لماذا لم تتراجع إيران بعد؟

يهدف حصار ترمب إلى فرض عمليات إغلاق مضرة في حقول النفط الإيرانية، لكن طهران مرت بهذا من قبل

("المجلة")
("المجلة")

لماذا لم تتراجع إيران بعد؟

بطريقة ما، ينحصر المأزق بين الولايات المتحدة وإيران بشأن مضيق هرمز المغلق حتى الآن في مسألة التخزين.

تعتقد إدارة ترمب أن الحصار الأميركي غير المحكم على الشحن الإيراني، الذي بدأ قبل أسبوعين، سيدفع طهران قريبا إلى الاستسلام عبر إرغامها على إغلاق آبار النفط مع نفاد مساحات التخزين للخام الذي لم تعد قادرة على شحنه. وترى الإدارة أن إغلاق الإنتاج الذي يلوح في الأفق يهدد إيران بأضرار دائمة وشديدة في جزء كبير من اقتصادها، وهو ما يفسر على ما يبدو رضا واشنطن بالانتظار إلى حين استسلام إيراني لم يظهر بعد، في الحرب المستمرة منذ ثمانية أسابيع.

تدرك إيران حجم التحدي، وتسارع إلى إيجاد أماكن لتخزين خامها بعدما هبطت صادراتها النفطية ثلاثة أرباع منذ بدء الحصار الأميركي. لكن طهران مرت بهذا مرارا من قبل، إذ أدت ضغوط العقوبات الأميركية الشديدة في عهدي أوباما وترمب إلى عمليات إغلاق للإنتاج، ولم يؤد أي منهما إلى ضرر مستمر في حقول النفط في البلاد. وما زالت إيران تشحن النفط وتصدره رغم الحصار الأميركي.

(رويترز)
سفن تعبر مضيق هرمز في مسندم، عُمان، 27 أبريل 2026

في المقابل، دخل حلفاء الولايات المتحدة في الخليج الشهر الثاني من عمليات إغلاق إنتاجهم، وهي، بصورة جماعية، أكبر بكثير من أي شيء قد تواجهه إيران. ويشكل ذلك، إلى جانب ارتفاع سعر النفط واستمرار التدفق المحدود لناقلات متمردة تواصل إيصال النفط الإيراني إلى السوق، عاملا مهماً في عدم تراجع طهران حتى الآن. وارتفع النفط في الولايات المتحدة إلى أكثر من 100 دولار للبرميل يوم الثلاثاء، بينما تجاوز المؤشر العالمي 111 دولارا للبرميل.

يشكل إرغام إيران على تقليص إنتاج النفط، مع عواقب قد تكون شديدة ودائمة، المبرر الكامل للحصار الذي فرضته الإدارة في 13 أبريل/نيسان.

ما زالت إيران تشحن النفط وتصدره رغم الحصار الأميركي

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب في عطلة نهاية الأسبوع إن إغلاق إيران الوشيك لإنتاج النفط سيجعل خطوط النفط لديها تنفجر، وإنه "عندما ينفجر... لن تتمكن أبدا من إعادة بنائه كما كان". ويتوقع وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت أن يؤدي إغلاق الإنتاج إلى نقص داخلي في البنزين داخل إيران، وما يفترض أن يرافق ذلك من ضغط داخلي أكبر على نظام الحكم. وجادلت مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، التي دعت منذ مدة طويلة إلى سياسة هجومية تجاه إيران، بأن إطالة عمليات الإغلاق في حقول النفط الإيرانية ستشل جزءا كبيرا من طاقتها وتزيد الضغط المالي على النظام، الذي لا يحظى بشعبية أساسا.

وبعد أسبوعين على الحصار الأميركي، بدأت مساحة تخزين النفط المتاحة لإيران تنفد. وأعادت تشغيل ناقلة نفط قديمة كانت خارج الخدمة لتعمل خزانا عائما مؤقتا. وتبحث عن خزانات تخزين إضافية على اليابسة يمكن أن تكمل المنشآت الرئيسة في جزيرة خرج. واستفادت من عدد قليل من الناقلات الفارغة العائدة، التي تسللت عبر الحصار الأميركي، لتخزن بعض النفط فيها. لكن هذا تحد واجهته إيران على مدى عقود، واستطاعت التعامل معه.

قال غريغوري برو، كبير محللي إيران والطاقة لدى مجموعة "أوراسيا": "هل يقتربون من الاضطرار إلى إغلاق الإنتاج؟ لا، ما زالت الناقلات تصل وتغادر من جزيرة خرج، وما زال لديهم بعض التخزين على اليابسة". ولجأت إيران في الماضي أيضا إلى استخدام ناقلات قديمة. وأضاف: "يوحي ذلك لي بأنهم يستعدون لأن يصبح الحصار أكثر إيلاما، لكنني لا أعتقد أن أثره ظهر بعد. وما زالت حركة الشحن مستمرة لإيران".

(رويترز)
"الحرس الثوري" الإيراني يحتجز سفينة "إبامينونداس" في مضيق هرمز، 24 أبريل 2026

لكن يبدو أن ناقلات النفط الإيرانية تتكدس خارج مضيق هرمز مباشرة، ولا تتقدم أبعد من ذلك. وإذا استمر الحصار الأميركي وتشدد، فستبلغ إيران على الأرجح حدا صارما لكمية النفط التي يمكنها الاستمرار في إنتاجها. وعندها ستبدأ عمليات إغلاق الحقول، لكنها قد لا تكون مضرة بقدر ما يأمل مسؤولون في الإدارة.

