جيسيكا رانكين في الهواء الذي يحمل الذكرى

مساءلة الثنائيات الكبرى

جيسيكا رانكين في الهواء الذي يحمل الذكرى

بين الرسم والتطريز تمتد مساحة التقنية التي تستعملها الفنانة جيسيكا رانكين وهي المساحة نفسها التي تمتزج فيها المناظر الطبيعية بالمشاهد المستلهمة من الفضاء.

الفنانة الاوسترالية المقيمة في نيويورك منذ منتصف تسعينات القرن الماضي صاحبة أسلوب بصري تفردت من خلاله بمزج ضربات الفرشاة بخيوط التطريز لتنقل فكرتها عما سماه الشاعر الأميركي ارشيبالد مكليش في كتابه الشهير، "الشعر والتجربة"، بـ"الانسجام الكوني"، وهو المفهوم الذي يختزل تلاقي المرئيات والوقائع والرؤى والكشوفات في بقعة إلهام واحدة.

في معرضها الذي احتضنته قاعة "وايت كيوب مايسون يورد" بلندن وهو بعنوان "في الهواء/ ذكرى"، تستحضر رانكين أساطير الخلق من خلال نصوص دينية وشعرية وقصصية لتضفي عليها طابع حياة يومية متخيلة، إذ الشك صار أساسيا في إمكان استمرار النظام السياسي والاقتصادي العالمي في خضم فوضى، صار من الصعب احتواؤها أو تحجيمها عند حدود معينة.

حين استلهمت الفنانة من قصيدة جون ميلتون، "الفردوس المفقود"، عنوان عملها "اشرب النور السائل"، كانت تفكر في الانفجار العظيم وفي الوقت نفسه في نهاية العالم. شيء من ذلك القبيل يمكنه أن يشكل تمهيدا لمساءلة الثنائيات الكبرى، الموت والولادة، الخير والشر، الحب والكراهية، النور والظلام وسواها، لكي يعيد الإنسان برمجة حياته خارج الخضوع للقدر والتفكير فيه.

ما اهتمام رانكين بالتفاصيل الصغيرة إلا محاولة للإيحاء بأن هناك جانبا شعريا لكل حدث نمر به مسرعين

تأمل أعمال رانكين يقود حتما إلى بداهة العلاقة بين الموت والبعث، بمعنى النهاية المفتوحة على التجدد. كل ولادة جديدة يسبقها موت. تلك فكرة عادية يمكن أن تطرأ على العقل البسيط، غير أنها في العمل الفني تأخذ مسارا صادما حين تستجيب مبدأ المفاجآت البصرية التي تتحقق من خلال الأشكال والمساحات والخطوط المرسومة والمطرزة التي تعمل في سياق يتحرك بين الإنقطاع والاستمرارية.

رسم خرائط في الفضاء

في عالم جيسيكا رانكين يمكننا أن نكتفي بالمتعة البصرية. مساحات لونية تتلاقى وتتقاطع في سياق جمالي مريح، يمكن المرء معه أن يقوم بنزهة تأملية هادئة. ولكن ذلك ليس سوى حدث مضلل وممل يمكن تفاديه إذا ما حاولنا البحث في التلاقيات الصادمة بين الخطوط الناعمة وذلك يتطلب الاقتراب من سطح اللوحة كأنها منمنمة. فالرسامة التي شقت طريقها إلى أرقى القاعات الفنية بنيويورك في وقت مبكر من حياتها، كانت دائما مسكونة بطريقة فلسفية في تفسير الصلة بالواقع، وهي صلة لا يمكن فهمها إلا من خلال المرور بالأساطير العظمى التي اخترقت التاريخ كأنها جزء منه. وما اهتمام رانكين بالتفاصيل الصغيرة إلا محاولة للإيحاء بأن هناك جانبا شعريا لكل حدث نمر به مسرعين. فـ"الظلام المرئي" وهي عبارة مستعارة من ميلتون، إنما يعيننا على اختراق المجهول.  

the artist. Photo © White Cube (Frankie Tyska).
لوحة "بومة ساحرة"

 يستحضر عنوان المعرض "في الهواء / ذكرى" سؤالا فلسفيا قديما هو "لماذا يوجد شيء ما، حيث لا يمكن أن يكون هناك شيء؟". رسمت رانكين أشكالا دائرية شبيهة بالكواكب تطفو في فضاء تجريدي وممرات حريرية تستحضر الهواء والغبار والسحاب ويحمل بعضها شبها بخرائط النجوم أو رسم الخرائط في العصور الوسطى. وانطلاقا من اهتمام رانكين بعلم التضاريس ورسم الخرائط، تطرح هذه الأعمال تساؤلات هي وليدة عصرنا حول اكتساب الأراضي والسيطرة عليها، وأيضا ما يشكل دافعا نحو التوسع في الفضاء من خلال غزو الكواكب.

في ظل تلك المعادلات الغامضة سيكون الحل شعريا.

ذلك الحل لا يكمن في التفاصيل الدقيقة وحدها بل في الإنشاء العام للوحة إذا ما نظرنا إليها من بعد. تبدو المشاهد المنظور إليها من فوق أشبه بخرائط تجمع بين ما هو أرضي حيث الأنهار والممرات المائية تجري بدعة متقلبة بين ألوان أعماقها وما هو كوني حيث تقيم الممرات السماوية حفلتها.

