أسواق النفط... هل التفاؤل في محله؟

قفزت الأسعار... ولا تزال الأسعار مرشحة لمزيد من الارتفاع

(رويترز)
(رويترز)
العلم الإيراني مع رسم بياني صاعد ومجسم مضخة وقود، 23 يونيو 2025، في إشارة إلى تقلبات الطاقة المرتبطة بإيران

أسواق النفط... هل التفاؤل في محله؟

يبدو وكأن أحدهم كان مخدرا بالبيوتان. خبراء الطاقة حذروا منذ زمن طويل من أن الحرب في إيران ستفجر أكبر صدمة في إمدادات النفط عرفها التاريخ. وأدى إغلاق مضيق هرمز إلى احتجاز 14 مليون برميل يوميا من النفط. وقالوا إن امتصاص هذا الحجم من الصدمة يقتضي أن يتضاعف سعر خام برنت قياسا إلى مستواه قبل الحرب، ليتجاوز بكثير 150 دولارا للبرميل. لكن متداولي النفط ظلوا غارقين في سبات عميق. فحتى وقت قريب، وتحديدا في 17 أبريل/نيسان، بقيت الأسعار دون 90 دولارا للبرميل. وخلال الأسبوع الماضي، ومع تصاعد الحديث عن تجدد القتال، بدأوا يفيقون من غفلتهم. وفي 30 أبريل، قفزت الأسعار إلى أكثر من 125 دولارا.

وللأسف، وبرغم سوء الأوضاع، ظل الانفصال عن الواقع قائما. فالمسألة لا تقتصر على احتمال أن تواصل الأسعار الفورية صعودها، بل إن سوق العقود الآجلة للنفط، حيث يراهن المضاربون على اتجاه الأسعار، توحي بأن الأسعار ستتراجع شهرا بعد آخر خلال ما تبقى من العام، لتنهي عام 2026 عند نحو 88 دولارا للبرميل. وهذا يعني أن السوق تراهن على أن معظم هذه الصدمة سيتبدد قريبا. وإذا كان هذا الرهان في محله، فلا بد أن المتعاملين في سوق النفط يفترضون ثلاثة أمور: أن الولايات المتحدة وإيران ستتوصلان قريبا إلى اتفاق سلام، وأن هذا الاتفاق سيقود إلى إعادة فتح مضيق هرمز، وأن البنزين ووقود الطائرات سيعودان إلى الوفرة بعد فترة وجيزة من فتحه. غير أن هذه الافتراضات كلها ما زالت محل شك.

هناك أمر واحد يمكن للجميع أن يتفقوا عليه، وهو أن استمرار إغلاق المضيق سيكون كارثيا. ففي مستهل الحرب، كانت كميات كبيرة من النفط متاحة، إما في المخزونات وإما على متن ناقلات في عرض البحر. لكن السفن التي عبرت مضيق هرمز قبل اندلاع النزاع كانت قد وصلت إلى موانئها بحلول 20 أبريل. وقريبا، ستنخفض مخزونات النفط إلى أدنى مستوياتها منذ بدء تتبعها عبر الأقمار الصناعية عام 2018. أما كميات البنزين والديزل ووقود الطائرات المحمولة بحرا، فهبطت بالفعل إلى مستوى يجعل حدوث فجوات في الإمداد أمرا لا مفر منه. وفي الولايات المتحدة، يوشك الطلب على البنزين أن يشهد قفزة مع حلول الصيف، حين تدفع العطلات الناس إلى ركوب سياراتهم والانطلاق في رحلات برية.

