تنتظر المنطقة تطورات الاتفاق الأميركي-الإيراني، لكن أصعب الانتظارات وأشدها مرارة هو الانتظار اللبناني، على الرغم من محاولات "حزب الله" تصوير الأمر خلاف ذلك والاستمرار في اختلاق معادلات الصمود والنصر على أنقاض القرى الحدودية وأوجاع ذوي الضحايا وشقاء المهجرين الذين يناهز عددهم المليون في بلد لا يزيد عدد سكانه على الأربعة ملايين بكثير. وهذه نسبة تهجير ضخمة، وتكاد تنافس التهجير السوري المديد طوال أكثر من عقد من الزمن، والذي خلف وقائع ديموغرافية جديدة في سوريا، ولا يزال ملفا مفتوحا على الرغم من انتهاء الحرب. وهذا كله يشكل نموذجا لما قد ينتظر تهجير الجنوبيين في واقع أدهى وأمر في ظل احتلال إسرائيل لحوالي 600 كيلومتر مربع من التراب اللبناني بعمق يتراوح بين 10 و15 كيلومترا.
والأخطر أن هذا الانتظار اللبناني القاسي يحصل في ظل مباشرة إسرائيل جولة تصعيد جديدة في جنوب لبنان، مع شمول إنذارات الإخلاء 114 بلدة وتكثيف الغارات وصولا إلى البقاع، على وقع عودة التهديدات الإسرائيلية بقصف الضاحية الجنوبية لبيروت، وتوسيع الاجتياح إلى نهر الزهراني إلى الشمال من مجرى نهر الليطاني، كما صدرت تلميحات إسرائيلية باستئناف عمليات الاغتيال لقيادات "حزب الله" وعلى رأسهم أمينه العام الشيخ نعيم قاسم. هذا مع العلم أنّ هذا التصعيد الإسرائيلي، ولو كان محدودا زمنيا، ما كان ممكنا لولا الغطاء الأميركي الذي صدرت تسريبات صحافية بشأنه الاثنين، من خلال مسؤولين أميركيين لم تكشف أسماؤهم. وبالتالي يمكن وضع هذا التصعيد في احتمالين مرتبطين بالمفاوضات الأميركية-الإيرانية: إما أن واشنطن تضغط على طهران من خلال الضغط على "حزب الله"، وإما أنها تؤكد الفصل بين المسارين الإيراني واللبناني، ليس فقط من خلال المفاوضات، بل أيضا من خلال القوة العسكرية.


