لبنان يرقص على إيقاعين ساخنين في رأس السنة

سهر في المقاهي والملاهي شمال بيروت... وقصف متبادل ورعب في الجنوب

EPA
EPA
خلال افتتاح السوق الميلادي في بنشعي شمال لبنان.

لبنان يرقص على إيقاعين ساخنين في رأس السنة

لطالما اشتهرت بيروت بكونها واحدة من أبرز عواصم السياحة في الشرق. ويعد السهر تراثا لبنانيا عريقا، وقد نجح لبنان دوماً في تجاوز الحروب وآثارها، والتغلب على الأزمات السياسية التي لا تنفك تستولد نفسها، وتحول دون تطور القطاع السياحي الحيوي، وأحد الشرايين الأساسية في الدورة الاقتصادية.

ترتكز الدورة الاقتصادية اللبنانية على عمودين أساسيين: التدفقات المالية للعملات الأجنبية وقطاع الخدمات. ويعتبر القطاع السياحي وضمنه المطاعم والملاهي من أهمها، حيث تتنوع أنماط السهر وأنواعه وأشكاله؛ من الحانات والملاهي الليلية وعلب الموسيقى الإلكترونية الصاخبة لمحبي الرقص والصخب، الى الموسيقى الشرقية والحفلات الغنائية لمحبي الطرب، وصولا الى الأمسيات الهادئة للباحثين عن الهدوء ترويحا عن أنفسهم بعد عناء يوم عمل طويل.

تأثر هذا القطاع بالأزمة الاقتصادية والمعيشية التي يعاني منها لبنان منذ خريف 2019، ولا سيما بعد انهيار القطاع المصرفي والليرة وانفجار مرفأ بيروت وجائحة كوفيد 19. لكنه بقي محافظاً على وهجه معتمداً على عشق الشعب اللبناني في غالبيته للسهر مهما كلف الثمن. وفي الموسم الصيفي، نجح قطاع الخدمات بكل فئاته، خصوصا السهر، في تحقيق قفزة نوعية فاقت التوقعات.

بيد أن حرب الإبادة الإسرائيلية على غزة، وارتدادتها على الحدود اللبنانية الجنوبية، وجهت ضربة قوية الى النهضة الوليدة، وجعلت القطاع السياحي يترنح نسبياً بعد جرعة الأوكسيجين الصيفية الأخيرة، ومن ضمنه قطاع السهر، وإن كان يبدو أقل تأثراً.

تفيد أرقام وزارة السياحة والأمن العام، أن عدد السائحين بلغ في الأشهر الـ10 الأولى لعام 2023 نحو 4 ملايين زائر، وهو رقم مرتفع قياساً الى عدد سكان لبنان المقدر بنحو 6 ملايين نسمة

مناخات الحرب... عود على بدء

خلال شهري أكتوبر/تشرين الأول، ونوفمبر/تشرين الثاني، بدت العاصمة بيروت كأنها في يوم إجازة طويل، حيث تراجعت زحمة سياراتها وناسها الى الحدود الدنيا. فالاشتباكات على الحدود جنوبا، وعدّاد القتلى الآخذ في الارتفاع، وأعداد النازحين التي تجاوزت الـ50 ألفاً، ذلك كله جعل لبنان يعيش أجواء الحرب، مع ترقب الأسوأ، لجهة الإمدادات الغذائية وسلاسل التوريد.

في مثل هذه الأجواء، من البديهي أن تتأثر كل القطاعات الإنتاجية، وفي طليعتها قطاع السياحة. وأظهرت مؤشرات هذين الشهرين تراجعاً كبيرا في الحركة السياحية، حيث تدنت نسبة الإشغال الفندقي في بيروت الى 5 في المئة فقط، مما اضطر العديد من الفنادق الى تسريح عشرات الموظفين، مع ما لذلك من تداعيات سلبية في بلد يعاني من نسب بطالة مرتفعة.

تقول وكالة "ستاندرد آند بورز غلوبال" في تقريرها الصادر في نوفمبر/تشرين الثاني إن "الضرر الأكبر من الحرب الدائرة في غزة سيطال مصر والأردن ولبنان، بسبب قرب هذه البلدان الجغرافي، واحتمال توسع نطاق الصراع عبر حدودها". وبحسب تقرير الوكالة، فإن لبنان هو الأكثر اعتماداً على السياحة ما بين مصر والأردن، وحتى إسرائيل نفسها، حيث يمثل هذا القطاع نحو 26 في المئة من إيرادات الحساب الجاري. ويشير التقرير الى أن قطاع السياحة "يوفر فرص عمل لنحو 20 في المئة من السكان، وهو قطاع مهم وحيوي، نظراً الى معدلات البطالة التي تبلغ نحو 30 في المئة".

