قناة بنما تزداد أهمية... وتحدياتها تزداد حدة

نعمة الحرب ولعنة الجغرافيا السياسية

(أ.ف.ب)
(أ.ف.ب)
سفينة الحاويات "وان كونتريبيوشن" الرافعة علم طوكيو لدى دخولها قناة بنما، وأفادت هيئة القناة بأن حركة العبور ازدادت بسبب الحرب في الشرق الأوسط، في21 أبريل 2026.

قناة بنما تزداد أهمية... وتحدياتها تزداد حدة

عندما أدت حرب دونالد ترمب مع إيران إلى إغلاق مضيق هرمز للمرة الأولى هذا العام، سرعان ما ظهرت تداعيات ذلك على الجانب الآخر من العالم، فقد قفز الطلب على العبور عبر قناة بنما، الممر المائي البالغ طوله 80 كيلومترا الذي يربط المحيطين الأطلسي والهادئ، ليقترب من طاقتها القصوى، التي تتراوح بين 36 و40 عملية عبور يوميا، وارتفع عدد السفن التي تنقل الوقود عبر القناة ارتفاعا حادا، بعدما اتجهت الدول إلى مصادر الطاقة الأميركية، وكاد عدد شحنات الغاز الطبيعي المسال العابرة للقناة يتضاعف في أبريل/نيسان، مقارنة بالشهر نفسه من العام الماضي.

لا تمر عبر قناة بنما سوى نسبة تتراوح بين 5 و6 في المئة من التجارة البحرية العالمية، وهي حصة تقل عن حصة بعض الممرات البحرية الضيقة الأخرى، مثل مضيق ملقا قرب سنغافورة، لكن أهمية القناة تتزايد بسبب الحرب في الشرق الأوسط والتحولات المستمرة في تدفقات السلع والطاقة، وقد يشكل ذلك نعمة للدولة التي تستضيف القناة، ويبلغ عدد سكانها 4.6 مليون نسمة، شرط أن تتجنب التحول إلى أداة في التنافس بين الصين والولايات المتحدة.

تتنوع السلع التي تمر عبر القناة، من الألعاب والسيارات إلى الأسمدة والفاكهة، غير أن أهميتها بوصفها مسارا لشحنات الطاقة تبدو لافتة بوجه خاص، ويرجع ذلك إلى حد كبير إلى صعود الولايات المتحدة بوصفها دولة مصدرة للغاز الطبيعي المسال وغاز البترول المسال، وأنشئت في القناة عام 2016 البنية التحتية اللازمة لاستيعاب هذه الحركة، وتنقل حاليا نحو مليون برميل من غاز البترول المسال يوميا، يذهب جزء كبير منها من ساحل الخليج الأميركي إلى مصانع البتروكيماويات في آسيا.

(أ.ف.ب)
سفينة شحن تعبر أهوسة كوكولي في قناة بنما، 21 فبراير 2025.

التقت "ذي إيكونوميست" ريكارتي فاسكيز موراليس، مدير القناة، في غرفة تحكم تطل على الممر المائي، ويقول إن هيئة القناة أطلقت في عهده مشروعات بقيمة 8.5 مليار دولار، ويعد أكثرها جرأة خط أنابيب لنقل غاز البترول المسال عبر برزخ بنما، ما قد يرفع قدرتها على نقل شحنات الطاقة بما يصل إلى 2.5 مليون برميل يوميا، وإضافة إلى ذلك، ستوسع محطتان مينائيتان جديدتان القدرة الاستيعابية للحاويات، ويقول إن الهدف هو أن لا تكون بنما مجرد ممر بين محيطين، بل سوقا أوسع للتجارة.

قفز الطلب على قناة بنما حتى لامس سقف الأربعين عبورا يوميا

وقد تساعد الحركة الإضافية الناجمة عن الحرب في الخليج على تمويل تلك المشروعات، فقد بلغت كلفة مواعيد العبور المطروحة في المزاد نحو ثلاثة أمثال متوسطها قبل إغلاق هرمز، إذ تحجز بعض عمليات العبور مسبقا، بينما تطرح الهيئة المواعيد الأشد طلبا في مزادات، وارتفعت الكلفة من 135 ألفا إلى 140 ألف دولار، لتبلغ نحو 385 ألفا إلى 425 ألف دولار في أبريل/نيسان ومايو/أيار، ودفعت إحدى الشركات 4 ملايين دولار مقابل موعد عبور واحد، وفي السنة المالية المنتهية في سبتمبر/أيلول 2025، ضخت القناة نحو 3 مليارات دولار في خزانة بنما، وهو مبلغ قياسي يمثل أكثر من خُمس إيرادات الدولة.