(أ.ف.ب)
إشارة مرور حمراء أمام مصفاة في شفيدت، 30 أبريل 2026، قبيل وقف تدفق النفط الكازاخي عبر روسيا إلى ألمانيا

ولا بد للجميع أيضا من إدراك حجم المخاطر. فقد بدأت صناعة البتروكيماويات في آسيا بالفعل تقليص جانب من طاقتها الإنتاجية. ومنذ اندلاع الحرب، تضاعفت أسعار الديزل ووقود الطائرات في آسيا، وتخطت الضعف في أوروبا. وعلى خلاف أسواق الأسهم، حيث يمكن أن يستمر تضخم الأسعار بفعل الحماسة وحدها، يرتبط سعر النفط بالاقتصاد ارتباطا مباشرا، عند مضخات الوقود وفي الموانئ والمطارات. فإذا غدا العرض أقل من الطلب، ارتفعت الأسعار حتما حتى تستعيد السوق توازنها. وقد ظهرت بالفعل تقارير عن بيع براميل ديزل بسعر 600 دولار. فالتفاؤل، مهما بلغ حجمه، لا يصمد أمام الواقع.

سوق العقود الآجلة للنفط توحي بأن الأسعار ستتراجع لتنهي عام 2026 عند نحو 88 دولارا للبرميل

حجة المتفائلين واضحة. فمنشورات دونالد ترمب الجامحة لا توحي بأنه تائه فحسب، بل تشير أيضا إلى أنه سيتدخل كلما تجاوزت أسعار النفط الحد الذي يراه محتملا. أما اقتصاد إيران فيتداعى، وهي في حاجة ملحة إلى السيولة، ما يعني أنها سترغب هي الأخرى في التوصل إلى اتفاق. وإذا كان استمرار الجمود سيقود الطرفين إلى الخسارة، فلا بد أن يصل هذا المسار إلى نهاية في نهاية المطاف.

ولا تميل مجلة "الإيكونوميست" إلى التشكيك في تقديرات من يملكون الحقائق بين أيديهم، ويضعون مليارات الدولارات على المحك. غير أن للأسواق سجلا ضعيفا في تسعير مخاطر الجغرافيا السياسية. وحين يتعلق الأمر بالنفط، تبدو أقل قدرة على استيعاب تعقيدات التجارة المادية.

وحتى إذا كان الاتفاق يصب في مصلحة البلدين، فقد لا يكون إرساؤه أمرا سهلا. فكل طرف قد يسيء تقدير الطرف الآخر. ويبدو أن ترمب يعتقد أنه يمسك بكل أوراق اللعبة. غير أن إيران سبق أن صمدت أمام اضطرابات طويلة في صادراتها النفطية، ولا سيما مع انطلاق حملة العقوبات التي فرضها ترمب عام 2018 تحت شعار "الضغط الأقصى". وإيران ليست ديمقراطية، والنظام فيها قادر على الصمود بينما يدفع شعبه الثمن. ولهذا، يملك حافزا للمماطلة أطول فترة ممكنة، على أمل انتزاع عرض أفضل. أما ترمب، فيستطيع استئناف القصف، لكن ذلك قد لا يعجل بالتوصل إلى اتفاق بقدر ما قد يفضي إلى مزيد من التأخر.

(رويترز)
أضرار في ناقلة النفط "السالمي" التي ترفع علم الكويت بعد ضربة وسط النزاع، 31 مارس 2026

وعلى المنوال نفسه، ومع اقتراب انتخابات التجديد النصفي في الولايات المتحدة، قد يراهن قادة إيران على أن ترمب لا يستطيع تحمل ارتفاع أسعار النفط. غير أن ترمب يتحرك، إلى حد بعيد، بدوافع شخصية. فقد يحاول كبح ارتفاع الأسعار في الداخل عبر تقييد صادرات المنتجات المكررة. وقد يكون مقتنعا أصلا بأن انتخابات التجديد النصفي محسومة بالخسارة، في مجلس النواب على الأقل. ومن المؤكد أنه أقل اكتراثا بمستقبل السياسيين الجمهوريين من اكتراثه بما قد يعده إهانة شخصية إذا ما أبرم اتفاقا نوويا مع إيران يبدو أسوأ من اتفاق باراك أوباما عام 2015. أما رسالته الأخيرة إلى إيران، فتلمح إلى أنه يستعد لحصار طويل.

