خلال الأسابيع الماضية، شهدت ليبيا سلسلة تفاعلات سياسية متلاحقة، امتدت ارتداداتها من الولايات المتحدة إلى شرق البحر المتوسط. وكانت الشرارة مصادقة مجلس النواب الليبي في 20 أكتوبر/تشرين الأول 2026، المنعقد في شرق البلاد، على الاتفاق البحري بين ليبيا وتركيا.
تمنح هذه المصادقة أنقرة أساسا قانونيا للشروع في تنفيذ اتفاقات أخرى أبرمتها مع الحكومة الليبية، أبرزها إجراء مسوحات زلزالية في عدد من القطاعات البحرية لاستكشاف موارد النفط والغاز. وقد يقود ذلك إلى مواجهة مع مصر، إذ تشمل عمليات المسح مياها متنازعا عليها قرب الحدود البحرية الليبية-المصرية.
كما تعزز المصادقة موقف تركيا في الدفاع عن مطالبها الواسعة بشأن تقسيم المناطق الاقتصادية في البحر المتوسط، في مواجهة المطالب اليونانية التي لا تقل عنها اتساعا، مما يثير احتمال تجدد المواجهة العسكرية بين البلدين، على غرار ما حدث عام 2020.
وهكذا تجد ليبيا نفسها، من خلال اتفاق السلطات في شرق البلاد، منخرطة في صراع إقليمي أوسع، تقف فيه تركيا في مواجهة الاتحاد الأوروبي وإسرائيل. ويزداد المشهد تعقيدا بعدما تعاقدت اليونان مع شركة "شيفرون" الأميركية للتنقيب في مياه جنوب جزيرة كريت، وهي مياه تطالب ليبيا بحقوق فيها. وقد تستدرج محاولات تنفيذ الاتفاق الولايات المتحدة إلى النزاع، في ظل إدارة تتبنى سياسات حمائية، وتزعزع التوازنات القائمة، ويصعب التنبؤ بقراراتها، خصوصا حين يتعلق الأمر بمصالحها الإقليمية واستراتيجيتها في مجال الطاقة.
تفاعلات متسلسلة في ليبيا
نادرا ما تجري الأحداث في ليبيا بمعزل عن الضغوط الجيوسياسية التي تحكم المشهد الراهن.
فقد سبقت المصادقة مناورة سياسية أطاحت برئيس مجلس النواب السابق عقيلة صالح، الذي ارتبط بعلاقات وثيقة مع القاهرة، وظل سنوات يعطل إقرار الاتفاق لما قد يلحقه بالمصالح المصرية من أضرار، وما قد يسببه من اختلال في التوازنات الدولية التي استقرت في ليبيا، والتي كان بقاؤه في منصبه يعتمد عليها إلى حد بعيد.



