إنفانتينو يطرح كأس العالم في سوق المستثمرينhttps://www.majalla.com/node/332282/%D8%A7%D9%82%D8%AA%D8%B5%D8%A7%D8%AF-%D9%88%D8%A3%D8%B9%D9%85%D8%A7%D9%84/%D8%A5%D9%86%D9%81%D8%A7%D9%86%D8%AA%D9%8A%D9%86%D9%88-%D9%8A%D8%B7%D8%B1%D8%AD-%D9%83%D8%A3%D8%B3-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A7%D9%84%D9%85-%D9%81%D9%8A-%D8%B3%D9%88%D9%82-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D8%AA%D8%AB%D9%85%D8%B1%D9%8A%D9%86
بعدما نجح جياني إنفانتينو، رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم، "الفيفا"، في تحويل كأس العالم إلى آلة نقد تطبع المليارات، يبدو أنه قرر الانتقال إلى المرحلة التالية. فبيع تذاكر البطولة، وحقوق البث وغيرها وغيرها من مصادر العوائد، لم يعد كافيا، فمضى نحو بيع حصة من "البطولة" نفسها.
فبعد كأس العالم 2026، الذي حقق إيرادات قياسية تجاوزت 15 مليار دولار بحسب رئيس "الفيفا"، يقترح الاتحاد إنشاء شركة تجارية جديدة باسم "فيفا فورورد إنتربرايز" (FIFA Forward Enterprise) تضم الحقوق التجارية لكأس العالم وكأس العالم للسيدات وكأس العالم للأندية، ثم تبيع نحو 20 في المئة منها لمستثمرين مقابل ما يصل إلى 4.2 مليارات دولار، على أساس تقييم يبلغ 20 مليار دولار، مع احتفاظ "الفيفا" بالسيطرة الكاملة على القرارات الرياضية والتنظيمية.
وإذا وافقت الاتحادات الأعضاء في "الفيفا" ومجلس "الفيفا"، عقب انتهاء عملية المشاورات التي انطلقت في 28 يوليو/تموز 2026، فستكون الشركة التجارية الجديدة شركة تابعة مملوكة وخاضعة لسيطرة "الفيفا"، تتولى توحيد الحقوق التجارية لـ"الفيفا" وإدارة العمليات التشغيلية الخاصة ببطولاته، بحسب موقع الاتحاد.
يقترح "الفيفا" إنشاء شركة تدير الحقوق التجارية لأبرز بطولاته، ثم بيع نحو 20 في المئة منها لمستثمرين مقابل 4.2 مليارات دولار، مع احتفاظه بالسيطرة الكاملة على الجوانب الرياضية والتنظيمية
ستضاف هذه الشركة إلى مجموعة الشركات التابعة التي أنشأها "الفيفا" على مر السنوات، والتي يؤدي كل منها مهام واختصاصات مستقلة ومحددة.
ستتمثل مهمة الشركة في تعظيم القيمة التجارية لهذه الأصول بما يعود بالنفع على الاتحادات الوطنية الأعضاء في "الفيفا" وعددها 211 اتحادا، وعلى كرة القدم عالميا، عبر استثمار فرص تجارية لم تكن مستغلة في السابق. ومع نمو هذه الإيرادات، سترتفع أيضا المخصصات المالية الموزعة على الاتحادات الأعضاء، مما يمنحها موارد أكبر لتطوير اللعبة، وتوسيع قاعدة الجماهير، والاستثمار في البنية التحتية وكرة القدم على مستوى القواعد الشعبية (Grassroots Football).
يرى "الفيفا"، بحسب ما جاء في موقعه، أن العوائد التجارية المتزايدة لكرة القدم لا تصل بالقدر الكافي إلى الاتحادات والبرامج التي تحتاجها، وأن تعظيم هذه العوائد يتطلب إدارة تجارية متخصصة ومكرسة لهذا الهدف، منفصلة عن المهام التقليدية المتمثلة في تنظيم اللعبة وتطويرها. وتستند في ذلك إلى نماذج مطبقة في بطولات مثل الفورمولا 1 والدوريات الأوروبية الكبرى، التي تدير حقوقها التجارية عبر كيانات متخصصة.