سجل الأسواق ضعيف في تسعير مخاطر الجغرافيا السياسية... ومع النفط، تبدو أقل قدرة على استيعاب تعقيدات التجارة

وحتى إذا جرى التوصل إلى اتفاق، فقد لا يعني ذلك إعادة فتح المضيق بالكامل. فالتفاصيل الشائكة لأي اتفاق نووي ستحتاج إلى أشهر من التفاوض. وبعدما أدركت إيران حجم النفوذ الذي تملكه، قد تجد إغراء في مواصلة الضغط عبر التلويح بإغلاق المضيق مرة أخرى. وقد تقود التهديدات بدورها إلى هجمات. وربما يضع ترمب القضاء على البرنامج النووي فوق مسألة إعادة فتح المضيق بالكامل، فأميركا، في نهاية المطاف، دولة مصدرة للطاقة. وإذا قبلت واشنطن بأن تعامل إيران مضيق هرمز كأنه بوابة لجباية رسوم العبور، فماذا سيأتي بعد ذلك؟

وحتى إذا ظل المضيق مفتوحا من حيث المبدأ، فإن إيصال الوقود فعليا إلى الخزانات سيبقى رهنا بسلسلة من التأخيرات الكثيرة وغير المتوقعة. ومن المرجح أن تتدفق كميات كبيرة من النفط دفعة واحدة، مع انطلاق الناقلات التي كانت تنتظر، وهي محملة بالكامل، نحو المحيط الهندي. لكن عودة الناقلات الفارغة إلى الخليج ستكون أشد تعقيدا. فكثير منها سيكون قد ارتبط بالفعل بالتزامات على مسارات أخرى. وسيحتاج المضيق إلى إزالة الألغام، وهي عملية يمكن أن تمتد أشهرا. وقد تبلغ كلفة التأمين مستوى يعطل حركة الشحن، ما سيضطر الحكومات إلى وضع آلية لتغطية المخاطر القصوى. وقد يؤدي توقف الإنتاج إلى إلحاق أضرار بآبار النفط، كما أن استئنافه سيحتاج إلى وقت. أما المصافي التي أعيد تشغيلها جزئيا بعد توقف طويل، فلن تستعيد طاقتها الكاملة على الفور.

لقد بدأ العالم للتو في استيعاب ما قد يكون مقبلا عليه. فقد تجد البنوك المركزية نفسها قريبا أمام ثاني صدمة تضخمية خلال هذا العقد، بعد صدمة جائحة "كوفيد-19". وفي آسيا، بدأت حكومات كثيرة بالفعل اتخاذ إجراءات قاسية، من بينها تقليص أسبوع العمل. أما حكومات أوروبا، فسيتعين عليها هي الأخرى أن تعدل مسارها. فقد انصب تركيزها حتى الآن على دعم طلب المستهلكين، لكنها قد تجد نفسها مضطرة إلى إدارة ظاهرة "تدمير الطلب". ومع احتمال حدوث نقص في الديزل ووقود الطائرات، قد تحتاج إلى خطط تضمن توصيل الغذاء واستمرار الخدمات الحيوية.

(أ.ف.ب)
قاطرات تسحب ناقلة نفط إلى رصيفها في ميناء تشينغداو بالصين، 23 مارس 2026، مع استمرار تدفقات الطاقة إلى آسيا رغم التوترات

ولكن، لن يحدث هذا أبدا، أليس كذلك؟

ويمكن أن يتلقى المستثمرون المتفائلون هم أيضا صدمة قاسية. فقد عزز التعافي من جائحة "كوفيد-19"، وتكيف أوروبا مع خسارة معظم الغاز الروسي، واعتدال ترمب في فرض رسومه الجمركية، قناعة المتعاملين بأن الأمور تجد طريقها دائما إلى الحل. ومع قوة أرباح الشركات في الولايات المتحدة، قد يبدو وكأن الاقتصاد العالمي قادر على امتصاص أي صدمة، وأن ترمب سيتراجع في اللحظة المناسبة قبل وقوع الكارثة. غير أن السيناريو المؤلم الذي ظل محللو النفط يخشونه لعقود بات يقترب. ولن يكون مشهده مطمئنا. استعدوا.

font change

مقالات ذات صلة