تداعيات الحرب الإيرانية على الزراعة لم تنته بعد

على الرغم من سريان اتفاق وقف إطلاق النار... لا تزال تدفقات الطاقة والأسمدة الحيوية متعثرة

(أ.ف.ب)
(أ.ف.ب)
مزارع يقود جرارا صغيرا يعمل بالبنزين في مزرعة بنيويورك، وسط انشغاله بارتفاع أسعار الوقود رغم اعتماد الزراعة المستدامة، 8 أبريل 2026

تداعيات الحرب الإيرانية على الزراعة لم تنته بعد

ظلت حركة الملاحة في مضيق هرمز متعثرة إلى حد بعيد حتى بعد سريان اتفاق وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران، في مشهد يجسد تعقيدات استعادة تدفقات الطاقة والتجارة الحيوية التي ترتكز إليها الزراعة العالمية.

على مدى أكثر من شهر، خلفت الحرب الإيرانية والإغلاق الفعلي لمضيق هرمز- ذلك الممر البحري الحيوي الذي يمثل نقطة اختناق استراتيجية- هزات عنيفة في قطاعي الطاقة والزراعة، بعدما أربك النزاع إنتاج السلع الأساسية وتصديرها معا. وقفزت أسعار اليوريا، أحد الأسمدة الرئيسة، إلى نحو 40 في المئة، بالتزامن مع صعود تكاليف الطاقة عالميا، وهو ما دفع عشرات الحكومات إلى اتخاذ تدابير طارئة لتفادي نقص الوقود وتخفيف الأعباء المتزايدة عن المستهلكين.

ورغم دخول وقف إطلاق النار الأولي حيز التنفيذ، بقيت معظم هذه التحديات معلقة. وفي هذا السياق، قال كريستوفر باريت، خبير الاقتصاد الزراعي في جامعة كورنيل: "هذا لا يبدد شيئا من الضبابية التي تكتنف موعد عودة التجارة إلى مسار منتظم وموثوق وقليل المخاطر، ولا بشأن استقرار أسعار الوقود والأسمدة عند مستويات معقولة".

وكانت مسألة السيطرة على مضيق هرمز من أبرز وجوه هذه الضبابية. فما زال غير واضح على وجه الدقة ما الذي اتفقت عليه الولايات المتحدة وإيران بشأن هذا الممر المائي الاستراتيجي، ولا سيما أن الطرفين طرحا في مراحل مختلفة شروطا وبنودا متعارضة.

(أ.ف.ب)
نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس يصل إسلام آباد ويلتقي قائد الجيش الباكستاني ووزير الخارجية للمشاركة في محادثات السلام مع إيران، 11 أبريل 2026

وبعد الإعلان عن وقف إطلاق النار، أعلن سلطان أحمد الجابر، رئيس شركة "بترول أبوظبي الوطنية" (أدنوك)، في منشور على منصة "لينكدإن"، أن المضيق "ليس مفتوحا"، وأن الوصول إليه "يجري تقييده، وفرض شروط عليه، والتحكم فيه".

الحرب وقطع مضيق هرمز خلفت هزات عنيفة في قطاعي الطاقة والزراعة، بعدما أربك النزاع إنتاج السلع الأساسية وتصديرها معا

وشن الرئيس الأميركي دونالد ترمب هجوما على طهران في منشورات عدة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، فيما بدا مؤشرا إلى أن الأمور لا تسير وفق الخطة قبيل المفاوضات عالية المخاطر. وقال في منشور على منصة "تروث سوشيال": "تتصرف إيران على نحو سيئ للغاية، بل ومشين أيضا، فيما يتعلق بالسماح بمرور النفط عبر مضيق هرمز. هذا ليس الاتفاق الذي توصلنا إليه".