يدرك السيد فاسكيز أن الحظ المواتي الحالي للقناة قد لا يكون سوى "طفرة عابرة"، لكن بعض آثاره قد يستمر، ولا يزال موعد إعادة فتح مضيق هرمز بالكامل غير واضح، في ظل استئناف الضربات بين إيران والولايات المتحدة خلال الأسابيع الأخيرة، وحتى إن أعيد فتحه، فلن تعود أنماط التجارة تماما إلى ما كانت عليه، بحسب باحثين في مصرف غولدمان ساكس.

لكن السيد فاسكيز، وخليفته المعينة إيليا إسبينو دي ماروتا، التي من المقرر أن تتولى المنصب في أكتوبر/تشرين الأول، يواجهان تحديين كبيرين، يتمثل أولهما في هشاشة القناة أمام تغير المناخ، إذ تعتمد الأحواض التي ترفع السفن وتخفضها على مياه بحيرات تتجدد بفعل الأمطار، وأجبر جفاف شديد في عامي 2023 و2024 الهيئة على خفض عدد عمليات العبور اليومية إلى 18 فقط في بعض الأحيان، ودفع ذلك أيضا كثيرا من ناقلات الغاز الطبيعي المسال إلى التحول نحو طريق رأس الرجاء الصالح، رغم أنه يستغرق وقتا أطول، ويقول فرانسيس زايميتز، من الغرفة البحرية في بنما، إن كثيرا منها لم يعد إلى القناة حتى الآن، وقد تسبب ظاهرة النينيو هذا العام اضطرابات مماثلة.

(أ.ف.ب)
بحيرة ألاخويلا التي تغذي أهوسة قناة بنما بالمياه، في محافظة كولون، وقد بلغت أدنى مستوياتها منذ سنوات، فيما أعلنت هيئة القناة زيادة عدد العبور اليومي للسفن رغم استمرار شح المياه، 15 مايو 2024.

ومن هنا يأتي مشروع ضخم آخر بدأ تنفيذه أخيرا، وهو إنشاء خزان على نهر إنديو، من خلال إقامة سد عليه لضمان إمدادات المياه للقناة، وظلت الخطة، التي تعود إلى عقود، معطلة بسبب كلفتها العالية والجدل الذي أثارته، وستؤدي إلى تهجير نحو ألفي شخص، وبعد إقرارها نهائيا في عام 2025، من المقرر أن تبدأ الأعمال العام المقبل، وأن تكتمل بحلول عام 2032.

ويقول السيد فاسكيز إن الخزان سيوفر ما يكفي من المياه لإجراء نحو 11.5 عملية عبور إضافية يوميا خلال سنة تتسم بالجفاف، بما يضمن تشغيل القناة خلال نصف القرن المقبل.

وجدت بنما نفسها في قلب التنافس الأميريكي-الصيني، حين أحيا ترمب مبدأ مونرو الذي يعد الأميركتين حديقة خلفية لواشنطن

لكن المشكلة الأكثر إلحاحا تظل جيوسياسية، فقد وجدت بنما نفسها في الآونة الأخيرة في قلب التنافس بين الولايات المتحدة والصين، ومنذ عودته إلى البيت الأبيض في يناير/كانون الثاني 2025، هدد السيد ترمب مرارا "باستعادة" قناة بنما، التي بنتها الولايات المتحدة وأدارتها من عام 1914 حتى سلمتها إلى بنما لتشغيلها عام 1999، وقد يبدو ذلك مجرد تبجح، لكنه موضوع يعود إليه باستمرار، ففي هذا الشهر، أعاد طرحه علنا خلال خطابين، وشكل هذا الاهتمام صدمة بعد سنوات بدت فيها بنما وكأنها اختفت من حسابات واشنطن، ولم تعين الولايات المتحدة سفيرا لها في بنما بين عامي 2018 و2022.