إغلاق إيران الوشيك لإنتاج النفط سيجعل خطوط النفط لديها تنفجر

دونالد ترمب، الرئيس الأميركي

في عامي 2012 و2013، ثم مجددا في عامي 2019 و2020، واجهت إيران ضغوط عقوبات قلصت صادراتها النفطية بحدة وأدت إلى تخفيضات مدارة في إنتاجها النفطي. لكن ذلك لم يفض إلى أضرار طويلة الأمد في حقول النفط الإيرانية.

وقال غريغوري برو إن الشركة الوطنية الإيرانية للنفط "فعلت هذا مرتين من قبل. لديهم خبرة في وقف الإنتاج وإدارة الإغلاقات، وستكون الحقول النفطية هي الحقول نفسها التي أغلقت سابقا. المسؤولون أنفسهم موجودون، ولديهم من الخبرة ما يكفي ليعرفوا ما الذي ينبغي فعله". لكنه أقر بأن إغلاقا سريعا ومفروضا للإنتاج في حقول النفط الأقدم قد يعرض المكمن لخطر بعض الأضرار طويلة الأمد، وبالتالي يهدد القدرة الإنتاجية في المستقبل.

وعلى الجانب الآخر، لم تتضمن تلك الحلقات السابقة حصارا أميركيا كاملا، وكانت خيارات التخزين العائم والتخزين على اليابسة أوسع. وخصوصا في حقول النفط الأقدم، مثل تلك الموجودة في إيران، يكمن خطر الإغلاقات في أن يتسرب الماء مجددا إلى المكمن، فيحد بقوة من معدلات الاستخلاص في المستقبل.

(رويترز)
منصة إنتاج نفطي في حقل سروش مع علم إيران في الخليج، 25 يوليو 2005

وقال ألكسندر آرامان، مدير قطاع المنبع في الشرق الأوسط لدى شركة "وود ماكنزي" الاستشارية في مجال الطاقة: "كلما اقترب التخزين من بلوغ سعته، ستخفض إيران أولا معدلات الإنتاج لتكسب وقتا وتقلل الضرر اللاحق بالمكمن. وإذا استمر الحصار، ستغدو التخفيضات أمرا لا مفر منه".

الإغلاق السريع للإنتاج في حقول النفط يمكنه تعريض المكامن لخطر بعض الأضرار طويلة الأمد، وبالتالي يهدد القدرة الإنتاجية في المستقبل

وأضاف أن حقول النفط الأقدم في إيران: "عرضة لتسرب المياه، ما يهدد بأضرار طويلة الأمد إذا تجاوزت فترات إغلاق الآبار شهرا واحدا. وقد تلجأ إيران إلى استراتيجيات إغلاق بالتناوب، فتبدل بين الآبار خارج الخدمة للحفاظ على سلامة المكمن. ومع ذلك، تبقى استعادة الإنتاج بالكامل غير مؤكدة نظرا إلى نضج قاعدة الأصول".

وقد لا تتيح هذه الحسابات مخرجا لإدارة ترمب من المأزق، لأن حلفاء الولايات المتحدة في الخليج أغلقوا بالفعل قدرا أكبر بكثير من إنتاج النفط، ويواجهون بعض المخاوف نفسها بشأن الأضرار طويلة الأمد مع امتداد الحرب. وقال آرامان إن السعودية والعراق والكويت والإمارات وقطر أغلقت، مجتمعة، أكثر من 11 مليون برميل يوميا من إنتاج النفط.

وقال: "يبرز العراق. حتى لو أعيد فتح المضيق الشهر المقبل، فمن المرجح أن يتعافى إنتاج النفط إلى نحو 85 في المئة فقط من مستويات ما قبل الحرب بحلول نهاية العام، ولا يتوقع تعاف كامل قبل عام 2028. ومن المرجح أن تتعرض بعض الآبار لضرر دائم".

(رويترز)
صورة من الأقمار الصناعية لمحطة نفط في جزيرة خرج، إيران، 25 فبراير 2026

وقالت الإمارات يوم الثلاثاء إنها ستغادر "أوبك" الشهر المقبل، في شرخ كبير يمنح الإمارات حرية أكبر لضخ براميل إضافية في السوق مستقبلا، لكنه سيترك كارتل الدول المصدرة للنفط بقدرة أقل على إدارة صدمات الإمداد في المستقبل.

حلفاء الولايات المتحدة في الخليج أغلقوا بالفعل قدرا أكبر بكثير من إنتاج النفط، ويواجهون بعض المخاوف نفسها بشأن الأضرار طويلة الأمد

في نهاية المطاف، ورغم أن السباق بين التخزين النفطي والإنتاج النفطي يرسم ملامح المستقبل القريب لمسار وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران، قد توجد عوامل أخرى أكثر أهمية، بحسب ما قاله برو.

وقال إن الضربات الأميركية والإسرائيلية التي استهدفت القيادة الإيرانية السابقة تركت "الحرس الثوري الإسلامي" الإيراني القوة الأشد نفوذا بوصفه المجموعة الأبرز في إيران. ولدى "الحرس الثوري" مصادره الخاصة من الإيرادات بعد سنوات من بناء شبكات تهريب إقليمية والتوسع في الاقتصاد الموازي الإيراني، وهو أقل اكتراثا بأسعار الوقود داخل البلاد وبالاضطرابات الشعبية مما قد يكون عليه قادة تكنوقراطيون أو برغماتيون.

(رويترز)
سفن من "أسطول الظل" الروسي قبالة إستونيا في خليج فنلندا، 10 أبريل 2026

وقال برو: "حتى لو انهار الاقتصاد، يبقى (الحرس الثوري) بخير، وهم الطرف الذي يتولى التفاوض. (الحرس الثوري) شديد المقاومة للضغط الاقتصادي. وبالنسبة للمتشددين، سيغذي هذا صلابتهم وفكرتهم بأن المقاومة هي ما يهم".

font change

مقالات ذات صلة