اتفاق شرق ليبيا وتركيا... خطوة تعيد ترتيب أوراق الصراع على نفوذ المتوسط

تقارب صدام حفتر مع أنقرة يعيد خلط أوراق النفوذ في ليبيا

رويترز
رويترز
مقاتل من قوات المعارضة يظهر خلف علم المملكة الليبية قرب خط المواجهة عند البوابة الغربية لمدينة أجدابيا، في 18 أبريل 2011

اتفاق شرق ليبيا وتركيا... خطوة تعيد ترتيب أوراق الصراع على نفوذ المتوسط

خلال الأسابيع الماضية، شهدت ليبيا سلسلة تفاعلات سياسية متلاحقة، امتدت ارتداداتها من الولايات المتحدة إلى شرق البحر المتوسط. وكانت الشرارة مصادقة مجلس النواب الليبي في 20 أكتوبر/تشرين الأول 2026، المنعقد في شرق البلاد، على الاتفاق البحري بين ليبيا وتركيا.

تمنح هذه المصادقة أنقرة أساسا قانونيا للشروع في تنفيذ اتفاقات أخرى أبرمتها مع الحكومة الليبية، أبرزها إجراء مسوحات زلزالية في عدد من القطاعات البحرية لاستكشاف موارد النفط والغاز. وقد يقود ذلك إلى مواجهة مع مصر، إذ تشمل عمليات المسح مياها متنازعا عليها قرب الحدود البحرية الليبية-المصرية.

كما تعزز المصادقة موقف تركيا في الدفاع عن مطالبها الواسعة بشأن تقسيم المناطق الاقتصادية في البحر المتوسط، في مواجهة المطالب اليونانية التي لا تقل عنها اتساعا، مما يثير احتمال تجدد المواجهة العسكرية بين البلدين، على غرار ما حدث عام 2020.

وهكذا تجد ليبيا نفسها، من خلال اتفاق السلطات في شرق البلاد، منخرطة في صراع إقليمي أوسع، تقف فيه تركيا في مواجهة الاتحاد الأوروبي وإسرائيل. ويزداد المشهد تعقيدا بعدما تعاقدت اليونان مع شركة "شيفرون" الأميركية للتنقيب في مياه جنوب جزيرة كريت، وهي مياه تطالب ليبيا بحقوق فيها. وقد تستدرج محاولات تنفيذ الاتفاق الولايات المتحدة إلى النزاع، في ظل إدارة تتبنى سياسات حمائية، وتزعزع التوازنات القائمة، ويصعب التنبؤ بقراراتها، خصوصا حين يتعلق الأمر بمصالحها الإقليمية واستراتيجيتها في مجال الطاقة.

تفاعلات متسلسلة في ليبيا

نادرا ما تجري الأحداث في ليبيا بمعزل عن الضغوط الجيوسياسية التي تحكم المشهد الراهن.

فقد سبقت المصادقة مناورة سياسية أطاحت برئيس مجلس النواب السابق عقيلة صالح، الذي ارتبط بعلاقات وثيقة مع القاهرة، وظل سنوات يعطل إقرار الاتفاق لما قد يلحقه بالمصالح المصرية من أضرار، وما قد يسببه من اختلال في التوازنات الدولية التي استقرت في ليبيا، والتي كان بقاؤه في منصبه يعتمد عليها إلى حد بعيد.

تجد الدول التي اعتادت التدخل في الشأن الليبي، ولا سيما القوى المتوسطية، نفسها أمام نتائج سياساتها. فقد أمضت سنوات تسعى إلى مكاسب قصيرة الأجل، أو توظف وكلاء محليين لخدمة مصالحها

غير أن رئاسة صالح، التي امتدت اثني عشر عاما، انتهت في مطلع أكتوبر/تشرين الأول، ليحل محله الصالحين عبد النبي العبيدي، في خطوة دبرها صدام حفتر، الحاكم الفعلي لشرق ليبيا.

وتكتسب هذه الإطاحة أهمية خاصة في السياق الليبي. فرئاسة البرلمان، التي تقتصر في معظم دول العالم على مهام إدارية وتنظيمية، تحولت في عهد عقيلة صالح إلى مركز القرار الفعلي داخل مجلس النواب، بعدما احتكر سلطة التصويت والتمرير.

