تحولات الحكم في إيران... من المرجعية الدينية إلى النفوذ الأمني

صعود محمد باقر قاليباف يكشف عن ترسخ صيغة جديدة للدولة

(رويترز)
(رويترز)
مارة يسيرون بجانب جدارية تُظهر روح الله الخميني وعلي خامنئي في طهران، 16 أبريل 2026

تحولات الحكم في إيران... من المرجعية الدينية إلى النفوذ الأمني

أُنشئت الجمهورية الإسلامية في إيران على أساس أن يتولى رجال الدين زمام الحكم فيها. لكن من المسلّم به على نطاق واسع اليوم أن السلطة الفعلية باتت في يد جهة أخرى. ومع ذلك، لا تزال مسألة من يحكم فعلا، وكيف وقع هذا التحول، تفهم على نحو خاطئ.

يرى كثيرون أن المواجهة مع الولايات المتحدة وإسرائيل دفعت الدولة الإيرانية إلى الارتهان للمؤسسة الأمنية المتشددة. وتبدو هذه الرواية مقنعة للوهلة الأولى، لكنها في جوهرها تظل ناقصة. فلم تبدأ عسكرة السياسة في إيران مع الحرب الدائرة اليوم، ولا حتى مع أزمات العقد الأخير.

ما نشهده اليوم ليس ولادة دولة أمنية معلمَنة، بل اكتمال مسارها وبلوغها الذروة. ولعل أفضل مدخل إلى فهم كيف انتهت إيران إلى هذا الوضع أن لا نبدأ بالأيديولوجيا أو بالجغرافيا السياسية، بل بتتبع سيرة أحد أبرز الصاعدين حديثا في هرم السلطة الإيرانية، محمد باقر ذو القدر.

فلا يمكن النظر إلى إسناد المنصب إلى ذو القدر خلفا لعلي لاريجاني، مستشار الأمن القومي البارز الذي قُتل خلال الحرب في منتصف مارس/آذار، على أنه مجرد تبديل إداري عابر. فهذا يكشف صعود نمط من الشخصيات التي ظلت طويلا تصوغ ملامح الجمهورية الإسلامية من وراء الكواليس، قبل أن تبدأ اليوم في الظهور إلى الواجهة على نحو أشد وضوحا.

ذو القدر ليس سياسيا بالمعنى التقليدي للكلمة. فلم يستند يوما إلى صناديق الاقتراع، ولا إلى قاعدة شعبية واسعة، ولا حتى إلى حضور دائم في الواجهة العامة. وتتجلى مسيرته، في معظم تفاصيلها، داخل ما يمكن وصفه بـ"الهيكل الصلب" للنظام: "الحرس الثوري"، وأجهزة الاستخبارات، وشبكات النفوذ المتشعبة التي تصل بينهما وبين مؤسسات الدولة.

(أ.ف.ب)
نساء إيرانيات يمررن بجانب لافتة تُظهر "المرشد الأعلى" مجتبى خامنئي في طهران، وسط استمرار القيود على الملاحة في مضيق هرمز، 16 أبريل 2026

وينتمي ذو القدر إلى جيل تكوّن قبل أن تكتمل ملامح الدولة وتستقر مؤسساتها. وكانت بداياته السياسية في إطار "منصورون"، تلك الشبكة الثورية السرية التي خرج من صفوفها لاحقا عدد من الرجال الذين شغلوا أعلى المواقع في "الحرس الثوري". وفي ذلك المناخ، لم تكن الأيديولوجيا والأمن والتنظيم عوالم منفصلة، بل كانت وجوها متعددة لبنية واحدة.

عسكرة السياسة في إيران لم تبدأ مع الحرب الدائرة اليوم، ولا حتى مع أزمات العقد الأخير بل منذ زمن طويل

جاءت الحرب الإيرانية العراقية لتصقل ذلك التكوين وتختبره بقسوة. ففي موقعه داخل وحدة تابعة لـ"الحرس الثوري" عُرفت باسم "مقر رمضان"، وجد ذو القدر نفسه عند نقطة التقاء الحرب بالاستخبارات وعمليات الوكلاء. ولم تكن تلك مجرد تجربة ميدانية عابرة، بل شكلت أيضا تدريبا عمليا على أسلوب بعينه في إدارة السلطة: سلطة تمارَس من خلف الواجهة، عبر الشبكات، وتمتد جذورها عبر الحدود ومؤسسات الدولة.