ظلال لرئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم "الفيفا" جياني إنفانتينو ورئيس الاتحاد الأوروبي لكرة القدم (يويفا) ألكسندر تشيفرين إلى جانب عبارة "بيع حصة في الفيفا؟" 30 يوليو 2026
وانطلاقا من ذلك، يعتبر "الفيفا" أن إنشاء "فيفا فورورد إنتربرايز" يمثل المرحلة التالية في مسار تحولها المؤسسي، بعد إصلاحات الحوكمة وتوسيع بطولاتها، إذ ستتولى الشركة إدارة الحقوق التجارية والعمليات التسويقية لبطولات الرجال والسيدات والفئات السنية، من خلال إدارة ومجلس إدارة مستقلين، بهدف زيادة الإيرادات وإعادة ضخ جزء أكبر منها في تطوير كرة القدم عالميا.
وقال إنفانتينو: "تتمثل مهمتي كرئيس لـ"الفيفا" في تهيئة الظروف التي تمكّن كرة القدم من الازدهار على مستوى العالم، وبناء قيمة مستدامة يتقاسم الجميع فوائدها. ومن هذا المنطلق، عملنا خلال الأشهر الماضية مع إدارة "الفيفا" على إعداد هذه الفرصة وتقديمها إليكم جميعا، أي الاتحادات الأعضاء الـ211، بحيث لا يستثنى أحد منها. لكن القرار في النهاية يعود إليكم، فهو خياركم أنتم. وانسجاما مع مبادئنا الديمقراطية، لن يمضي هذا المشروع قدماً إلا إذا أيدته غالبية الاتحادات الأعضاء، ورأت أنه الخيار الصحيح، إلى جانب موافقة مجلس "الفيفا" على التعديلات التنظيمية المطلوبة. وإذا اتخذتم هذا القرار، فإنني أتعهد، وأضمن، بتنفيذه بما يخدم مصلحة الجميع".
لماذا يدرس "الفيفا" إدخال مستثمرين خارجيين؟
يقول "الفيفا" إن الاستثمار الخارجي ليس أمرا جديدا على كرة القدم، إذ ضخت مؤسسات وأفراد أموالا في اللعبة منذ احترافها في أوائل القرن العشرين، سواء في الأندية أو الملاعب أو الكيانات التجارية المشابهة للشركة التي يعتزم "الفيفا" إنشاءها حاليا. ويضيف أن المستثمرين الخارجيين يوفرون للمنظمات موارد مالية تمكنها من تنفيذ مشاريع لم تكن قادرة على إنجازها بإمكاناتها الذاتية، مثل بناء البنية التحتية، وتوظيف الكفاءات، وتوسيع أنشطتها.
إعلان في ساحة "تايمز سكوير" التابعة لبورصة نيويورك يروج لبطولة كأس العالم 2026، نيويورك، الولايات المتحدة، 15 يوليو 2026
وبحسب "الفيفا"، فإن إنشاء شركة "فيفا فورورد إنتربرايز"سيتيح للاتحادات الوطنية الأعضاء الاستفادة من هذه المزايا نفسها، عبر توفير موارد إضافية تساعدها على توسيع نطاق ممارسة كرة القدم وتحسين جودتها في بلدانها، من دون أن تتخلى عن دورها الأساس في المشاركة بحوكمة اللعبة وإدارتها على المستوى العالمي.
يبرر إنفانتينو المشروع بأنه سيضاعف الأموال المخصصة لتطوير كرة القدم حول العالم، بينما يرى معارضوه أن اللعبة تحولت من "رياضة الشعوب" إلى "أصل مالي" قابل للتداول في الأسواق
مما لا شك فيه أن "الفيفا" يحاول هنا إعادة تأطير الصفقة بوصفها مشروعا استثماريا عاديا، لا عملية "بيع" لكأس العالم. لذلك يستند إلى ثلاث رسائل رئيسة هي أولا، أن الاستثمار الخاص في كرة القدم ليس سابقة، بل هو امتداد لما حدث تاريخيا في الأندية والملاعب والشركات الرياضية. ثانيا، أن الهدف ليس التخلي عن السيطرة، بل استخدام رأس المال الخاص لتوسيع الإيرادات وتسريع الاستثمار في تطوير اللعبة. وثالثا، أن الاتحادات الوطنية ستظل تحتفظ بحقها في حوكمة "الفيفا"، بينما يقتصر دور المستثمرين على الجانب التجاري.
