بات لدى ترمب اتفاقه مع إيران... متى تنخفض أسعار النفط؟

الإجابة معقدة... لكن ذلك لن يحدث هذا الشهر على الأرجح

(رويترز)
(رويترز)
ناقلة النفط "هيلغا" راسية في أحد الموانئ النفطية البحرية جنوب البصرة استعدادا لتحميل النفط الخام، 24 أبريل 2026

بات لدى ترمب اتفاقه مع إيران... متى تنخفض أسعار النفط؟

بعد توصل إيران والولايات المتحدة إلى مذكرة تفاهم لإنهاء الأعمال العدائية المباشرة، ولا سيما في مضيق هرمز المتنازع عليه، يبرز السؤال الأهم: ما السرعة التي يمكن أن تتراجع بها أسعار النفط المرتفعة؟

واصلت أسعار خام النفط القياسية انخفاضها يوم الاثنين عقب أنباء الاتفاق، إذ جرى تداول عقود برنت تسليم أغسطس/آب عند 83 دولارا للبرميل. ولا يزال هذا السعر أعلى بكثير من مستويات الخام القياسي قبل الحرب، لكنه يبقى أدنى بفارق واضح من الأسعار التي تجاوزت 100 دولار للبرميل في ذروة الصراع.

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب الاتفاق في وقت متأخر من يوم الأحد، وكتب على وسائل التواصل الاجتماعي: "يا سفن العالم، شغلي محركاتك. ليتدفق النفط!"، ثم عدل عبارته لاحقا قائلا: "مع فتح المضيق عند توقيع الاتفاق، يوم الجمعة، ولأغراض إزالة الألغام، سيعود تدفق النفط مجددا من كلا الجانبين إلى المنطقة والعالم!".

ويكمن أحد التعقيدات في أن الشروط الدقيقة لمذكرة التفاهم ليست واضحة تماما، ولن تتضح قبل نشرها في وقت لاحق من هذا الأسبوع. وتشير تقارير إلى أن إيران ستسمح بمرور الملاحة عبر المضيق من دون عوائق ومن دون رسوم خلال المفاوضات اللاحقة التي تمتد 60 يوما، لكنها يمكن أن تسعى بعد ذلك إلى فرض رسوم على حركة العبور. غير أن ترمب هدد أيضا باستئناف الأعمال العدائية والحصار الأميركي إذا أبدت إيران تعنتا، ما يبقي الغموض قائما بشأن مدى انفتاح المضيق فعليا وموعد حدوث ذلك.

(رويترز)
سفن شحن في مياه الخليج قرب مضيق هرمز كما تُرى من رأس الخيمة في الإمارات، 11 مارس 2026

غير أن محللي النفط يقولون إن كثيرا من العوامل التي رفعت الأسعار في الأشهر الأخيرة ستواصل، على الأرجح، التأثير في السوق خلال الأشهر المقبلة. ويشمل ذلك إنتاج النفط وتدفقاته ومخزوناته، التي استنزفت بشدة على مدى أكثر من ثلاثة أشهر من الاضطراب الاقتصادي.

يا سفن العالم، شغلي محركاتك. ليتدفق النفط

دونالد ترمب، الرئيس الأميركي

ولنبدأ بالإنتاج. فالمسألة لا تتعلق كثيرا بالأضرار المادية التي لحقت بمنشآت إنتاج النفط في الخليج (محطات الغاز الطبيعي تمثل ملفا مختلفا)، بل بحقيقة أن عددا من كبار المنتجين، ومن بينهم العراق والكويت، اضطروا إلى خفض الإنتاج بعدما تعذر عليهم العثور على ناقلات تنقل الخام المتراكم في خزاناتهم. وتختلف التقديرات، لكن معظم المحللين يرجحون أن ما بين 11 و13 مليون برميل يوميا من إنتاج النفط خرجت من السوق خلال الصراع.