بعد تلك الحرب، لم يدخل ذو القدر معترك السياسة بالمعنى المباشر، بل إن السياسة نفسها أخذت، تدريجيا، تتشكل على صورة العالم الذي كان ينتمي إليه. وعلى مدى أكثر من عقد في قمة "الحرس الثوري" الإيراني، بما في ذلك توليه منصب نائب القائد، راكم نفوذه لا عبر السلطة العلنية، بل من خلال رسوخ حضوره داخل بنية المؤسسة. وبمرور الوقت، صار فعليا واحدا من أبرز رجال النظام من الداخل.

لا يمكن فهم مسيرة ذو القدر على نحو سليم بمعزل عن التحول الأوسع الذي بدأ يتشكل في أواخر تسعينات القرن الماضي. فقد أتاح عهد محمد خاتمي مساحة محدودة لانفتاح سياسي مؤقت، رفع الإصلاحيون خلاله شعارات المجتمع المدني وسيادة القانون والتعددية السياسية. وبدا، ولو لبرهة، أن الجمهورية الإسلامية ربما تملك قدرة فعلية على التطور.

لكن تلك اللحظة سرعان ما استدعت رد فعل مضادا. فخلال احتجاجات الطلبة عام 1999، وجه كبار قادة "الحرس الثوري" تحذيرا مباشرا إلى خاتمي في رسالة واضحة مفادها أن المؤسسة العسكرية ستتدخل إذا تجاوزت الإصلاحات السقف المرسوم لها. وكان من بين الموقعين محمد باقر قاليباف، الذي استلم لاحقا مواقع عليا في الدولة.

لم يكن ذلك انقلابا بالمعنى التقني الدقيق، لكنه كان، في أثره، أعمق من انقلاب كامل. فـ"الحرس الثوري" لم ينقض على السلطة ليستولي عليها، بل أعاد تحديد حدودها. ومنذ تلك اللحظة، لم يعد مجرد أحد أعمدة النظام، بل غدا المرجعية الحاسمة فيه.

أ ب
محمد باقر قاليباف يحضر مراسم رسمية في طهران في 21 مايو/أيار 2024

وفي الفترة نفسها تقريبا، كشفت واقعة أخرى عن طبقة أشد قتامة داخل بنية الدولة. فقد أظهرت سلسلة اغتيالات استهدفت معارضين ومثقفين، ونُسبت لاحقا إلى عناصر من داخل وزارة الاستخبارات، وجود جهاز قمعي يعمل بعيدا عن أي مساءلة رسمية. ولم يقتنع كثيرون برواية "العناصر المارقة"، وكانت الدلالة واضحة: فممارسة العنف دفاعا عن النظام لم تكن تحتاج إلى غطاء شعبي.

في إيران سلطة تمارَس من خلف الواجهة، عبر الشبكات، وتمتد جذورها عبر الحدود ومؤسسات الدولة

وشكل هذان التطوران، اللذان جرى أحدهما على مرأى من الجميع والآخر في الظل، لحظة فاصلة. إذ كشفا أن وراء مؤسسات إيران المعلنة منطقا موازيا للسلطة، منطقا لا ينشغل بالتمثيل بقدر ما ينصرف إلى الإحكام والسيطرة.

وبحلول عام 2009، لم يعد ممكنا تجاهل ذلك المنطق أو التغاضي عنه. فعندما خرج ملايين الإيرانيين إلى الشوارع احتجاجا على نتائج انتخابات رئاسية طعن في نزاهتها، لم يكن الرد سياسيا ولا تفاوضيا، بل أمنيا صرفا. فقد تحرك "الحرس الثوري" وميليشيات الباسيج بحزم لسحق الحركة الخضراء، ثم جاءت السلطة القضائية لتستكمل المشهد بحملات اعتقال واسعة وأحكام بالغة القسوة.

