هل أميركا "مرنة" وقادرة على الصمود أمام صدمات أسعار النفط؟

أصبحت الولايات المتحدة اليوم مُصدّرا صافيا للنفط. ومع اعتماد التعديلات المناسبة في السياسات، تستطيع أن تحمي المستهلكين من موجات ارتفاع الأسعار

("المجلة")
("المجلة")

هل أميركا "مرنة" وقادرة على الصمود أمام صدمات أسعار النفط؟

صدمة النفط التي فجرتها الأزمة في الخليج دفعت سعر الخام إلى ما يزيد على 100 دولار للبرميل، لتنعش مخاوف قديمة من اضطراب اقتصادي في الولايات المتحدة تدفعه القفزة في أسعار البنزين والديزل. وعلى امتداد سنوات، شجب قادة سياسيون ارتفاع أسعار النفط، لكن الرئيس دونالد ترمب احتفى بموجة الصعود الأسبوع الماضي، قائلا إن "الولايات المتحدة أكبر منتج للنفط في العالم، من دون منازع، ولذلك، عندما ترتفع أسعار النفط، فإننا نجني كثيرا من المال".

ويكشف هذا الترحيب بارتفاع الأسعار تناقضا صارخا مع تعهداته السابقة بخفض الكلفة على المستهلكين عند محطات الوقود. فقد اعتاد ترمب مهاجمة صعود أسعار النفط، في حين قال وزير الطاقة كريس رايت إن الأسعار المرتفعة قد تصب في مصلحة عدد محدود من شركات النفط، لكنها لا تخدم "99 في المئة من الأميركيين" الذين يستهلكون هذه المنتجات من الطاقة.

ويعكس هذا التناقض الظاهر التحول الكبير الذي طرأ على مشهد الطاقة الأميركي خلال العقد الماضي، إذ تحولت الولايات المتحدة من مستورد صاف كبير للنفط إلى مصدّر رئيس له. وأسعار النفط المرتفعة التي أرهقت كاهل المستهلكين لسنوات، باتت اليوم تدر مكاسب كبيرة على منتجي النفط الأميركيين. ومن ثم، لم يعد ارتفاع أسعار النفط يعني استنزاف الدخل إلى الخارج كما في السابق، بل غدا يعيد توزيع الدخل، على نحو متزايد، داخل الولايات المتحدة نفسها.

(أ.ف.ب)
أسعار مرتفعة للوقود في محطة "شل" للوقود في لوس أنجلوس، 9 مارس 2026

وهكذا، فإن صدمة النفط ستبقى مؤذية للمستهلكين، لكنها قد تصبح أقل وطأة، بل قد تميل، نظريا على الأقل، إلى تحقيق أثر صاف إيجابي على الاقتصاد ككل. ومع اعتماد التعديلات الملائمة في السياسات، يمكن تحويل هذا الضعف القديم في مواجهة ارتفاع أسعار النفط إلى عنصر قوة. وعلى وجه الخصوص، فإن ربط معدل الضريبة المفروض على المنتجين الأميركيين بتقلبات أسعار النفط من شأنه أن يخفف العبء عن المستهلكين، ويعزز في الوقت نفسه قدرة الاقتصاد على الصمود أمام صدمات النفط.

الولايات المتحدة هي أكبر منتج للنفط في العالم بفارق كبير، لذلك عندما ترتفع الأسعار نجني الكثير من المال

دونالد ترمب، الرئيس الأميركي

تعتبر الصدمة الحالية استثنائية بكل المقاييس. فالانقطاع في الإمدادات هو الأكبر من نوعه حتى الآن، ويتجاوز بفارق واسع الاضطرابات السابقة، لا من حيث القيمة المطلقة فحسب، بل أيضا قياسا إلى حصته من الطلب العالمي. وقفزت أسعار النفط العالمية بأكثر من 40 في المئة منذ أن شنت الولايات المتحدة وإسرائيل أولى ضرباتهما على إيران. وارتفعت أسعار البنزين بالفعل بأكثر من 70 سنتا منذ اندلاع الأزمة، ومن المرجح أن تواصل ارتفاعها مع امتداد أثر ارتفاع أسعار الخام على السوق بأكمله. كذلك ترتفع أسعار الديزل، وهو عنصر أساسي في قطاع الشحن البري وفي كلفة السلع، إلى أكثر من 5 دولارات للغالون الواحد.