يمكن لجزء كبير من هذا الإنتاج العودة بسرعة نسبية. غير أن المرحلة الأخيرة من التعافي تبدو أكثر تعقيدا، كما أوضح مسؤول نفطي كويتي في مؤتمر استضافه المجلس الأطلسي في واشنطن الأسبوع الماضي. فقد حذر نواف سعود الصباح، الرئيس التنفيذي لمؤسسة البترول الكويتية المملوكة للدولة، من أن ما يصل إلى 4 ملايين برميل يوميا من إجمالي إنتاج النفط والمنتجات البترولية في الخليج، البالغ 20 مليون برميل يوميا، قد يظل متوقفا لأشهر إضافية. وجرى تعويض جزء من هذا النقص، وسيستمر تعويضه، من خلال زيادة الإنتاج النفطي، ولا سيما في الولايات المتحدة وغيانا والبرازيل.

لكن ذلك لا يقترب بأي حال من فائض المعروض الذي كان يضغط على سوق النفط العالمية في نهاية العام الماضي. وكما ذكرت "كلير فيو إنيرجي بارتنرز"، وهي شركة استشارات في مجال الطاقة، في مذكرة بحثية يوم الأحد، فإن "تحقيق توازن إيجابي بين العرض والطلب" قد لا يحدث قبل الجزء الأخير من العام.

أما العقبة الكبرى الأخرى أمام عودة أسواق النفط إلى طبيعتها، فتتمثل في تحميل ناقلات النفط التي لا تزال عالقة، وإعادة الناقلات الفارغة إلى الخليج من مناطق بعيدة من العالم، ثم دفع النوعين إلى العبور بثقة في منطقة كانت حتى نهاية هذا الأسبوع ساحة حرب.

(رويترز)
سفن وناقلات نفط تعبر مضيق هرمز قبالة سواحل مسندم العُمانية، 18 أبريل 2026

وقالت "أكسفورد إيكونوميكس" في مذكرة بحثية يوم الاثنين إن "الإبحار عبر المضيق سيظل أكثر خطورة وأعلى كلفة مما كان عليه قبل الحرب. لذلك، يرجح أن تتعافى التدفقات الفعلية تدريجيا لا فورا، حتى لو استجابت الأسعار بسرعة أكبر للمؤشرات الدالة على وجود اتفاق موثوق لإعادة فتح المضيق".

وكما قال وزير الطاقة الأميركي كريس رايت في مؤتمر الطاقة نفسه الأسبوع الماضي: "أعتقد أن استعادة التدفقات الطبيعية للطاقة ستستغرق أشهرا طويلة".

ما بين 11 و13 مليون برميل يوميا من إنتاج النفط خرجت من السوق خلال الصراع

ومن غير المرجح أن تدفع أنباء الاتفاق الأميركي-الإيراني مالكي السفن والبحارة وشركات التأمين البحري إلى تغيير حساباتهم على الفور. ففي البداية، يجب أن يطمئن كل من يتولى مسؤولية سفينة إلى أن المضيق بات خاليا من الألغام. وبعد ذلك، ينبغي تنظيف الناقلات الموجودة داخله من العوالق، إذ يمكن لأنواع كثيرة من الكائنات أن تنمو على هياكل السفن الراسية ومراوحها عندما تبقى متوقفة ثلاثة أشهر. كما يجب إعادة الناقلات المتفرقة إلى مساراتها، ثم تحميل شحناتها ونقلها إلى أسواق بعيدة.

وذكرت "كلير فيو" في مذكرتها: "من المرجح أن تواصل مخزونات النفط العالمية، المستنزفة أصلا، التراجع ريثما تكتمل إزالة الألغام، وتعود المنشآت إلى العمل، وتسافر الناقلات الفارغة إلى المنطقة". وهدأت أسعار النفط، لكنها لا تزال أعلى بنحو 20 دولارا للبرميل مقارنة بالعام الماضي، علما بأن هذه الأسعار الآجلة تخص تسليمات نهاية الصيف لا التسليمات الحالية. وأضافت "كلير فيو": "يمكن أن يشير ذلك إلى أن المتداولين يعتقدون أن العودة إلى توازنات السوق ومستويات المخزون التي كانت سائدة قبل الأزمة لا تزال تحتاج إلى أشهر، وربما سنوات".