لم ينجح هذا السجال في تبديد مخاوف الشركات إلا بقدر محدود. وفي هذا السياق، قالت كايتلين ويلش، مديرة برنامج الأمن الغذائي والمائي العالمي في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، وهو مركز أبحاث مقره واشنطن: "لا تزال شركات الشحن والجهات الناقلة تنتظر مزيدا من الوضوح من الولايات المتحدة وإيران بشأن ما الذي اتفقتا عليه تحديدا".

ومع تضرر بنى تحتية رئيسة للطاقة، واستمرار الضبابية المحيطة بمضيق هرمز، حذر خبراء من أن استمرار شح إمدادات الطاقة لفترة طويلة سيبقي القطاع الزراعي تحت ضغط خانق. ولا يرى المحللون في الأفق انفراجا سريعا.

(أ.ف.ب)
سفينة حاويات راسية في ميناء أنتويرب البلجيكي بعد توقف واسع لحركة الشحن إثر تسرب نفطي خلال عملية تزويد بالوقود، 10 أبريل 2026

ورجحت شركة وود ماكنزي، وهي شركة أبحاث عالمية، أنه حتى في ظل سريان وقف إطلاق النار لمدة أسبوعين، فإن إنتاج الطاقة في الشرق الأوسط سيحتاج إلى أشهر حتى يعود إلى مستوياته الطبيعية. كذلك حذرت إدارة معلومات الطاقة الأميركية من أن أسعار الوقود قد تظل مرتفعة لأشهر، حتى بعد استئناف الملاحة عبر مضيق هرمز.

لا تزال شركات الشحن والجهات الناقلة تنتظر مزيدا من الوضوح من واشنطن وطهران بشأن ما الذي اتفقتا عليه تحديدا

كايتلين ويلش، مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية

وتحمل هذه التطورات كلها دلالات مقلقة للزراعة العالمية، التي تقوم على الطاقة في مختلف حلقاتها، من وقود النقل إلى الغاز الطبيعي الذي يشكل مادة أساسية في صناعة الأسمدة.

وقال جوزيف غلاوبر، كبير الاقتصاديين السابق في وزارة الزراعة الأميركية، والذي يعمل حاليا في المعهد الدولي لبحوث السياسات الغذائية: "تدخل الطاقة في كل مرحلة تقريبا من مراحل إنتاج الغذاء ونقله، من المزرعة إلى منافذ البيع بالتجزئة".

ويتضح ذلك جليا في الديزل الذي يشغل المعدات الثقيلة، من الآلات الزراعية إلى الشاحنات التي تنقل الغذاء من المستودعات إلى متاجر البقالة. فقد دفعت الحرب أسعار الديزل إلى الارتفاع، فيما قال غلاوبر إن المزارعين يواجهون زيادة في تكاليف الطاقة والأسمدة، في وقت لا تزال فيه أسعار كثير من المنتجات الزراعية منخفضة، بما يفاقم الضغوط على هوامش أرباحهم.

ولا يبدو أن هذا الأثر سيظل محصورا بالمزارعين وحدهم. إذا قال كيفن بوك، المدير الإداري في شركة "كلير فيو إنيرجي بارتنرز الاستشارية": "يُنقل معظم ما نشتريه بالشاحنات أو القطارات بعد وصوله من الساحل، ولذلك فإن الآثار التضخمية لارتفاع أسعار الديزل تمتد على نطاق واسع".

(أ.ف.ب)
عامل ينقل أسطوانات الغاز المسال في مركز توزيع بامريتسار الهندية، وسط تقلبات أسعار النفط عقب تطورات الحرب، 10 مارس 2026

ومن أيرلندا إلى الهند، بدأت الصدمة الاقتصادية التي خلفتها الحرب تترك آثارها بالفعل في المجتمعات الزراعية حول العالم. ففي أيرلندا، نزل مزارعون هذا الأسبوع إلى الشوارع احتجاجا على أسعار الوقود، بينما أثار الارتفاع الحاد في تكاليف الأسمدة اضطرابا بين المزارعين في مختلف أنحاء المملكة المتحدة. وفي مصر، فرضت السلطات سقفا لسعر أرغفة الخبز غير المدعوم في محاولة لحماية المستهلكين من موجة الغلاء. أما في فيتنام، ثاني أكبر مصدر للأرز في العالم، فقد ألقى ارتفاع التكاليف وتأخر الشحن بظلاله على زراعة الأرز.