وتفيد أرقام وزارة السياحة والأمن العام، أن عدد السائحين بلغ في الأشهر الـ10 الأولى لعام 2023 نحو 4 ملايين شخص. وهو رقم مرتفع قياساً الى عدد سكان لبنان المقدر بنحو 6 ملايين نسمة، وكذلك بالمقارنة مع أرقام السنوات السابقة. شكل المغتربون 61.4 في المئة من العدد الإجمالي للزائرين، فيما شكل العرب والأجانب 38.6 في المئة.

تنشط في هذا القطاع 8500 مؤسسة دائمة على مدار السنة، و4500 مؤسسة موسمية (مواسم الاصطياف والبحر)، كما أخبرنا نائب رئيس نقابة "أصحاب المطاعم والمقاهي والملاهي والباتيسري" خالد نزهة الذي قال لـ"المجلة"إن هذا القطاع "يشغّل نحو 160 ألف لبناني بشكل دائم، بالإضافة الى نحو 45 ألفا من الموظفين والعمال الموسميين"، مذكرا بأن "القطاع عانى من آثار الازمات المتتالية، من انهيار الليرة اللبنانية وانفجار مرفأ بيروت وجائحة كوفيد-19 واحتجاز أموال اللبنانيين في المصارف، وهذا ما أدى الى إقفال نحو 50 في المئة من المؤسسات".

لكن الموسم الصيفي حمل بشائر مفرحة، "حيث عادت الكثير من المؤسسات التي أقفلت، وفتحت أبوابها من جديد. علاوة على افتتاح ما يزيد على 250 مؤسسة جديدة. ونجح القطاع في توفير نحو 30 ألف وظيفة جديدة. وكان هناك نحو 30 مؤسسة تتحضر للافتتاح بعدما أنهت أعمال الديكور وسائر الاستعدادات، إلا أن الحرب في غزة جمدت كل شيء".

REUTERS
زينة عيدي الميلاد ورأس السنة وسط بيروت في 26 ديسمبر/ كانون الأول.

السهر والسمر ميزة لبنانية

أما في قطاع السهر، فالاعتماد خلال السنة، بحسب خالد نزهة، هو على اللبناني المقيم. ذلك أن اللبناني عاشق بطبعه للسهر، إذ يرى فيه المتنفس للخروج من آثار الأزمات واليوميات، لافتاً الى "حصول تراجع كبير في قطاع السهر ما بين 65 الى 80 في المئة تحت تأثير الحرب الأخيرة منذ أكتوبر/تشرين الأول. وهذا مؤشر مخيف، نظراً للتكاليف التشغيلية الكبيرة". لكن هذا التراجع يتفاوت بحسب المناطق وقربها من أماكن التوتر والاشتباكات، فـ"التراجع الأكبر هو في مناطق الجنوب مثل مدينة صور وكذلك صيدا، وكلما ابتعدنا أكثر عن خطوط النار تراجعت وتيرة التأثر في أماكن السهر". وفي العموم، أصاب تأثير الحرب كل أماكن السهر في بيروت وجونيه وزحلة، قبل ان تعود فتتحسن في تلك المناطق مع التطورات العسكرية "المنضبطة" في الجنوب.  

في بيروت، حيث أماكن السهر الكثيرة والمتنوعة والعريقة، مثل حانات شارع الحمرا الشهير، ومقاهي الروشة، وملاهي ومقاهي الجميزة ومار مخايل في الأشرفية، وشارع بدارو، انحسرت نسبة الساهرين بشكل كبير خلال أيام الأسبوع في الفترة الأخيرة، مع بقاء أجواء السهر حاشدة وقوية في ليلتي عطلة نهاية الأسبوع (ليلة الجمعة، وليلة السبت)، إنما من دون برامج فنية بارزة.

مدينة البترون، التي يلقبها البعض بـ"ميكونوس لبنان"، والتي رشحها وزير السياحة كي تكون عاصمة السياحة العربية، شهدت فورة سياحية هائلة، وخصوصا على صعيد قطاع السهر

"ميكونوس لبنان" تأثرت ثم تحسنت

من الأمثلة على ذلك، مدينة البترون شمال لبنان، التي يلقبها البعض بـ"ميكونوس لبنان"، والتي رشحها وزير السياحة كي تكون عاصمة السياحة العربية، حيث شهدت فورة سياحية هائلة، وخصوصا على صعيد قطاع السهر. وهذا ما كان له آثار إيجابية واضحة على الدورة الاقتصادية المحلية في المدينة وجوارها. لكنها خلال الأيام الأولى للحرب على غزة بدت كئيبة ومقفرة، على الرغم من بعدها الجغرافي عن أماكن الاشتباك، حيث خلت معظم أماكن السهر من روادها، قبل أن تعود فتتحسن مع عودة حركة الطائرات الى طبيعتها الى مطار بيروت وبدء موسم الميلاد ورأس السنة الحالي.

