري العالمية، بحسب شركة البيانات "كبلر". وترى ميشيل بوكمَن من شركة "ويندوارد" للاستخبارات البحرية أن واحدة من كل خمس ناقلات تتاجر دوليا باتت "مظلمة".

(أ.ف.ب)
ناقلة النفط "غرينتش"، المشتبه بانتمائها إلى "أسطول الظل" الروسي، قبالة سواحل مارتيغ قرب ميناء مرسيليا-فوس، تحت مراقبة البحرية الفرنسية، بعد اعتراضها في المياه الدولية بالبحر المتوسط في يناير 2026

غير أن هذا الأسطول بات اليوم تحت ضغط متزايد. فقد بدأت دول غربية إدراج السفن على القوائم السوداء بشكل جماعي، فيما فرضت الولايات المتحدة عقوبات "ثانوية" على شركات النفط في إيران وروسيا، ما يحد من شهية المشترين. وفي موازاة ذلك، تُشدد الرقابة على سجلات الأعلام، وتواجه السفن المشبوهة خطر منعها من عبور الممرات المائية الحيوية، وهو ما يهدد بتعطيل الشبكة برمتها. كما أصبحت الناقلات "المظلمة" هدفا لهجمات أوكرانية ولمداهمات عسكرية غربية، كما كشفت قضية "ذا غرينتش". ومن بحر البلطيق إلى الكاريبي، تتعرض السفن المرتبطة بأنظمة منبوذة لملاحقات متزايدة.

دول غربية أدرجت السفن على القوائم السوداء، وللحد من شهية المشترين فرضت واشنطن عقوبات "ثانوية" على شركات النفط في إيران وروسيا

ولكن، يبقى السؤال المطروح: هل يقترب هذا الأسطول من نهايته؟

بدأت المواجهة بالعقوبات. فبعد الإخفاق في تعطيل وسطاء التجارة الذين يختبئون خلف شركات وهمية يسهل استبدالها، وجهت الدول الغربية تركيزها نحو الناقلات نفسها. ففي مطلع عام 2025 أُضيفت 623 سفينة دفعة واحدة إلى قوائم العقوبات، مقارنة بـ225 سفينة فقط في عام 2024. وأصبحت نحو 40 في المئة من السفن التي نقلت النفط الروسي خلال العام الماضي مدرجة الآن على القوائم السوداء لدى حكومة واحدة على الأقل، بينما تبلغ النسبة في حالة إيران قرابة الثلثين.

ومع إغلاق قنوات الالتفاف على العقوبات، يرجح أن تدخل مزيد من الناقلات ضمن دائرة الاستهداف. ففي أكتوبر/تشرين الأول فرضت الولايات المتحدة عقوبات ثانوية على أكبر شركتين نفطيتين روسيتين. وبالاقتران مع التدابير الأقدم، أصبحت الناقلات التي تحمل نحو 80 في المئة من البراميل التي تصدرها روسيا معرضة لعقوبات محتملة، ما يحرمها من شهادات المطابقة والتأمين والتعامل المصرفي مع المؤسسات الملتزمة بالعقوبات.

(أ.ف.ب)
الناقلة "غرينتش" قبالة الساحل الجنوبي لفرنسا، بعد احتجاز قبطانها الهندي للاشتباه بخرق العقوبات وعدم رفع السفينة أي علم، إثر مصادرتها من قبل البحرية الفرنسية

كما أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب فرض "تعريفة ثانوية" على الدول التي تتعامل تجاريا مع إيران. وفي 21 يناير/كانون الثاني، قرر الاتحاد الأوروبي حظر جميع واردات المنتجات المشتقة من النفط الروسي، ما أوقف تدفق منتجات قادمة من تركيا والهند والصين إلى الأسواق الأوروبية عندما تكون مكررة من خام روسي. وقد تتضمن حزمة العقوبات المقبلة، المقررة في فبراير/شباط، منع شركات التأمين في الاتحاد الأوروبي من تغطية الناقلات التي تنقل نفطا روسياً، إذ يُسمح لها حاليا بذلك فقط في حال بيع الوقود دون سقف سعري محدد.