ويحذر محللون كثيرون من أن استمرار ارتفاع أسعار النفط لفترة طويلة قد يضر بالنمو الاقتصادي. فصدمات النفط ترفع كلفة النقل والتدفئة والسلع المعتمدة على المشتقات النفطية. ومع تصاعد عدم اليقين، قد تحمل الأسعار المرتفعة الشركات والأسر على تأجيل الإنفاق والاستثمار. وكثيرا ما أعقبت الصدمات النفطية الكبرى في القرن العشرين حالات ركود اقتصادي، كما وثق الاقتصادي جيمس هاملتون. وقبل عقدين، قدر الاقتصادي لوتس كيليان أن انقطاعا في الإمدادات بنسبة 10 في المئة، وهو أقل مما يشهده العالم اليوم، قد يقتطع ما يصل إلى نقطتين مئويتين من الناتج المحلي الإجمالي الأميركي.

(أ.ف.ب)
تعمل مضخات النفط بينما تتوقف أخرى في حقل بيلريدج النفطي قرب ماكيتريك في كاليفورنيا بتاريخ 10 مارس 2026

غير أن الولايات المتحدة لم تعد اقتصادا نفطيا بالشكل الذي كانت عليه سابقا. فقبل عشرين عاما، كانت تستورد نحو 60 في المئة من النفط الذي تستهلكه. أما اليوم، فأصبحت مصدّرا صافيا كبيرا، يخرج إلى الأسواق الخارجية أكثر من 3 ملايين برميل يوميا من النفط الخام والمنتجات البترولية. وفي الوقت نفسه، تراجع اعتماد الاقتصاد الأميركي على النفط قياسا إلى حجم إنتاجه. فمع أن حجم الاقتصاد الأميركي صار يقارب أربعة أمثال ما كان عليه في عام 1973، فإن الطلب على النفط لم يشهد تغيرا يذكر.

استمرار ارتفاع أسعار النفط لفترة طويلة يضر بالنمو الاقتصادي.. فصدمات الوقود ترفع كلفة النقل والتدفئة والسلع المعتمدة على المشتقات النفطية

لكن النقاش العام لا يزال محكوما بذهنية تشكلت في زمن الندرة والاعتماد على الاستيراد، في أيام السيارات العائلية الكبيرة ذات الألواح الخشبية، والطوابير التي كانت تمتد أميالا أمام محطات الوقود. ففي بلدان نفطية أخرى، يقابل ارتفاع أسعار النفط بالترحيب لما يدره على الخزائن العامة من عوائد مالية. أما في الولايات المتحدة، فما زالت طفرات الأسعار تثير القلق. وهذا ما جعل إقرار ترمب بهذا التحول، واحتفاؤه الظاهر بارتفاع الأسعار، موقفا غير مألوف من سياسي أميركي.

وترمب محق في قوله إن الأثر الاقتصادي لارتفاع أسعار النفط يختلف اليوم عما كان عليه في الماضي. ففي أواخر القرن العشرين، كانت الزيادة في إنفاق الأميركيين على البنزين تذهب في معظمها إلى الخارج، فتنقل الدخل إلى المنتجين الأجانب وتستنزف القدرة الشرائية من الاقتصاد الأميركي. أما اليوم، فإن جانبا كبيرا من الإيرادات الإضافية التي يولدها ارتفاع الإنفاق على النفط يبقى داخل البلاد، ويصب في مصلحة المنتجين ومصافي التكرير والعمال والمساهمين.

غير أن ما قاله رايت يظل صحيحا، وهنا تحديدا تكمن مشكلة الاحتفاء بارتفاع أسعار النفط لمجرد أن الولايات المتحدة أصبحت أكبر منتج له في العالم. فالولايات المتحدة لا تزال تستهلك كميات ضخمة من النفط. وبما أن النفط سلعة تسعر في سوق عالمية، وهذا ينطبق أيضا على أسعار البنزين، فإن الأميركيين ما زالوا يدفعون ثمنا أعلى في محطات الوقود.

(رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال لقائه رئيس الوزراء الأيرلندي مايكل مارتن في البيت الأبيض بواشنطن، 17 مارس 2026

والأثر الأبرز لارتفاع الأسعار اليوم هو الأثر التوزيعي. فالغالبية العظمى من الأميركيين تتحمل الكلفة، بينما تنحصر العوائد في أيدي عدد محدود نسبيا من الشركات والمستثمرين. ووفقا لبنك الاستثمار "جيفريز"، سيحصد المنتجون الأميركيون في هذا الشهر وحده زيادة قدرها 5 مليارات دولار في التدفقات النقدية.

الاحتفاء بارتفاع الأسعار يتجاهل حقيقة أن المستهلك الأميركي يدفع أكثر عند المضخة بينما يستفيد عدد محدود من الشركات والمستثمرين

غير أن هذه الآثار التوزيعية، ما لم تواكبها تعديلات في السياسات، قد تنعكس بقوة على الناتج المحلي الإجمالي. فاستمرار أسعار النفط عند مستويات مرتفعة لفترة طويلة ينعكس سريعا على النفقات الأسبوعية للأسر، مما يضعف قدرتها الشرائية ويحد من إنفاقها. ومع أن الخسائر التي يتحملها المستهلك الأميركي اليوم تقابلها مكاسب يحققها منتجو النفط المحليون، فإنه من المستبعد أن تترجم هذه المكاسب، في الأجل القريب، إلى زيادة في الإنفاق. ذلك أن شركات النفط لا تكيف قراراتها الاستثمارية مع القفزات السعرية قصيرة الأجل، بل مع تصوراتها لمسار الأسعار على المدى الطويل. كما يُرجح أن يتجه، في البداية، قدر كبير من توزيعات الأرباح المرتفعة وعمليات إعادة شراء الأسهم التي تصب في مصلحة المساهمين، نحو الادخار.

وإذا لم تكفِ الزيادة في إنفاق الشركات والمساهمين لتعويض تراجع إنفاق المستهلكين، وهو ما ترجحه الأبحاث، فلن يكون الأثر الاقتصادي الكلي لارتفاع أسعار النفط مختلفا كثيرا عما كان عليه حين كانت الولايات المتحدة مستوردا رئيسا للخام.

ولتحييد الأثر الاقتصادي الكلي لارتفاع أسعار النفط، إلى جانب تخفيف العبء الواقع على "99 في المئة" من الأميركيين الذين أشار إليهم رايت، لا بد من آلية تعيد توزيع الدخل من منتجي النفط إلى المستهلكين، بما يحد من أي تراجع في الإنفاق على المدى القريب.

(أ.ف.ب)
عائلة تجلس قرب حوض سفن قبالة مدينة الفجيرة على مضيق هرمز في الإمارة الشمالية، 25 فبراير 2026

تملك معظم الدول الكبرى المنتجة للنفط مثل هذه الآليات، ولهذا تستقبل طفرات الأسعار بارتياح. ففي السعودية ودول خليجية أخرى، على سبيل المثال، تملك الدولة شركة النفط الوطنية، فتؤول معظم الأرباح مباشرة إلى الخزانة العامة. وفي روسيا، يربط الإطار المالي الضرائب بأسعار النفط بشكل مباشر، إذ يرتفع معدل الضريبة الهامشي كلما ارتفعت الأسعار.

لا بد من وجود آلية تعيد توزيع الدخل من المنتجين إلى المستهلكين، مثل معظم الدول النفطية، إذ تعود أرباح النفط إلى الحكومات، أو ترتبط الضرائب بالأسعار

غير أن الولايات المتحدة تفتقر إلى آلية من هذا النوع. ولذلك، فعلى الرغم من أنها غدت اليوم مصدّرا صافيا كبيرا للنفط، فإن قدرتها على مواجهة الأثر الركودي قصير الأجل لارتفاع الأسعار تبقى أضعف من قدرة كثير من الدول النفطية الأخرى. ولهذا يظل تركيز صناع السياسات منصبّا على كبح أسعار النفط عند وقوع الصدمات، سواء بالسحب من الاحتياطي النفطي الاستراتيجي أو بتخفيف العقوبات على منتجين كبار مثل روسيا.