وقد ترسخ هذا الوضع على مدى سنوات، في ظل تغاضي الأمم المتحدة والدبلوماسيين الأجانب عن ممارسات صالح المنافية للأعراف الديمقراطية، كلما اقتضت مصالحهم ذلك. وشملت تلك الممارسات إجراء تصويتات من دون اكتمال النصاب، بل واختلاق نتائج بزعم تلقي أصوات النواب عبر تطبيق واتساب.

وسار الرئيس الجديد على النهج نفسه، فأجرى تصويتا مغلقا على قضية طُلب منه إعطاؤها الأولوية، وأُعلن أن النتيجة التي أرادها صدام حفتر حظيت، وفق الرواية المتداولة، بموافقة بالإجماع.

ويمثل ذلك مكسبا لمساعي حفتر الابن للوصول إلى رئاسة ليبيا أو فرض نفسه حاكما فعليا للبلاد بأسرها. ورغم أن تمكينه بات هدفا للدبلوماسية الأميركية والمسار الذي ترعاه الأمم المتحدة، ويحظى بدعم أطراف دولية من الإمارات إلى روسيا وفرنسا، فإن المشروع لا يزال يصطدم بعقبة أساسية: رفض كثير من الليبيين، ولا سيما في غرب البلاد الأكثر كثافة سكانية، الخضوع لحكمه.

أ.ف.ب
صدام حفتر خلال حضوره عرضا عسكريا في بنغازي

ويبدو أن حفتر الابن يسعى إلى استمالة أنقرة بإظهار قدرته على خدمة مصالحها. فمن خلال تأمين المصادقة التي طال انتظارها على الاتفاق البحري، إلى جانب الصفقات التجارية والشراكات العسكرية، يأمل في أن تستخدم تركيا نفوذها في غرب ليبيا لتمهيد الطريق أمام صعوده إلى السلطة.

وتعزز الحملة الإعلامية التي تقودها مكاتبه ووسائل الإعلام الموالية له هذا التفسير للأحداث. فهي تصور المصادقة خطوة تنم عن حنكة سياسية وحرص على المصلحة الوطنية، وتندرج ضمن مساعيه لتمثيل ليبيا موحدة. غير أن هذه الرواية تدعم الاعتقاد بأن القرار يخدم طموحاته السياسية، أكثر مما يعبر عن إرادة سيادية لبرلمان مستقل.

ويتأكد هذا الانطباع مع سعيه، عبر مجلس النواب، إلى فرض محافظ جديد للمصرف المركزي، بالتزامن مع اجتماع عقد في أنقرة لدفع هذا التصور المشوه لتوحيد البلاد.

انفجار الأزمة خارج الحدود الليبية

تجد الدول التي اعتادت التدخل في الشأن الليبي، ولا سيما القوى المتوسطية، نفسها أمام نتائج سياساتها. فقد أمضت سنوات تسعى إلى مكاسب قصيرة الأجل، أو توظف وكلاء محليين لخدمة مصالحها، لتكتشف فجأة، وبصورة قاسية، صدق البيت الشعري الشهير: "... يا لها من شبكة معقدة ننسجها حين نبدأ بممارسة الخداع".

وجاء رد فعل اليونان وحلفائها الأوروبيين غاضبا، كما كان متوقعا. فقد توالت البيانات التي حملت تركيا المسؤولية، ووصفت الاتفاق بأنه "باطل ولاغ" ومخالف للقانون الدولي. غير أن هذا الموقف يكشف محدودية قدرتهم على التأثير، ويتجاهل دورهم في تهيئة الظروف التي أفضت إلى هذه النتيجة، وإجهاض البدائل الممكنة، فضلا عن أوجه القصور في حججهم.

من المستبعد أن تشهد الأوضاع البحرية تغييرا كبيرا في المدى القريب. فمعظم المناطق التي تعتزم مؤسسة البترول التركية إجراء مسوحات استكشافية فيها تقع ضمن المياه الليبية

فقد أدت اليونان وفرنسا، رغم تقاليدهما الديمقراطية الراسخة، دورا محوريا في إعادة الاعتبار السياسي لعائلة حفتر داخل ليبيا، وتحسين مكانتها الدولية، وحمايتها من المساءلة عقب هزيمة حفتر في حرب طرابلس.