مع إغلاق قنوات الالتفاف على العقوبات، يرجح أن تدخل مزيد من الناقلات ضمن دائرة الاستهداف

بعد إدراجها على القوائم السوداء، اضطرت السفن إلى سلوك مسارات أطول لتفادي التفتيش، وإلى نقل حمولاتها مرات متعددة لإخفاء مصدر الشحنات. ومع تزايد حذر المشترين والموانئ من خرق العقوبات، بلغ حجم النفط الروسي والإيراني العالق في عرض البحر، وكثير منه قبالة السواحل الصينية، مستويات قياسية. وتقدر "كبلر" أن إنتاجية الناقلات، المقاسة بما يُعرف بـ"طن-ميل"، تنخفض بنحو 30 في المئة خلال الأشهر الستة التي تلي إدراج السفينة على قائمة أوروبية سوداء، وترتفع الخسارة إلى 70 في المئة عند إدراجها على قائمة أميركية. ويعني هذا التراجع الحاجة إلى عدد أكبر من السفن، في وقت تؤدي فيه محدودية العرض إلى ارتفاع الأسعار. إذ تُظهر بيانات صفقات حديثة جمعها فريق الأبحاث في مركز الدراسات الدفاعية المتقدمة، واطلعت عليها "ذي اكونوميست"، أن ناقلات الظل المتقادمة تُباع بأسعار أعلى عند إعادة بيعها، على خلاف ما يحدث عادة.

وتفاقم جهود الغرب الرامية إلى تجريد السفن المدرجة من أعلامها أثر العقوبات. فالقانون البحري الدولي يلزم كل سفينة بالتسجيل لدى دولة ما، كما يشترط وجود علم معترف به لدخول الموانئ والإبحار في المياه الأجنبية. ومن دون هذا الغطاء القانوني، يمكن لأي قوة بحرية تفتيش السفن المشتبه في وضعها داخل المياه الإقليمية أو في أعالي البحار.

(رويترز)
صورة من هيئة الأركان الفرنسية لتدخل البحرية الفرنسية في أعالي البحار ضد ناقلة الشحن "غرينتش"، ضمن عمليات تطبيق العقوبات على صادرات النفط الروسية

وكانت "ناقلات الظل" تُسجَّل في السابق لدى جهات متساهلة مثل بنما وليبيريا. لكن هذه الجهات بدأت، قبل نحو عام وتحت ضغط من الولايات المتحدة وبريطانيا، بإزالة السفن الخاضعة للعقوبات من سجلاتها بوتيرة أسرع. وانتقلت السفن لاحقا إلى أعلام بديلة، من بينها جزر القمر، قبل أن تبدأ هذه أيضا بشطبها. وتقدر شركة "ويندوارد" الاستشارية أن قرابة 700 سفينة غيرت أعلامها بين مرتين وست مرات خلال عام 2025.

مع تزايد حذر المشترين والموانئ من خرق العقوبات، بلغ حجم النفط الروسي والإيراني العالق في عرض البحر مستويات قياسية

بعد تشديد القيود، لجأت ناقلات الظل إلى وسطاء يبيعون وثائق تسجيل مزورة. وكثير من هذه الوثائق يصدر عن محتالين ينتحلون صفة سلطات بحرية، مثل غيانا وسانت مارتن، رغم أن أيا منهما لا يدير سجلا مفتوحا للسفن الأجنبية. وتُعد السفن التي ترفع أعلاما مزيفة عديمة الجنسية من الناحية القانونية. ومنذ ديسمبر/كانون الأول استخدمت الولايات المتحدة هذا الأساس لمصادرة ما لا يقل عن سبع ناقلات، بينها واحدة جرى تعقبها من الكاريبي حتى المياه القريبة من آيسلندا. وقالت بريطانيا، التي شاركت في إحدى تلك العمليات، إنها توصلت إلى مسوغ قانوني مماثل لاحتجاز ناقلات الظل، مشيرة إلى أن نحو اثنتي عشرة منها تعبر مضيق دوفر يوميا. وفي 10 يناير/كانون الثاني منعت ألمانيا ناقلة يُشتبه في تسجيلها المزور، وكانت متجهة إلى محطة في البحر الأسود، من دخول مياهها في البلطيق، في خطوة تُعد سابقة على مستوى الاتحاد الأوروبي.