عسل ذهبي في خلية متخيلة

تطرح جيسيكا رانكين لغز اللغة باعتباره مكمنا لحياة مجاورة. تلك فكرة تنفتح على الصورة بجانبيها الشعري والواقعي إذا ما اعتبرنا أن السفر بين الكواكب حدث واقعي. فعلى سبيل المثل يستمد عملها "خلايا النحل كالعسل" عنوانه من قصيدة سيلفيا بلاث، "مرثية للنار والزهرة"، التي تتأمل فيها الشاعرة في الحب والدمار العاطفي. وفي هذا السياق يشير اختيار رانكين للعنوان، إلى إحساس بالخلق والفناء يتجلى في تكوينها مستحضرة سائل العسل الذهبي وبنية خلية النحل المتشابكة، الهشة والمتينة في آن واحد.

لم تكتف رانكين بمخاطبة العين بقدر ما سعت إلى تعميق الشعور بما تنطوي عليه تلك المشاهد من حالة سائلة لا يمكن حصرها في قالب بصري بعينه

ينصت المرء حين يقف أمام أي واحدة من لوحات رانكين، إلى لغة هي الوسيط بين ما يرى وما لا يرى، بين ما يتذكر وما وقع في النسيان. ولكن الأهم من كل ذلك إنما يقع في ذلك التوافق الذي تخترعه الفنانة بين حياتها في الواقع وحياتها كائنا كونيا، عابرا وجوده الأرضي. ما تخفيه اللغة يستدعيه الشعر لكي يكون مظلته. لغة رانكين البصرية خفيفة وعميقة في الوقت نفسه. تلعب الفنانة على مسافة تتلاشى شعوريا. فالمسافة بين الرسم والتطريز، كونهما ينتميان إلى عالمين مختلفين لا تكاد ترى بسبب كثافة العاطفة التي تنطوي عليها تلك اللغة.  

the artist. Photo © White Cube (Frankie Tyska).
لوحة "خلايا النحل كالعسل"

لا ترسم رانكين مشاهد ثابتة. كل شيء ترسمه يستجيب لقوة الحركة الكامنة فيه. لذلك يمكن القول إن الرسامة لم تكتف بمخاطبة العين بقدر ما سعت إلى تعميق الشعور بما تنطوي عليه تلك المشاهد من حالة سائلة لا يمكن حصرها في قالب بصري بعينه. كل لوحة هي رحلة في فضاء لا نهائي. فضاء تطرزه الفنانة بجمل شعرية قيلت في مديح الخلق والفناء في الوقت نفسه بدءا بالملاحم البابلية وانتهاء بشعر والدتها جينيفر رانكين.     

زمن النظام والفوضى

بأناة المطرزين وصبرهم ومغالاة الرسامين في نزقهم العبثي، تباشر جيسيكا رانكين عملها في التنقيب عن لحظات العنف سواء في المراحل المفصلية التي تنتقل من خلالها الأساطير من مرحلة إلى أخرى أو في المجرات البعيدة، هناك حيث تتحول الكواكب بعد فنائها إلى أمكنة باردة تلتهمها الثقوب السوداء. من ضربات الفرشاة التعبيرية وخيوط التطريز تنبعث الدوائر التي تحتل موقعا مركزيا في عالم الفنانة التي تبحث في تفاصيل الحكايات عن الخيط الشعري الذي يصل بين الكائنات المتخلية، بشرا وكواكب والأمكنة التي تشف كأنها زجاج لواجهة متحفية. في تلك العلاقة الحائرة والمربكة تقبض الفنانة على الزمن لا لتجمده كما يفعل فنانو الفوتوغراف بل لتحرره من ثقل أجنحته وتفرغه من محتوياته. 

the artist. Photo © White Cube (Frankie Tyska).
لوحة "امتزاج الحلو والمر"

ولأن الزمن يخترق عالم جيسيكا رانكين، فإن المشاهد التي ترسمها لا تشير إلى الواقع الذي تنتسب إليه. فهل هي تمثل حالة انبعاث وخلق أم أنها توثق للحظة الدمار الذي يبدأ منه الفناء؟ لا زمن للولادة ولا زمن للموت. كل النصوص التي قرأتها الفنانة بتلذذ ومساءلة وجودية، وهبتها فرصة التسلل إلى الزمن باعتباره الحقيقة السائلة التي تختصر علاقة الإنسان بما يقع قريبا منه متمثلا بالطبيعة وبما هو بعيد عنه متمثلا بالكواكب التي رسخ الكشف عنها التفكير في وجود مجموعة لا متناهية من الأشكال الطبيعية هي قيد التشكل، وهي في الوقت نفسه ممعنة في فنائها. لغة رانكين البصرية تمسك بالزمن باعتباره لعبة كونية، فلا شكل ثابتا على الرغم من حرصها على ثبات يدها وهي تطرز وحدات تبدو أشبه بدقات الساعة.

لغة رانكين البصرية تمسك بالزمن باعتباره لعبة كونية، فلا شكل ثابتا على الرغم من حرصها على ثبات يدها وهي تطرز وحدات تبدو أشبه بدقات الساعة

ترسم جيسيكا رانكين (1971) في محاولة منها للتذكير بإمكان تعايش النظام مع الفوضى عند حدود تقابل الذات والمجتمع في ظل الشعور بتفكك الأشياء وتجمعها في الوقت نفسه. "في الهواء/ ذكرى"، وهو عنوان المعرض، تمرر الفنانة فكرتها عن إنسانية أفلتت من قدرها الأرضي.

font change