ثم تأتي مسألة السحب من المخزونات. فقد كان من أبرز عوامل امتصاص الصدمة خلال الأشهر الثلاثة الماضية السحب التاريخي الذي لجأت إليه بعض الدول من احتياطياتها النفطية الاستراتيجية، سواء من المخزونات الحكومية أو التجارية. وقد يخف الضغط على الخزانات في يوليو/تموز بعدما أصبح إطار السلام قائما، لكن الضرر وقع بالفعل. ووفق إدارة معلومات الطاقة الأميركية، هبطت مخزونات النفط في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أدنى مستوياتها منذ أكثر من 20 عاما.

وقالت إدارة معلومات الطاقة في توقعاتها قصيرة المدى للطاقة لشهر يونيو/حزيران: "بسبب حجم السحب من المخزونات العالمية، نتوقع أن تبقى أسعار النفط مرتفعة إلى أن تعود تدفقات النفط العالمية إلى مستوياتها الطبيعية وتجري إعادة ملء المخزونات".

(أ.ف.ب)
متداولون في بورصة نيويورك خلال جلسة تداول شهدت تراجعا حادا للأسهم مع ارتفاع أسعار النفط، 10 يونيو 2026

لذلك، ما لم تحدث سلسلة من المفاجآت الكبيرة، كأن يعود المنتجون بسرعة تفوق التوقعات، وتستأنف الناقلات رحلاتها إلى الخليج بلا تردد أو قلق، وتتراجع المخاوف بشأن المخزونات المتراجعة بسرعة، فمن المرجح أن تبقى أسعار النفط مرتفعة بعناد لبعض الوقت. ويشمل ذلك بالتأكيد فترة الستين يوما المخصصة للمحادثات الجدية، بما فيها المحادثات بشأن السبب المعلن للحرب في المقام الأول، وقد يمتد الأمر إلى ما بعد ذلك.

من أبرز عوامل امتصاص الصدمة خلال الأشهر الثلاثة الماضية السحب التاريخي الذي لجأت إليه بعض الدول من احتياطياتها النفطية الاستراتيجية

وهنا يحضر هذا السؤال: لماذا بقيت أسعار النفط مقيدة نسبيا خلال أكبر صدمة طاقة في التاريخ؟ فمع أن أسعار العقود الآجلة للخام لامست أحيانا مستوى 120 دولارا للبرميل، فإنها لم تقترب قط من توقعات السيناريوهات الكارثية التي تحدثت عن 150 أو 200 دولار للبرميل.

تتلخص الإجابة في أربعة عوامل: الصين، وتحويل مسارات الإمداد، والسحب من المخزونات، والتطمينات الكلامية.

فالصين هي أكبر مستورد للنفط في العالم، إذ تستهلك في الأوقات العادية نحو 11 مليون برميل يوميا. غير أن هذا الرقم تراجع إلى أقل بكثير من 8 ملايين برميل، وربما إلى 6 ملايين فقط، بسبب الأزمة في الخليج، حيث تحصل الصين على معظم نفطها. وعوضت بكين هذا الفارق بالسحب من مخزوناتها الضخمة، إذ إن احتياطياتها النفطية، البالغة نحو 1.4 مليار برميل، تفوق بكثير احتياطيات أي دولة أخرى، إلى جانب خفض صادرات المنتجات المكررة. وكان نهج الصين القائم على التحصن سببا في تراجع الطلب، وهو ما ساعد على منع قفزة حادة في أسعار النفط.

وقدمت تحويلات خطوط الأنابيب مساهمة كبيرة أخرى. فقد ضخت السعودية نصف إنتاجها النفطي عبر الصحراء لتفادي قبضة إيران على المضيق، واتخذت الإمارات خطوة مشابهة وإن كانت على نطاق أصغر. وبلغ مجموع ذلك ما يقارب 7 ملايين برميل يوميا لم تكن مضطرة إلى المرور عبر نقطة الاختناق الخاضعة للضغط الإيراني.