وفي الوقت نفسه كثفت أوكرانيا عملياتها ضد ناقلات النفط. فمنذ أواخر نوفمبر/تشرين الثاني استهدفت ما لا يقل عن تسع ناقلات، سبع منها من أسطول الظل، باستخدام ألغام وطائرات وزوارق مسيّرة. ووقعت بعض الضربات بعيدا عن سواحلها، بينها هجوم في البحر المتوسط. وغالبا ما تلحق أضرار كبيرة بالناقلات التي تتعرض لهذه الهجمات. ويقول تشارلي إدواردز من المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية إن "كييف ترى أن هذه المقاربة بدأت تعطي نتائجها". كما يسعى ميخايلو فيدوروف، وزير الدفاع الأوكراني الجديد، إلى تأمين مزيد من المسيّرات لتنفيذ ضربات ضد روسيا خارج الأراضي الأوكرانية.

(أ.ف.ب)
أشخاص يراقبون ناقلة نفط كانت تُعرف سابقاً باسم "بيلا-1" قبل تغيير اسمها إلى "مارينيرا"، قبالة سواحل شمال اسكتلندا، بعد مصادرتها في عملية أميركية بدعم بريطاني

أدت هجمات المسيّرات إلى زيادة كلفة الشحن على ناقلات أخرى أيضا. ففي الشهر الماضي ارتفعت أقساط تأمين مخاطر الحرب في البحر الأسود الروسي إلى واحد في المئة من قيمة هيكل الناقلة ومعداتها، مقارنة بمعدل نادرا ما يتجاوز 0.05 في المئة في مياه عالية المخاطر لكنها غير متأثرة بنزاع. وتُظهر بيانات "أرغوس ميديا"، وهي وكالة لرصد الأسعار، أن كلفة نقل النفط من البحر الأسود إلى الهند أو الصين ارتفعت في الأسابيع الأخيرة. وأسهم ذلك في زيادة الضغط على سعر خام الأورال، وهو الخام الروسي الرئيس، حيث جرى تداوله بخصم بلغ 27 دولاراً للبرميل مقارنة بخام برنت، المؤشر العالمي، وهو أكبر خصم يسجل منذ مارس/آذار 2023.

تشديد القيود دفع ناقلات الظل للجوء إلى وسطاء بينهم محتالون ينتحلون صفة سلطات بحرية يبيعون وثائق تسجيل مزورة

حتى الآن بقي أثر هذه التطورات على سوق النفط محدودا، في ظل وفرة المعروض عالميا. لكن إذا استمر فائض الإمدادات في الضغط على أسعار برنت خلال الأرباع المقبلة، فقد يهبط سعر خام الأورال إلى أقل من 30 دولارا للبرميل، أي دون نصف متوسطه في 2024. ويتوقع ياكوب نيل، وهو اقتصادي سابق في وزارة المالية الروسية، أن تنخفض إيرادات النفط والغاز في روسيا قريبا إلى أقل من 10 مليارات دولار شهريا، ما سيزيد الضغوط على مالية الدولة.

ولضمان استمرار وصول صادراتها إلى الأسواق، بدأت روسيا نقل مزيد من ناقلات أسطول الظل إلى سيطرتها المباشرة. فمنذ منتصف ديسمبر/كانون الأول أدرجت 32 ناقلة خاضعة للعقوبات في السجل البحري الروسي. وبما أن هذا السجل "مغلق"، أي يقتصر عادة على السفن المملوكة لروسيا، فإن إدراج هذه الناقلات يشير إلى انتقال ملكيتها إلى جهات روسية. كما أن الشركة الروسية المنشأة حديثا، التي تمتلك ناقلة "مارينيرا" المصادَرة في وقت سابق من هذا الشهر، اشترت سفينة أخرى على الأقل منذ ديسمبر. وبهذا ترتفع نسبة الناقلات التي تعمل حصريا لصالح الصادرات الروسية.

(رويترز)
صورة وزعتها هيئة الأركان الفرنسية تظهر تدخل البحرية الفرنسية في بحر البوران ضد ناقلة الشحن "غرينتش"، التي أبحرت من ميناء مورمانسك الروسي

لكن تسجيل السفن تحت العلم الروسي يجعل هذا الجزء من الأسطول أكثر انكشافا، ويمنحه وزناً استراتيجياً أكبر. وقد يدفع ذلك الكرملين إلى إرسال غواصات أو طائرات مقاتلة لحماية بعض السفن، ما يصعّب تدخل القوات الغربية. لكن السفن التي ترفع العلم الروسي ستكون غير قابلة للتأمين تقريبا، كما أن المرافقة العسكرية مكلفة، وهو ما يزيد الضغط على خزائن الكرملين. ومع قليل من الحظ، قد تصبح هذه التكاليف عامل ضغط حاسم على روسيا.

font change

مقالات ذات صلة