يشعر السيد ترمب بالقلق حيال أمن سلاسل الإمداد الأميركية، إذ تتجه أكثر من 70 في المئة من حركة المرور في قناة بنما إلى الولايات المتحدة أو تأتي منها، وفي عام 2025، فتحت إدارته تحقيقا في الممرات البحرية الاستراتيجية حول العالم، وينبع اهتمامه أيضا من إحيائه مبدأ مونرو العائد إلى القرن التاسع عشر، الذي يعد الأميركتين حديقة خلفية للولايات المتحدة، وينظر إلى القوى الخارجية باعتبارها غير مرحب بها، وقد قال مرارا إن الصين "تدير" القناة.

يشير السيد فاسكيز إلى أن الشركات الأجنبية لا تدير القناة، لكن بعضها يمتلك امتيازات في المناطق المحيطة بها، ويقول ألونسو إيويكا، وهو محام بنمي، إن الحضور الصيني في بنما ازداد بسرعة خلال الأعوام الأخيرة.

في عام 1996، حصلت شركة موانئ بنما، التابعة لمجموعة "سي كيه هاتشيسون" التي تتخذ من هونغ كونغ مقرا لها، على امتيازات لإدارة ميناء بالبوا عند الطرف المطل على المحيط الهادئ، وميناء كريستوبال عند الطرف المطل على المحيط الأطلسي، كما تمركزت شركات صينية أخرى حول الممر المائي، ويقول السيد إيويكا إن بنما تتعامل في كثير من الأحيان مع الأصول الاستراتيجية باعتبارها ممتلكات عادية قابلة للشراء والبيع، ويزعم بعضهم أيضا أن الشركات الصينية، التي تخضع لاحتياجات "الحزب الشيوعي الصيني" أكثر من خضوعها لسيادة القانون، استطاعت إبرام الصفقات بسهولة أكبر من منافساتها الأميركية في دولة تشتهر بالفساد.

انسحبت بنما من "الحزام والطريق" وألغى قضاؤها امتياز الموانيء لـ"هاتشيسون"، ومقرها هونغ كونغ، فاحتجزت بكين 136 سفينة ترفع العلم البنمي

وأحدث الضغط الأميركي تأثيره بالفعل، ففي يناير/كانون الثاني، قضت المحكمة العليا في بنما بعدم دستورية عقد شركة موانئ بنما، وسلم خوسيه راؤول مولينو، رئيس بنما، الميناءين إلى شركتين أوروبيتين إلى حين طرح عطاءات جديدة، كما انسحبت بنما العام الماضي من مبادرة الحزام والطريق، وهي برنامج الصين الدولي للاستثمار في البنية التحتية، بعد وقت قصير من عودة السيد ترمب إلى البيت الأبيض.

(رويترز)
سفينة "كريمسون ديلايت" لدى عبورها قناة بنما، وتراقب لجنة الملاحة الفيدرالية الأميركية احتجاز الصين سفنا ترفع العلم البنمي، فيما يبدو أنه مرتبط بحكم قضائي بنمي ضد "سي كيه هاتشيسون" التي تتخذ من هونغ كونغ مقرا، 27 مارس 2026.

يشير السيد فاسكيز إلى أن القناة لم تغلق خلال الجائحة، كما لم تغلق بسبب الجفاف أو الاضطرابات الجيوسياسية، ويقول لويس سولا، الرئيس السابق للجنة البحرية الفيدرالية، وهي هيئة تنظيمية مستقلة في واشنطن، إن بنما أدارت القناة بكفاءة هائلة، لكن بنما ومدير القناة سيواجهان صعوبة في اجتياز الأعوام القليلة المقبلة، إذ سيجدان نفسيهما عالقين بين رئيس أميركي يريد مزيدا من السيطرة وحكومة صينية ستضيق الخناق على من يضر بمصالحها.

وبدأت الصين الرد على خطوات بنما الرامية إلى استرضاء السيد ترمب، ففي مارس/آذار، احتجزت الصين في موانئها 91 سفينة ترفع علم بنما من أصل 123 سفينة، ثم ارتفع العدد في أبريل/نيسان إلى 136 سفينة، ويقول مسؤولون أميركيون إن عمليات الاحتجاز لا تبدي أي مؤشر على قرب انتهائها، ويقول السيد إيويكا إن الصين "تحاول إلحاق الأذى ببنما"، وعندما سئل السيد فاسكيز عما يلخص أعوامه السبعة في قيادة القناة، أجاب: "التقلبات"، ويمكن لخليفته أن تتوقع مزيدا منها.

font change

مقالات ذات صلة