بمعنى آخر، يسعى "الفيفا" إلى طمأنة الاتحادات بأن المشروع لا ينقل ملكية اللعبة إلى القطاع الخاص، بل ينقل جزءا من القيمة التجارية إلى مستثمرين مقابل توفير تمويل أكبر، مع إبقاء السلطة التنظيمية داخل المؤسسة. غير أن هذا التبرير هو تحديدا ما يرفضه منتقدو المشروع، الذين يرون أن دخول المستثمرين سيجعل القرارات التجارية أكثر تأثيرا في مستقبل البطولات، حتى وإن بقيت السلطة الرسمية بيد "الفيفا".
يبرر إنفانتينو المشروع بأنه سيضاعف الأموال المخصصة لتطوير كرة القدم حول العالم، بينما يرى معارضوه أن اللعبة تحولت من "رياضة الشعوب" إلى "أصل مالي" قابل للتداول في الأسواق.
رئيس الاتحاد الأوروبي لكرة القدم (يويفا) ألكسندر تشيفرين يصافح رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم "الفيفا"، جياني إنفانتينو، خلال المؤتمر العادي الخمسين للاتحاد الأوروبي لكرة القدم، 12 فبراير 2026
ولم يتأخر رد الفعل الأوروبية. فقد اعتبرت "يويفا" أن الخطة "تتجاوز الخط الأحمر"، وقالت إن روح كرة القدم وحوكمتها ليستا سلعة للبيع، محذرة من غياب الشفافية في شأن المستفيدين الحقيقيين من الصفقة.
وتصاعدت الأزمة أكثر بعدما اتفقت الاتحادات الأوروبية الـ55، المنضوية تحت مظلة "يويفا"، على مقاطعة جميع بطولات "الفيفا" إذا مضت المنظمة في مشروعها، معتبرة أن كأس العالم "ليس للبيع".
وترى "يويفا" أن دخول مستثمرين من القطاع الخاص، حتى بحصة أقلية، سيحوّل كرة القدم من رياضة تُدار لمصلحة اللعبة إلى أصل استثماري تُوجَّه قراراته لخدمة عوائد المساهمين، بما قد يؤثر مستقبلاً في روزنامة البطولات وصيغها وتوسعاتها.
كما انتقدت الاتحادات الأوروبية طريقة طرح المشروع، معتبرة أن "الفيفا" صاغه سراً وفرض مهلة قصيرة للتصويت تنتهي في 19 سبتمبر/أيلول، من دون مشاورات حقيقية، وهو ما وصفته بأنه "حوكمة بالإكراه" لا عملية ديمقراطية.
ولم تقتصر الاعتراضات على أوروبا؛ إذ أبدى اتحادا الكونكاكاف والاتحاد الآسيوي تحفظات على غياب الشفافية وآلية اتخاذ القرار، فيما دعا الاتحاد الإفريقي أعضائه إلى دراسة المقترح قبل التصويت. وبذلك لم أصبحت الأزمة تدور حول هيكلة تجارية جديدة كما وتحولت إلى صراع على ملكية وحوكمة كرة القدم العالمية.
والسخرية في المشهد أن "الفيفا" منظمة غير ربحية على الورق، لكنها باتت تتصرف شيئاً فشيئاً كأنها شركة تكنولوجية ناشئة تستعد لجولة تمويل جديدة: بعد بيع حقوق البث، والرعاية، والضيافة، لم يبقَ سوى طرح جزء من كأس العالم نفسه أمام المستثمرين. باختصار، إذا كان المشجع يشتري تذكرة لمشاهدة المباراة، فإن المستثمر قد يصبح قريباً قادراً على شراء حصة من "الحدث" الذي تُلعب فيه المباراة. وهذه، بالنسبة لكثيرين، هي اللحظة التي انتقلت فيها كرة القدم من ملعب العشب إلى وول ستريت.