لم تكمن دلالة عام 2009 في اتساع القمع وحده، بل أيضا في مقدار الوضوح الذي أتاحه ذلك المشهد. فقد تبدل مركز الثقل داخل النظام، وبرزت إلى الواجهة مؤسسات ظلت طويلا تعمل من الخلف. وصحيح أن الانتخابات استمرت شكليا، لكنها باتت تجرى داخل حدود يرسمها فاعلون يملكون الاستعداد والقدرة على تجاوزها متى شاءوا.

ومنذ ذلك الوقت، أصبح المسار أكثر وضوحا من أي وقت مضى. فما كان يجري في الظل صار مكشوفا، وما كان يعامل بوصفه استثناء تحول إلى ممارسة مألوفة. ولم تعد الدولة الأمنية أداة تستدعى في لحظات الطوارئ، بل أخذت تترسخ بوصفها الصيغة الطبيعية للحكم.

وتكشف مسارات عدد من الشخصيات المحورية المعنى العملي لهذا التحول. فقد مثل لاريجاني نموذجا أقدم للسلطة، يجمع بين النزعة الأيديولوجية والخبرة التقنية، ويؤدي في الوقت نفسه دور الوسيط. وكان قادرا على التنقل بين مؤسسات الدولة المختلفة، وعلى مخاطبة دوائر متعددة، من بينها أطراف خارج إيران أيضا.

(أ.ف.ب)
رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف يصافح قائد الجيش الباكستاني عاصم منير في طهران، 16 أبريل 2026

أما قاليباف، فيمثل شخصية انتقالية بامتياز. فقد بدأ قائدا في "الحرس الثوري"، ثم انتقل إلى مواقع مدنية شملت قيادة الشرطة ورئاسة بلدية طهران ثم رئاسة مجلس الشورى. وفي مسيرته اجتمع الرصيد الأمني بالخبرة الإدارية. وهي سيرة تعكس تغلغل العسكرة في المجال السياسي، ولكن ضمن صيغة هجينة تكنوقراطية.

عام 2009 لم تكمن دلالته في اتساع القمع وحده، بل أيضا في مقدار وضوح تبدل مركز الثقل داخل النظام، وبروز مؤسسات ظلت طويلا تعمل من الخلف

ومن جهته، يمثل ذو القدر نمطا مختلفا تماما. فهو ليس جسرا يصل بين عالمين، بل ثمرة عالم واحد. ولا يقف في مساحة وسطى بين السياسي والعسكري، بل يجسد امتزاجهما الكامل. وهنا تكمن الدلالة الأعمق لصعوده. فلم تعد القضية مجرد انتقال رجال الأمن إلى الحقل السياسي، بل باتت تتصل بتآكل الحاجة إلى الوساطة السياسية نفسها.

فالمؤسسة الأمنية اليوم لم تعد تكتفي برسم الحدود، بل غدت تمارس الحكم بصورة مباشرة. فقد تمدد "الحرس الثوري" والشبكات التابعة له في مختلف مفاصل الدولة، حتى بات شريكا فاعلا في صياغة السياسة الخارجية، ومهيمنا على قطاعات اقتصادية رئيسة، ومؤثرا في توجيه المخرجات السياسية. وتعكس شخصيات مثل أحمد وحيدي، القائد الحالي لـ"الحرس الثوري"، هذا التداخل بين السلطة الميدانية والسلطة الإدارية. وعلى نحو متزايد، باتت القرارات تتخذ داخل هذه الشبكات نفسها، بما يفضي إلى محو الفواصل بين الأدوار العسكرية والمدنية.