ولجأت بعض الدول إلى ضرائب على الأرباح الاستثنائية لمعالجة هذه المسألة، بما ينقل المكاسب غير العادية التي تولدها الأزمات من شركات النفط إلى الأسر. إلا أن هذا النوع من الضرائب يصعب تصميمه وتنفيذه على نحو فعّال. فإقراره يستغرق وقتا، ما يحد من جدواه في مواجهة الصدمات الاقتصادية العاجلة، كما أنه كثيرا ما يبقى قائما بعد انقضاء الأزمة المباشرة بمدة طويلة، كما بينت التجربة البريطانية الحديثة. وفوق هذا كله، فإن الرسوم التي لا تُصاغ بعناية تخلق حالة من عدم اليقين المالي، وقد تحد من استعداد المنتجين لزيادة الإنتاج حين تشتد الحاجة إلى إمدادات إضافية.

ويفضي اتباع نهج أفضل إلى اقتصاد أميركي أشد مرونة في مواجهة صدمات أسعار النفط، لا في اللحظة الراهنة فحسب، بل في المستقبل أيضا. ويتمثل المسار الأكثر فاعلية في بناء آليات سياساتية مستقرة تعيد توزيع المكاسب "الفائضة"، إضافة إلى الخسائر التي يتحملها منتجو النفط، على مستهلكيه.

(رويترز)
سيارة تمر بجانب لوحة أسعار الوقود في محطة تابعة لشركة "توتال" الفرنسية في غاردان بفرنسا، 15 مارس 2026

وللمفارقة، قد يكون في النهج الروسي ما يستحق التأمل. فربط الضريبة المفروضة على منتجي النفط بأسعار النفط يعني أن المعدل الضريبي الهامشي يرتفع مع ارتفاع الأسعار. وبالمقارنة مع الضريبة الثابتة الحالية، يمكن تصميم معدل ضريبي متغير يظل محايدا ماليا على المدى الطويل، بحيث تزداد الضريبة حين ترتفع أسعار النفط فوق مستوى مرجعي محدد، وتنخفض حين تهبط دونه. وبالنسبة إلى منتجي النفط، سيبقى العبء الضريبي المتوقع في الأمد المتوسط على حاله، مع ميزة إضافية تتمثل في أن إيراداتهم بعد الضريبة ستصبح أقل عرضة لتقلبات أسواق النفط العالمية.

قدرة الولايات المتحدة على مواجهة الأثر الركودي قصير الأجل لارتفاع الأسعار تبقى أضعف من قدرة كثير من الدول النفطية الأخرى

وخلال فترات الصدمات السعرية الاستثنائية، يمكن للحكومة أن تخفف وطأة ارتفاع أسعار البنزين على المستهلكين عبر تحويلات نقدية مقطوعة إلى الأسر، على أن تسترد كلفتها لاحقا من الإيرادات الأعلى التي تتدفق مع موسم الضرائب. وتبقى هذه التحويلات أجدى من دعم الوقود، لأن خفض أسعار البنزين على نحو مصطنع يشوه إشارات السوق ويقوض الحافز إلى ترشيد الاستهلاك في وقت تمس فيه الحاجة إليه. ومن حيث المبدأ، يمكن أن يقترن هذا النظام بآلية تجعل ضرائب الوقود المفروضة على المستهلكين تتغير هي الأخرى تبعا لأسعار النفط، بحيث يعوض جزء من تراجع إيرادات الحكومة من الشركات في فترات انخفاض الأسعار عبر زيادة ضرائب الوقود.

وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة أصبحت أكبر منتج للنفط في العالم، فإن ادعاء ترمب أن البلاد تستفيد من ارتفاع الأسعار "لأننا نجني الكثير من المال" يتجاهل الواقع الاقتصادي الأوسع، سواء على مستوى الاقتصاد الكلي أو على مستوى المستهلكين الذين يدفعون مبالغ أكبر عند محطات الوقود. وقد مثلت ثورة النفط الصخري، التي نقلت الولايات المتحدة من أكبر مستورد للنفط في العالم إلى مصدر صاف كبير، تحولا جوهريا في قدرة الاقتصاد الأميركي على مواجهة صدمات أسعار النفط المستقبلية. غير أن ترسيخ هذه القدرة يظل رهنا بسياسات تكفل توزيعا أفضل للمكاسب الناجمة عن صدمات أسعار النفط.

font change

مقالات ذات صلة