من سيشتري الحصة؟
ستُباع الحصة المطروحة في "الفيفا" إلى مجموعة مستثمرين دولية متنوعة جغرافياً، حسب ما أعلنه "الفيفا" على أن يقود هذه المجموعة صندوق "ثرايف إيتيرنال" (Thrive Eternal) الذي أسسه جوشوا كوشنر، مؤسس شركة "ثرايف كابيتال" (Thrive Capital)، وهو الشقيق الأصغر لجاريد كوشنر، زوج إيفانكا ترمب وصهر الرئيس الأميركي دونالد ترمب ومستشاره السابق. كما أن الفيفا" أعلن أنه يعمل مع "جاي بي مورغان" (J.P. Morgan) مستشاراً مالياً للصفقة.
وتشير تقارير صحفية إلى أن مجموعة المستثمرين لم تُشكّل بعد بشكل نهائي، لكن من المتوقع أن تضم مؤسسات استثمارية كبرى وصناديق ثروة سيادية، مثل "سي في سي كابيتال بارتنرز" (CVC Capital Partners) و"آريس" (Ares) و"بلاكستون" (Blackstone) و"أبولو جلوبال مانجمنت" (Apollo Global Management) و"كاي كاي آر" (KKR) قد تكون من بين المهتمين. وتقول تقارير إعلامية أن صناديق من مناطق جغرافية متنوعة قد تكون مهتمة بهذه الصفقة.
جدلية كبرى تلاحق إنفانتينو
جاءت هذه الصفقة لتتوج جدلية كبيرة تلاحق إنفانتينو. بداية مع العلاقة الشخصية المتنامية بين إنفانتينو وترمب. فخلال السنوات الأخيرة كثّف إنفانتينو لقاءاته ترمب، وزاره في البيت الأبيض، وشارك في مناسبات سياسية، كما وصفه ترمب بأنه "أكثر شخصية تحظى بالاحترام في الرياضة"، بينما وصف إنفانتينو ترمب بأنه "صديق عظيم". وخلال كأس العالم 2026 جلسا معاً في النهائي، وقدم ترمب الكأس للفائز بدعوة من إنفانتينو.
ستباع الحصة المطروحة إلى مجموعة مستثمرين دولية يقودها صندوق تابع لجوشوا كوشنر، شقيق جاريد كوشنر، صهر الرئيس الأميركي دونالد ترمب
وكانت تصاعدت الانتقادات بعدما أكد ترمب أنه طلب من إنفانتينو إعادة النظر في إيقاف المهاجم الأميركي فولارين بالوغون خلال كأس العالم، قبل أن يقرر "الفيفا" تعليق العقوبة، وهو ما أثار اتهامات بتدخل سياسي في قرارات رياضية مستقلة.
الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم "الفيفا"، جياني إنفانتينو، خلال مراسم تسليم الكأس عقب المباراة النهائية، 19 يوليو 2026
وقد نفى "الفيفا" أن يكون ترمب قد أثر في القرار، لكن الواقعة أصبحت رمزا للعلاقة الوثيقة بين الطرفين.
بالإضافة إلى ذلك، تعالت الاتهامات بانتهاك الحياد السياسي. إذ تقدمت منظمة "فيرسكوير" (FairSquare) بشكاوى إلى لجنة أخلاقيات "الفيفا" ثم إلى اللجنة الأولمبية الدولية، معتبرة أن إنفانتينو أخل بمبدأ الحياد السياسي من خلال دعمه العلني والمتكرر لترمب. وعلى الرغم من أن اللجنة الأولمبية رفضت النظر في الشكوى لأسباب تتعلق بالاختصاص، فإن القضية زادت الجدل حول تسييس "الفيفا".
من ثم جاءت صفقة البيع. وعلى الرغم من أن جوشوا كوشنر معروف بدعمه للحزب الديمقراطي، فإن وسائل إعلام ومراقبين رأوا أن ارتباط الصفقة بعائلة كوشنر سيزيد التساؤلات حول تقاطع المصالح بين "الفيفا" والدائرة المقربة من ترمب.