وفي المقابل، أخذت المؤسسة الدينية، التي كانت يوما المصدر الأول لشرعية النظام، تزاح تدريجيا إلى الهامش. بقي خطابها حاضرا، واستمرت مؤسساتها قائمة، لكن قدرتها على صناعة النتائج لم تعد كما كانت. وصحيح أن إيران لا تتخلى عن هويتها الأيديولوجية، لكنها تعيد ترتيبها حول مركز ثقل جديد. ومن هذه الزاوية، لا تبدو اللحظة الراهنة تحولا مفاجئا بقدر ما تبدو ذروة مسار طويل من التحول.

شهد التاريخ الإيراني الحديث مرارا لحظات غلب فيها السعي إلى النظام والاستقرار على سائر أشكال الشرعية. فمن عهد رضا شاه إلى عهد الزعيم الأعلى آية الله روح الله الخميني، كثيرا ما تركزت السلطة السياسية في يد شخصيات امتلكت القدرة على فرض قدر من التماسك على بنية حكم كانت مفككة أو منقسمة.

(أسوشييتد برس)
امرأة في طهران تمر أمام لوحات تُظهر مجتبى خامنئي ووالده علي خامنئي الذي قتل في ضربات أميركية-إسرائيلية، 16 أبريل 2026

ينسجم صعود "الحرس الثوري" الإيراني مع هذا المسار. فالمستجد ليس التوجه نحو سلطة أكثر انضباطا، بل اتساع نفوذها إلى الحد الذي جعلها تهيمن على النظام كله. وأسهمت الضغوط الخارجية في تسريع هذا المنحى، لكنها لم تكن السبب في نشأته. فقد وُضعت الدعائم التي قامت عليها الدولة الأمنية الراهنة قبل عقود، في زمن الحرب، وفي سحق محاولات الإصلاح، وفي التمدد المتدرج لمؤسسات لم تخضع يوما لمساءلة كاملة ضمن إطار العملية السياسية.

المؤسسة الأمنية اليوم لم تعد تكتفي برسم الحدود، بل غدت تمارس الحكم بصورة مباشرة، فتمدد "الحرس الثوري" في مختلف مفاصل الدولة

تمدد "الحرس الثوري" وشبكاته التابعة له في مختلف مفاصل الدولة، حتى بات شريكا فاعلا في صياغة السياسة الخارجية، ومهيمنا على قطاعات اقتصادية رئيسة، ومؤثرا في توجيه المخرجات السياسية

أما بالنسبة إلى صناع السياسات، فهذه الخلاصات تحمل دلالات مهمة. أولا، إن تصعيد الضغط على إيران لا يُرجح أن يفضي إلى اعتدال سياسي، بل قد ينتهي، على العكس، إلى ترسيخ نفوذ المؤسسات الأكثر ارتباطا بمنطق المقاومة والإحكام الأمني.

ثانيا، لا ينبغي المبالغة في الرهان على إحداث تغيير عبر المسار الانتخابي. فالانتخابات ما تزال قائمة من حيث الشكل، لكنها تجري داخل بنية تُحسم فيها الكلمة الأخيرة في مكان آخر. أما ثالثا، فمن المرجح أن يعكس السلوك الخارجي لإيران أولويات نظام ينظر إلى العالم من منظور أمني في المقام الأول، منظور تحكمه اعتبارات الردع والصمود والبقاء.

لا يعني ذلك كله أن النظام دخل حالة من الجمود. فالتوترات الداخلية ما تزال حاضرة وفاعلة. لكن الاتجاه العام بات واضحا. فإيران لا تمضي نحو نظام عسكري بالمعنى التقليدي، لكنها تقترب من صيغة تشبهه إلى حد بعيد: دولة تتراجع فيها مكانة المرجعية الدينية والتفاوض السياسي، فيما تتقدم القوة المنظمة لمؤسسة أمنية خرجت من الظل إلى صلب المشهد، ورسخت نفوذها فيه.

وما تزال الجمهورية الإسلامية تتكلم بلغة الحكم الديني، لكن زمامها ينتقل تدريجيا إلى أيدي رجال لم يعودوا في حاجة إلى تلك اللغة.

* مناحم مرحافي، باحث زميل في "معهد هاري إس. ترومان" في الجامعة العبرية

font change

مقالات ذات صلة