إعفاء النفط الإيراني من العقوبات تنازل أميركي هائل

تخلٍ يمكنه إثراء خصم لواشنطن

(رويترز)
(رويترز)
صورة أقمار صناعية تظهر محطة النفط في جزيرة خرج الإيرانية، 25 فبراير 2026

إعفاء النفط الإيراني من العقوبات تنازل أميركي هائل

يواصل المنتخب الإيراني لكرة القدم تقديم أداء يفوق التوقعات في كأس العالم. ففي 21 يونيو/حزيران، فرض التعادل على بلجيكا، المصنفة تاسعة عالميا، في لوس أنجلوس، ليبقي حظوظه قائمة في بلوغ الأدوار الإقصائية. لكن الإيرانيين يحققون في سويسرا انتصارات أكبر على طاولة المفاوضات. ففي 22 يونيو، اتخذت الخزانة الأميركية خطوة تقلب أربعة عقود من السياسة الأميركية، بإصدار إعفاء من العقوبات يسمح بإنتاج النفط الإيراني وبيعه وتسليمه لمدة 60 يوما. ومن شأن هذه الخطوة أن تمنح النظام الإيراني متنفسا فوريا، ويمكنها إعادة إيران ثرية مع مرور الوقت.

وكانت أميركا قد حظرت على شركاتها شراء النفط الإيراني في عام 1980، ردا على أزمة احتجاز الرهائن في سفارتها بطهران في العام السابق. وفي أوائل العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، أضيفت إلى ذلك الحظر عقوبات ثانوية تهدد المشترين الآخرين بإجراءات أميركية عقابية. علقت تلك العقوبات بموجب الاتفاق النووي الذي أبرمه باراك أوباما في عام 2015، ثم أعيد فرضها بوتيرة أشد عندما مزق دونالد ترمب الاتفاق بعد ثلاث سنوات.

يمضي الإعفاء الأخير إلى ما هو أبعد من كل ما سبقه من تخفيف للعقوبات. فالإعفاء الذي أصدره ترمب، حين كانت الحرب مشتعلة بين البلدين، لم يشمل إلا النفط الإيراني الذي كان قد حمل بالفعل على السفن. أما التراخيص التي منحت في عهد باراك أوباما لدول ثالثة، فكانت مشروطة بأن تواصل تلك الدول تقليص مشترياتها، وهو ما هبط بالصادرات من 2.5 مليون برميل يوميا في عام 2011 إلى 1.5 مليون برميل في عام 2012. وحتى الاتفاق النووي الذي أبرمه أوباما لم يرفع سوى العقوبات الثانوية. أما الترخيص الجديد الذي أصدره ترمب، فلا يفرض أيا من تلك القيود. فقد بات في وسع المصافي الأميركية أن تشتري الخام الإيراني مباشرة، وأن تسدد ثمنه بالدولار، وأن تتسلمه من ناقلات مدرجة على القوائم السوداء، في تراجع مؤقت عن الحظر الأصلي المفروض منذ عام 1979.

(أ.ف.ب)
صورة تظهر جزيرة خرج الإيرانية التي تضم أكبر محطة لتصدير النفط الخام في البلاد، 2 مارس 2026

لماذا تقدم واشنطن هذا التنازل السخي في وقت لم تنتزع فيه المحادثات أي تنازل يذكر من طهران؟ التفسير الأقرب هو رغبة الإدارة في إبقاء المفاوضات قائمة، وبذلك إبقاء مضيق هرمز مفتوحا، رغم تصاعد التوترات مع استمرار الهجمات الإسرائيلية في لبنان. وتقول ميشيل بروهارد، وهي متداولة سابقة تقدم المشورة لوزارة الطاقة الأميركية، إن الإدارة تراهن أيضا على أن تساعد الخطوة في دفع أسعار النفط إلى الانخفاض، وحرمان الصين من الخام الإيراني الرخيص، وردع إيران عن إغلاق المضيق. لكن الأرجح أن أثرها، في الواقع، سيظل محدودا في أفضل الأحوال.

الإعفاء الذي أصدره ترمب حين كانت الحرب مشتعلة لم يشمل إلا النفط الإيراني الذي كان حمل بالفعل على السفن

ويعود ذلك جزئيا إلى أن الخام الإيراني كان قد بدأ يتدفق بقدر أكبر من السهولة بعدما رفعت أميركا حصارها عن الموانئ الإيرانية منذ منتصف يونيو/حزيران. ويقول ديفيد ويك من شركة "فورتيكسا" للبيانات إن صادرات النفط قفزت من مستوى شبه معدوم في مايو/أيار إلى 1.5 مليون برميل يوميا. كذلك زادت عمليات التحميل من جزيرة خرج، محطة التصدير الرئيسة في إيران. ولا تزال طهران بعيدة بعض الشيء عن استعادة متوسطها الشهري البالغ مليوني برميل يوميا قبل الحرب. لكن خام برنت، معيار القياس العالمي، لم يسجل سوى حركة محدودة منذ إعلان تنازل ترمب، في إشارة إلى أن الأسواق كانت وضعت بالفعل زيادة الشحنات الإيرانية في حساباتها قبل صدور الإعفاء.