وكانت تلك الحرب نتيجة محاولة سابقة لتمكين حفتر من بسط سلطته على ليبيا بأكملها، وانتهت إلى ترسيخ الوجودين الروسي والتركي في البلاد. كما أفضت إلى التوقيع الأول على الاتفاق البحري بين تركيا والحكومة الليبية، مما دفع اليونان ودولا أوروبية أخرى إلى العودة لسياسة تعزيز نفوذ حفتر، سعيا إلى إضعاف حكومة طرابلس، وتمهيد الطريق لصعود رجل قوي، وحشد المعارضة للنفوذ التركي في غرب ليبيا.

والمفارقة أن هذه الدول نفسها كانت قد أسهمت، حين انتهجت السياسة ذاتها في مرحلة سابقة، في تهيئة الظروف التي سمحت لتركيا بتعزيز حضورها هناك. وهو ما يكشف عن خلل مزمن في السياسة الخارجية الأوروبية، يتمثل في تغليب الحسابات التكتيكية قصيرة الأجل على الرؤية الاستراتيجية.

ومع ذلك، ظل التفاؤل الأوروبي قائما، حتى بعدما أصبحت عائلة حفتر أكثر اعتمادا على روسيا، واستغلت تدفقات المهاجرين للضغط على أثينا ودول أخرى في جنوب القارة. وكما كان متوقعا، خرج الحاكم المستبد الذي ساعد الأوروبيون على صعوده عن سيطرتهم، وبات يتعاون مع خصومهم لتحقيق مصالحه على حساب مصالحهم.

وتواجه مصر مأزقا مشابها، بعدما أدت دورا رئيسا في حماية حفتر إثر إخفاقه العسكري عام 2019، وكان أحد دوافع ذلك مواجهة النفوذ التركي في ليبيا، الذي أسهمت سياسة القاهرة الداعمة لحفتر نفسها في تعزيزه.

أ.ف.ب
مصفاة نفط في مدينة رأس لانوف شمالي ليبيا، في 3 يونيو 2020

ورغم تعارض الاتفاق البحري مع التصور المصري لترسيم الحدود، واحتمال شروع مؤسسة البترول التركية في إجراء مسوحات استكشافية في المياه المتنازع عليها، فإن خسارة القاهرة لحليفها عقيلة صالح تبدو أكثر إزعاجا، لما تفرضه من صعوبات إضافية على مساعيها للحفاظ على علاقات جيدة مع مختلف الأطراف.

فالعلاقات المصرية-التركية تشهد تحسنا، كما أن المصالح المشتركة في استغلال احتياطيات الغاز تتيح مجالا للتوصل إلى تفاهم بشأن الخلافات البحرية. أما التحدي الأصعب بالنسبة إلى القاهرة، فيكمن في الحفاظ على نفوذها داخل ليبيا، وتوثيق علاقاتها مع حكومة طرابلس ومراكز القوى الأخرى في شرق البلاد، تعويضا عن خسارة صالح.

وسيكون على مصر أيضا تجنب الانجرار إلى العداء المتصاعد بين اليونان وأوروبا وإسرائيل من جهة، وتركيا من جهة أخرى، في وقت تحتاج فيه إلى المحافظة على علاقات جيدة مع الجميع.

أما الولايات المتحدة، فتبدو راضية في الوقت الراهن عن البقاء على مسافة من هذه التطورات، انطلاقا من تقدير استراتيجي يرى أن الخطوة الأخيرة تخدم أهدافها في ليبيا. غير أن قدرة الإدارة الأميركية، المعروفة بتقلب مواقفها، على مواصلة هذا النهج المتحفظ تبقى موضع شك.

فاللوبي اليوناني القوي في واشنطن، واحتمال تعرض مصالح شيفرون للخطر، فضلا عن النفوذ الإسرائيلي، عوامل قد تدفع الإدارة الأميركية إلى الحد من تداعيات الاتفاق. ويضاف إلى ذلك أن تطوير تركيا قدراتها المستقلة في إنتاج الطاقة يتعارض مع الرؤية الأميركية الرامية إلى الاحتفاظ بموقع مؤثر في منظومة إمدادات الطاقة إلى أوروبا عبر المتوسط.