دفعت الحرب أسعار الديزل إلى الارتفاع، ويواجه المزارعون زيادة في تكاليف الطاقة والأسمدة، بما يفاقم الضغوط على هوامش أرباحهم

وقبيل الانتخابات المحلية، رفعت الحكومة الهندية هذا الأسبوع دعم الأسمدة للمزارعين، في مسعى لحمايتهم من الارتفاع الحاد في الأسعار العالمية. وقال رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي في منشور على منصة "إكس": "لطالما وضعنا رفاه إخواننا وأخواتنا المزارعين والمزارعات في صدارة أولويات حكومتنا. وسيضمن هذا القرار استمرار حصول من يزودوننا بالغذاء على الأسمدة بأسعار ميسورة كما في السابق".

وفي يوم الأربعاء، بعد إعلان ترمب التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار لمدة أسبوعين، أصدر البنك الدولي وصندوق النقد الدولي وبرنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة بيانا مشتركا حذروا فيه من أن التداعيات الاقتصادية للحرب الإيرانية ستفرض ضغوطا على المجتمعات في مختلف أنحاء العالم.

(أ.ف.ب)
امرأة تمر بدراجتها قرب جرارات وشاحنات تغلق شارع أوكونيل في وسط دبلن، خلال احتجاجات لليوم الثالث، بسبب ارتفاع أسعار الوقود، 9 أبريل 2026

وجاء في البيان: "لا شك أن الارتفاعات الأخيرة في أسعار النفط والغاز والأسمدة، إلى جانب اختناقات النقل، ستؤدي إلى تزايد أسعار المواد الغذائية وانعدام الأمن الغذائي". وأضافت رئيسة صندوق النقد الدولي كريستالينا غورغييفا، أن 45 مليون شخص يواجهون انعداما في الأمن الغذائي، ليرتفع بذلك العدد الإجمالي على مستوى العالم إلى أكثر من 360 مليون شخص.

ورأى باريت، الخبير الاقتصادي في جامعة كورنيل، أن الدول غير الساحلية في أفريقيا جنوب الصحراء، التي تعتمد أنظمتها الغذائية على الذرة، قد تكون الأكثر تضررا من تداعيات الحرب. وقال: "سيرتفع سعر الذرة بسرعة خلال الشهرين المقبلين إذا لم يتحول وقف إطلاق النار هذا إلى وقف دائم".

منظمات أممية تحذر من أن التداعيات الاقتصادية للحرب الإيرانية ستفرض ضغوطا على المجتمعات في مختلف أنحاء العالم

لكن المسألة قد لا تقف عند حدود الحرب نفسها، إذ قد تزيد تطورات مناخية مقبلة مشهد الأمن الغذائي العالمي تعقيدا. فقد رجح المركز الأوروبي للتنبؤات الجوية متوسطة المدى هذا العام تشكل نمط من ظاهرة نينيو العملاقة، وهي ظاهرة ترتفع فيها درجات حرارة سطح البحر في المحيط الهادئ درجتين مئويتين فوق المتوسط، ويترتب على ذلك آثار واسعة النطاق على الزراعة.

وقال جيمس ثورلو، مدير وحدة الاستشراف ونمذجة السياسات في المعهد الدولي لبحوث السياسات الغذائية، خلال إحاطة صحافية يوم الجمعة: "إذا واجهنا صدمة مناخية تضاف إلى هذه الصدمة في الأسعار العالمية، فأعتقد أننا قد نبدأ، في وقت لاحق من هذا العام، في مواجهة مخاوف حقيقية بشأن انعدام الأمن الغذائي".

font change

مقالات ذات صلة