ولكي ترتفع الصادرات بدرجة ملموسة وتنخفض الأسعار أكثر، ستحتاج إيران إلى العثور على مشترين جدد لنفطها. ففي السنوات الأخيرة، كانت معظم البراميل الإيرانية تذهب إلى المصافي الصينية الصغيرة المستقلة، المعروفة باسم "مصافي أباريق الشاي"، في شمال شرقي الصين. ويقول توم ريد من وكالة "أرغوس ميديا"، المتخصصة في تقارير أسعار الطاقة، إن هذه المصافي "متحمسة للغاية" لاحتمال شراء النفط الإيراني من دون تكبد الكلفة العالية التي كانت تفرضها محاولات إخفاء تلك الصفقات. غير أن قدرتها على زيادة الواردات تبقى محدودة، بعدما اقترب سعر الخام الإيراني من أسعار النفط العماني والإماراتي، ما يقلل الحافز على شراء كميات أكبر بكثير.

أما اجتذاب مشترين آخرين، فيتوقف أولا على اطمئنان المصرفيين وشركات التأمين ومسؤولي الامتثال إلى أن التعامل مع إيران لن يقتصر على مهلة الستين يوما، وأن ترمب لن يسحب الإعفاء فجأة. وتضاف إلى ذلك عقبة أخرى، إذ لا تزال العقوبات الأوروبية والبريطانية قائمة. كما يبقى هاجس السمعة حاضرا، لأن الشراء من إيران يعني، بحسب أمريتا سين من شركة "جوانب الطاقة" (إنيرجي أسبكتس) الاستشارية، ضخ الأموال مباشرة في خزائن النظام الإيراني.

(رويترز)
شعلة غاز تشتعل في أحد حقول سروش النفطية بالخليج، فيما يظهر العلم الإيراني في المقدمة، 25 يوليو 2005

ومن المرجح أن تدفع هذه العقبات كثيرا من العملاء المحتملين إلى التريث. وقد تعود الهند، التي كانت في السابق من كبار مستوردي النفط الإيراني، إلى شراء بعض الكميات. وربما تبدأ اليابان وكوريا الجنوبية، وهما من المشترين المنتظمين حتى أواخر العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، في دراسة العودة إذا استمر الترتيب الحالي بضعة أسابيع، بحسب نادر إتيّم من "أرغوس". أما المشتريات الغربية، فمن المستبعد أن تستأنف قبل التوصل إلى اتفاق دائم.

لكي ترتفع الصادرات بدرجة ملموسة وتنخفض الأسعار أكثر، ستحتاج إيران إلى العثور على مشترين جدد لنفطها

أما رهان واشنطن على إبقاء مضيق هرمز مفتوحا، فلا يبدو أن تخفيف العقوبات يمنحه ضمانة واضحة. فبعد أيام من توقيع ترمب الاتفاق الأولي مع نظيره الإيراني في 17 يونيو، أعلنت إيران إغلاق المضيق مرة أخرى. وعلى الفور، توقفت حركة الملاحة غير الإيرانية، التي كانت بدأت ترتفع بعد التوقيع، حتى في وقت واصلت فيه الشحنات الإيرانية تزايدها. ويبدو أن تلك الحركة تعاود الصعود الآن، لكن التوتر بين أميركا وإيران يتصاعد بدوره. وعلى المدى الأطول، تبقى المخاوف قائمة من أن تسعى إيران إلى فرض رسوم عبور في هرمز، بما يقيّد حركة الملاحة. ففي 22 يونيو، قالت إنها ستتولى "إدارة" الممر المائي، وستنشئ "خطا هاتفيا ساخنا" لتنسيق مرور السفن.

وبذلك، لا يبدو إعفاء العقوبات حتى الآن ذا جدوى كبيرة من الزاوية الأميركية. أما بالنسبة إلى إيران، فهو مكسب واضح، إذ يسرع تعافي صادراتها، ويفتح الباب أمام استئناف الإنتاج الذي كان مقيدا بفعل امتلاء مرافق التخزين. كما أن تخفيف التعقيدات المرتبطة بالشحن والمدفوعات يمنح شركات النفط الإيرانية، ومن ورائها النظام، هامشا أكبر من الربح على كل برميل تبيعه.

(رويترز)
سفن تعبر مضيق هرمز كما تشاهد من محافظة مسندم العُمانية، 16 يونيو 2026

وإذا جرى تمديد الترخيص إلى أجل غير مسمى، كما يتوقع بعض الخبراء، فستتمكن إيران من اجتذاب قاعدة أوسع وأكثر تنوعا من المشترين. ومع مليارات الدولارات التي يمكن أن تضيفها رسوم العبور سنويا، وعودة الأصول المجمدة، فضلا عن صندوق التعويضات البالغ 300 مليار دولار الذي وعد به ترمب، قد تجد إيران نفسها خلال عقد بين أغنى دول الخليج، من دون أن تقدم تنازلات كبيرة في ملفها النووي أو في دعمها لوكلاء يزعزعون الاستقرار، بحسب متداول كبير مطلع على المنطقة. وقد يواجه ترمب معارضة داخلية شرسة إزاء ما سيبدو أقرب إلى استسلام شبه كامل. لكن احتمال الوصول إلى هذه النتيجة يزداد يوما بعد يوم.

font change

مقالات ذات صلة