وتحمل هذه التطورات تحذيرا لأنقرة. فتقلب مواقف من يقدمون أنفسهم حكاما أقوياء، وصعوبة تنفيذ الاتفاقات في بلد منقسم مثل ليبيا، يشيران إلى أن تركيا لم تفرض أمرا واقعا نهائيا، وإنما فتحت فصلا جديدا من الصراع والانقسام.

تداعيات الاتفاق البحري الليبي التركي على صراع النفوذ والطاقة 

رغم ردود الفعل الصاخبة التي أثارتها المصادقة، فمن المستبعد أن تشهد الأوضاع البحرية تغييرا كبيرا في المدى القريب. فمعظم المناطق التي تعتزم مؤسسة البترول التركية إجراء مسوحات استكشافية فيها تقع ضمن المياه الليبية، فيما تبقى فرصة للتفاوض مع مصر بشأن المنطقة الوحيدة الواقعة خارج هذا النطاق. ونظرا إلى البطء المعتاد في تقدم مشاريع التنقيب، لا تبدو المسألة ملحة حاليا.

حماية المصالح في ليبيا، والحد من قدرتها على زعزعة الاستقرار، يقتضيان التخلي عن لعبة الوكلاء والحسابات قصيرة الأجل، وتوظيف الرصيد السياسي المتاح في بناء دولة مستقرة ذات سيادة

وتسعى الحكومة اليونانية إلى فتح حوار مع ليبيا لتسوية الخلاف بشأن المياه الواقعة جنوب جزيرة كريت، وهو هدف أكثر تحديدا وأيسر إدارة من المطالبة بإلغاء الاتفاق برمته. غير أن إخفاق المساعي الدبلوماسية قد يشعل مواجهة حول منطقتين بحريتين جنوب كريت، تجري فيهما بالفعل شركتا "شيفرون" و"هيلينيك إنرجي" أعمال المسح والاستكشاف.

وقد يتكرر عندئذ مشهد المواجهة الذي شهدته المياه قبالة قبرص عام 2020، حين أرسلت تركيا سفنا حربية لعرقلة مشاريع في مناطق بحرية متنازع عليها، مما أفضى إلى مواجهة مع فرنسا.

رويترز
مصنع الحديد والصلب الذي تعمل شركة "توسيالي صُلب لصناعات الحديد والصلب" على إنشائه في بنغازي، ليبيا، وهو مشروع مشترك بين مجموعة "توسيالي" التركية والشركة الليبية المتحدة لصناعة الحديد والصلب، في 9 سبتمبر 2026

لكن التداعيات الأكثر إلحاحا تبقى سياسية. فهذه الخطوة تعمق الانقسام الجيوسياسي بين إسرائيل واليونان وقبرص من جهة، وتركيا من جهة أخرى، وقد تفضي إلى تطورات تتجاوز قطاع الغاز، وتمتد آثارها إلى ساحات إقليمية متعددة، من الشرق الأوسط إلى القرن الأفريقي.

وقد ترتد هذه التداعيات على ليبيا نفسها. فبينما يعتقد صدام حفتر أنه نجح في فرض أمر واقع، لا تزال حكومة طرابلس تحتفظ بثقل سياسي مهم، باعتبارها الطرف الليبي الموقع على الاتفاق مع تركيا، وهو ما يحول دون تخلي أنقرة عنها بسهولة.

ومن مصلحة تركيا أن تستخلص العبرة من تجارب اليونان وفرنسا ومصر وغيرها. فإذا تمكن صدام حفتر من بسط نفوذه على طرابلس، فقد تجد أنقرة نفسها فجأة خارج ترتيبات السلطة، وقد تتعرض مصالحها للتهميش، تماما كما حدث للقوى التي راهنت عليه من قبل.

والدرس الذي يمكن استخلاصه من هذا المشهد هو أن حماية المصالح في ليبيا، والحد من قدرتها على زعزعة الاستقرار، يقتضيان التخلي عن لعبة الوكلاء والحسابات قصيرة الأجل، وتوظيف الرصيد السياسي المتاح في بناء دولة مستقرة ذات سيادة، قادرة على الاضطلاع بدور الشريك المسؤول في علاقاتها الإقليمية والدولية.

font change

مقالات ذات صلة