مع دخول لبنان في حرب استنزاف جديدة، تستمر مشاهد النزوح الجماعي من الجنوب والضاحية والبقاع، لكن هذه المرة وسط مخاوف مضاعفة. فالتصعيد العسكري يبدو أشد، والاستهداف يطال مساحات أوسع من المدنيين، حيث قُتل نحو ألف مدني، بينهم 119 طفلا، وفقا لوزارة الصحة اللبنانية. وما يزيد من وطأة المشهد هو الانقسام الداخلي، إلى جانب القلق المتصاعد من أن تطول الحرب، وتطول معها أيام انتظار "لحظة الفرح بإعلان العودة"، كما تقول الحاجة زينب، النازحة السبعينية، في حديثها لـ"المجلة".
في المدن المستضيفة، من صيدا إلى أقصى الشمال، لا تُختصر الأزمة بأرقام مراكز الإيواء وقدرتها الاستيعابية، بل تمتد إلى ما هو أعمق: تراجع الثقة بين اللبنانيين، تصاعد خطاب الكراهية، وقلق متزايد من تداعيات أمنية وديموغرافية. وبينما تحاول البلديات والجمعيات احتواء التدفق المتزايد، يجد آلاف النازحين أنفسهم عالقين بين خوفين: الخوف من القصف الذي دفعهم إلى الرحيل، والخوف من المجهول في أماكن اللجوء، في مقابل قلق مرتفع في المناطق المستضيفة خوفا من تعرضها للخطر بسبب وجود عناصر تحت دائرة الاستهداف تسللت إليها، وهذا ما حصل أكثر من مرة في هذه الحرب لا سيما في عمق العاصمة بيروت التي تعرضت لأكثر من استهداف منذ بدء حرب "الثأر لخامنئي" في 2 مارس/آذار الجاري.
قلق من عدم العودة
"أتمنى أن تكون هذه آخر مرة نُجبر فيها على النزوح"، تقول الحاجة السبعينية زينب، وهي تستعيد تفاصيل نزوحها الثاني، بعد تجربة أولى قاسية عاشتها عام 2024. قبل تلك الحرب، لم تغادر بلدتها كفررمان–جنوب لبنان يوما، رغم الحروب التي عاشها الجنوب، "كنا نرى القصف ونبقى في بيوتنا ولكن ما حدث في 2024 كان مختلفا تماما، تم استهداف بيتنا بشكل مباشر وأصيبت ابنتي بعد يومين من بدء الحرب لذلك اضطررنا للمغادرة رغم أننا لم نكن ننوي النزوح".
أما هذه المرة، فجاء القرار أسرع، "لم ننتظر. خرجنا فورا، بالملابس التي نرتديها، من دون أن نحمل أي شيء، فقط بضعة قطع من الملابس".
رحلة النزوح امتدت لأكثر من عشرين ساعة. طريق طويل ومزدحم، تحت ضغط الخوف وانعدام اليقين. "قيل لنا إن الوضع هادئ، لذلك لم نجهز شيئا. فجأة اندلعت الحرب، ووجدنا أنفسنا نهرب بلا أي استعداد".
في مركز الإيواء في إحدى بلدات قضاء الشوف، حيث لجأت العائلة مرة جديدة، تصف الحاجة زينب المعاملة بأنها "جيدة، يحاولون تأمين كل احتياجاتنا"، لكن الواقع اليومي لا يخلو من المعاناة، "أكثر من أربعين شخصا نستخدم حماما واحدا، أما النوم على فرشة اسفنجية فهي معاناة حقيقية لامرأة بعمري". وتختم حديثها: "نحن نعيش على أمل واحد: العودة اليوم قبل الغد، والعيش بأمان، نحن نستحق الأمان".

أمنية الحاجة زينب بالعودة السريعة وقلقها من أن تطول "التغريبة الجنوبية"، شعور يتشارك فيه غالبية النازحين هذه الحرب، حيث تقول النازحة الشابة هبة ح. ابنة بلدة ميفدون– قضاء النبطية لـ"المجلة": "منذ خروجي من بيتي ترافقني أسئلة ملحة: "هل سنعود إلى أرضنا؟ وإن عدنا، هل سنجد بيتنا؟".
تستعيد هبة التي كانت حاملا في ابنها الحرب الماضية، لحظات الخروج القسري الذي بدأ بخبر عاجل عن "إطلاق صواريخ من جنوب لبنان باتجاه إسرائيل" قرأته وهي تسترخي أمام التلفاز في منزلها وانتهت برحلة نزوح جديدة، "نعرف جيدا تبعات هكذا خبر"، تقول، "فاتصلت فورا بزوجي، الذي كان لا يزال في عمله كمسعف، وطلبت منه العودة إلى المنزل". خلال دقائق، كانت قد بدأت تجهيز أغراضها، مستعينة بتجربة النزوح السابقة. "حقيبة الطوارئ كانت جاهزة، وكنت أعرف ما الذي أحتاجه هذه المرة".
لكن الوقت لم يسعفها، "بعد دقائق فقط، بدأ القصف الإسرائيلي في البلدة. استهدفوا منطقة مقابلة لمنزلنا". تصف اللحظة بصوت متردد: "حملت ابني وجلست على الأرض، لكن من شدة الضربة سقط من بين يدي".