وفي الوقت نفسه، ورغم أن الولايات المتحدة تخلت بعد يوم واحد فقط عن مرافقة السفن لفرض فتح المضيق، فإنها ساعدت في إرشاد سفن الشحن وكثير من الناقلات عبر مسار أكثر أمانا لا يخضع لإيران. وتشير أحدث تقديرات مسؤولين أميركيين إلى أن ما يصل إلى 3 ملايين برميل يوميا ربما تسللت خارج المضيق المحاصر من الجانبين، في حركة جرت إلى حد كبير بعيدا عن أنظمة الرصد. فقد أطفأت ناقلات النفط أجهزة الإرسال والاستقبال الخاصة بها، على غرار ناقلات "أسطول الظل" التي تختفي عن الأنظار.

(رويترز)
أسعار البنزين معروضة في محطة وقود بولاية كاليفورنيا الأميركية، 30 أبريل 2026

وكان العامل الآخر الذي ساعد هو الإفراج عن احتياطيات النفط الاستراتيجية، وإن كان ذلك سلاحا ذا حدين. فقد أفرجت الولايات المتحدة واليابان وأوروبا معا عما يصل إلى 2.5 مليون برميل يوميا من المخزونات لتخفيف النقص. لكن المشكلة أن هذه الاحتياطيات، وخصوصا في الولايات المتحدة، ستحتاج إلى إعادة ملئها، ما يعني أن شهورا من الشراء الإضافي ستكون مطلوبة لتعويضها، إلى جانب الطلب العالمي المعتاد على النفط في فصل الصيف.

ضخت السعودية نصف إنتاجها النفطي عبر الصحراء لتفادي قبضة إيران على المضيق، واتخذت الإمارات خطوة مشابهة

وبجمع ما لا يقل عن 3 ملايين برميل يوميا نتيجة تراجع الطلب الصيني، و7 ملايين من خطوط الأنابيب البديلة، و3 ملايين من أساطيل الظل، و2.5 مليون من الاحتياطيات، نقترب من تعويض حركة مرور كانت تبلغ 20 مليون برميل يوميا عبر الخليج قبل الحرب. وهذه هي الأسباب الأربعة التي حالت دون انهيار السوق الفعلية.

أما السر وراء تماسك سوق العقود الآجلة للنفط، وهي أكبر أسواق السلع في العالم حيث يجري يوميا تداول عقود تمتد إلى أشهر مقبلة، وعدم انفجارها، فيكمن في أن ترمب كان يكبح قلق السوق بالكلام كلما بدأت الأسعار تشتعل. فقد طمأن الأسواق مرارا، نحو 40 مرة قبل اتفاق السلام الظاهر في نهاية هذا الأسبوع، بأن الحرب انتهت، وصدقه متداولو النفط في كل مرة.

لم تضف هذه التطمينات الكلامية أي براميل فعلية إلى سوق يزداد شحا، لكنها حالت دون ذعر الأسواق، وأدت دورا نفسيا كبيرا في إبقاء كلفة الحرب السياسية والاقتصادية ضمن حدود يمكن التعامل معها، إلى أن بدأ الواقع أخيرا يقترب مما ظل ترمب يردده.

(أ.ف.ب)
زوارق قطر تنقل ناقلة نفط خام إلى مرساها في ميناء تشينغداو شرقي الصين، 8 يونيو 2026

هذه المرة، لا تأتي التطمينات بأن الحرب انتهت، في الوقت الراهن على الأقل، من ترمب وحده، بل أيضا من الوسيط الباكستاني ومن إيران نفسها، مما يعزز الأمل في صمود هذا الهدوء. وحتى إن اهتزت جبهة السلام، فإن أسعار الطاقة ستظل متماسكة وثابتة.

font change

مقالات ذات صلة