الحال نفسها تقريباً في بقية مدن الشمال اللبناني ومناطقه، على الرغم من البعد الجغرافي والسياسي وحتى الأيديولوجي عن أماكن الاشتباك. يقول الفنان زياد الديك، وهو مالك مطعم "Chez Ziad" في شارع "مينو" الشهير بمطاعمه وحاناته الساهرة بمدينة الميناء التي تشكل الواجهة البحرية لمدينة طرابلس، إن آثار حرب غزة طالت كل أماكن السهر التي خلت تقريباً من روادها.

EPA
سوق ميلادي في بنشعي شمال لبنان.

في المقابل يقول سايد فنيانوس مالك مطعم "جسر رشعين" في منطقة زغرتا، الشهير ببرامجه الغنائية الشرقية، إن نسبة تأثير أجواء الحرب على مطاعم المنطقة لم تتجاوز الـ20 في المئة، "اعتدنا في شهري أكتوبر/تشرين الأول ونوفمبر/ تشرين الثاني على تراجع نسب الساهرين، مع مغادرة المغتربين وبدء الموسم الدراسي"، ليعرب عن تفاؤله الجمّ بموسم الأعياد، "اللبناني لديه مناعة تجاه الأزمات، وهو عازم على الخروج من ضغوط الحياة".

حجوزات القادمين من أوروبا في أسبوع الأعياد ناهزت الـ95 في المئة من الرحلات المجدولة، وبلغت 100% تقريباً من دول الخليج، حيث النسبة الكبرى من اللبنانيين

هبة المغتربين في الأعياد

لكن مع حلول شهر ديسمبر/كانون الأول، وتبلور "قواعد الاشتباك" بين اسرائيل و"حزب الله" ضمن الحدود والقرى المحاذية للخط الفاصل جنوبا، عاد مطار بيروت الى الازدحام، وتبدلت الحال بالكامل خلال فترة الأعياد، حيث استرجعت العاصمة بيروت، بجزئها الشرقي خصوصا، أجواء الزحمة والسهر. كذلك استعادت البترون وهجهها وأجواء "ميكونوس"، وازدانت شوارعها ومطاعمها ومقاهيها بالمقيمين والمغتربين خلال ساعات النهار حتى وقت متأخر من الليل.

يعول لبنان على أبنائه المنتشرين في العالم من أجل تعويض الفجوة الحاصلة في قطاع السياحة، حيث تشير تقديرات وزارة السياحة والنقابات السياحية الى أن عدد المغتربين الذين قدموا الى لبنان لتمضية عطلة الأعياد يترواح بين 175 و200 ألف مغترب.

AFP
الدخان المتصاعد في قرية مروحين بجنوب لبنان على أثر إسرائيلي قصف في 27 ديسمبر/ كانون الأول 2023.

وأعلنت "شركة طيران الشرق الأوسط"، الناقل الرسمي اللبناني، أن "حجوزات القادمين من أوروبا في أسبوع الأعياد ناهزت الـ95 في المئة من الرحلات المجدولة، وبلغت 100% تقريباً من دول الخليج، حيث النسبة الكبرى من اللبنانيين". لذلك أضافت الشركة 180 رحلة لمواكبة ارتفاع الطلب بعد خفض بنسبة 50 في المئة عقب اندلاع الحرب على غزة. 

ما يدل أكثر على أن فورة النشاط التي عمت لبنان خلال فترة الأعياد، وخصوصا أماكن السهر فيه، ترتكز على المغتربين، هو عدم شمولها قطاع الفنادق والشقق المفروشة، حيث تشير أرقام "اتحاد النقابات السياحية" الى أن نسبة الإشغال لم تتجاوز الـ 30 في المئة.ذلك أن المغتربين يقيمون إما في منازلهم أو منازل ذويهم وعائلاتهم. كذلك فإن معدل تأجير السيارات بقي دون المأمول، إذ لم يتجاوز عتبة الـ30 في المئة في حين أنه كان يتجاوز الـ90 في المئة في مثل هذه الأوقات من السنة.

ويبقى السهر ديدن اللبنانيين على الرغم من كل الصعاب والأزمات، حتى شاعت بين اللبنانيين مقولة بأن "اللبناني يستدين كي يسهر". وهذا ما يمكن تبينه في حركة الاستعدادات لتمضية ليلة رأس السنة، التي تتنوع بين المطاعم والفنادق والمقاهي والحانات، وتبدأ أسعارها من 100 دولار، لتبلغ 1000 دولار في بعض الحفلات التي يحييها نجوم الصف الأول، فيما الغالبية الساحقة تبقى ضمن إطار السهرات المنزلية، وهي تراث لبناني أكسبته الأزمة الاقتصادية والمصرفية زخماً كبيراً.

font change

مقالات ذات صلة