هل تنتصر تركيا أم إسرائيل في سباق أوروبا الجديد؟

تسابق أنقرة لتصبح مركزا للطاقة، بينما تراهن تل أبيب على الاندماج في منظومة الطاقة الأوروبية

رويترز
رويترز
عامل يشتغل ضمن توسعة خط أنابيب "ترك ستريم" بين روسيا وتركيا لتصدير الغاز إلى أوروبا، في مدينة ليتنيتسا، بلغاريا، 1 يونيو/حزيران 2020

هل تنتصر تركيا أم إسرائيل في سباق أوروبا الجديد؟

لم تعد المنافسة في شرق المتوسط تدور حول اكتشاف حقول غاز جديدة أو الفوز بعقود تصدير. فالموضوع غدا أعمق من ذلك ويحدد من سيكون الشريك الذي تعتمد عليه أوروبا في بناء منظومتها الجديدة للطاقة والتجارة خلال العقود المقبلة.

فبعد الحرب الروسية - الأوكرانية، لم يعد أمن الطاقة الأوروبي يعني فقط استبدال الغاز الروسي بمصادر أخرى، بقدر ما صار يتمحور حول إعادة تصميم شبكة كاملة من الإمدادات تشمل الطاقة، والموانئ، والكهرباء، والهيدروجين، والبيانات، وسلاسل الإمداد.

وفي هذا التحول برز نموذجان متنافسان، هما تركيا التي تسعى إلى التحول إلى مركز إقليمي لتجارة الطاقة، وإسرائيل التي تعمل على بناء شراكة اقتصادية أوسع مع أوروبا تتجاوز تصدير الغاز إلى التكامل في منظومة الطاقة والتجارة الجديدة. وستنعكس نتائج هذا التنافس أيضا على دول الخليج ومصر، وعلى مستقبل الممرات التجارية والطاقة النظيفة في المنطقة.

أوروبا تبحث عن بديل للنظام الطاقوي القديم

شكل الغزو الروسي لأوكرانيا عام 2022 نقطة تحول كبرى في سياسة الطاقة الأوروبية. فقبل الحرب، كانت روسيا توفر نحو 45 في المئة (نحو 155 مليار متر مكعب سنويا) من واردات الاتحاد الأوروبي من الغاز الطبيعي، وفق بيانات المفوضية الأوروبية، مما جعلها المورد الخارجي الأكبر للقارة. وكانت الغالبية العظمى من الغاز الروسي تُورَّد إلى أوروبا عبر شبكات خطوط الأنابيب المارة عبر بيلاروسيا وأوكرانيا وتركيا، أو من خلال خط أنابيب "نورد ستريم 1" الذي يوفر اتصالا مباشرا بين روسيا وألمانيا.

تشير بيانات مجلس الاتحاد الأوروبي إلى أن النروج أصبحت أكبر مورّد للغاز إلى الاتحاد الأوروبي في عام 2025 بحصة بلغت 30.9 في المئة

لكن انهيار هذا النموذج دفع الاتحاد الأوروبي إلى إطلاق خطة "ريباور إي يو" (REPowerEU)، في مايو/أيار 2022 بهدف تقليص اعتماد التكتل على الطاقة الروسية، وتنويع الموردين، وزيادة واردات الغاز الطبيعي المسال، وتسريع التحول نحو الطاقة المتجددة. ونجحت الخطة في خفض حصة الغاز الروسي من واردات الاتحاد الأوروبي من 45 إلى 19 في المئة. إلا أن واردات الغاز الروسي شهدت ارتفاعا مجددا خلال عام 2024، مما دفع المفوضية إلى طرح خريطة طريق جديدة تستهدف إنهاء الاعتماد على الطاقة الروسية بشكل كامل، بالتوازي مع تسريع التحول إلى الطاقة النظيفة.

وتقضي الخطة بأن تعد كل دولة عضو، في حلول نهاية عام 2025، خطة وطنية للتخلص التدريجي من واردات الغاز والنفط والوقود النووي الروسي. كما تستهدف وقف جميع واردات الغاز الروسي في حلول نهاية عام 2027، عبر حظر العقود الجديدة وإنهاء العقود الفورية في نهاية 2025، وتشديد الرقابة على تجارة الغاز الروسي.

وتشمل الإجراءات أيضا مكافحة "أسطول الظل" الذي تستخدمه موسكو للالتفاف على العقوبات النفطية، وتقييد عقود استيراد اليورانيوم والمواد النووية الروسية. وترى المفوضية أن هذه الخطوات ستعزز أمن الطاقة الأوروبي، وتدعم تنافسية الاقتصاد، وتسرّع التحول نحو نظام طاقة أكثر استقلالية واستدامة، مع إعداد تشريعات جديدة لترجمة هذه الخطة إلى إجراءات ملزمة.

رويترز
حقل كاريش للغاز الطبيعي قبالة سواحل إسرائيل في شرق البحر المتوسط، في 9 مايو/أيار 2022

وتشير بيانات مجلس الاتحاد الأوروبي إلى أن النروج أصبحت أكبر مورّد للغاز إلى الاتحاد في عام 2025 بحصة بلغت 30.9 في المئة، تلتها الولايات المتحدة (26.2 في المئة)، من ثم شمال أفريقيا، بما يشمل الجزائر وليبيا (12.7 في المئة)، وأذربيجان (3.9 في المئة) وقطر (3.7 في المئة)، في تحول يعكس نجاح استراتيجيا بروكسيل لتنويع مصادر الإمدادات بعد الحرب في أوكرانيا.

ولم يعد معيار الشراكة الأوروبية يقتصر على قدرة الدولة على تصدير الغاز، بل اتسع ليشمل الاستثمار في البنية التحتية، وممرات الطاقة، والهيدروجين الأخضر، وربط أسواق الطاقة والتجارة، بما ينسجم مع استراتيجيا "غلوبال غايتواي" (Global Gateway) التي أطلقها الاتحاد الأوروبي عام 2021 كإطار لتعزيز الشراكات الدولية عبر استثمارات تصل إلى 300 مليار يورو في مشروعات البنية التحتية حول العالم. وتركز الاستراتيجيا على تطوير قطاعات الطاقة، والنقل، والرقمنة، والصحة، والتعليم والبحث العلمي، بهدف بناء روابط اقتصادية أكثر استدامة وأمنا مع الدول الشريكة.

تكتسب المضائق التركية أهمية خاصة في منظومة أمن الطاقة العالمية، إذ يمر عبرها ما يقارب 3 في المئة من الطلب العالمي على النفط

وفي السياق عينه، تؤكد وكالة الطاقة الدولية (IEA) أن أمن الطاقة في المرحلة المقبلة سيعتمد بصورة متزايدة على تنويع مصادر الإمدادات، وتعزيز مرونة وأمن شبكات الكهرباء، وتسريع تطوير الهيدروجين المنخفض الانبعاثات، إلى جانب تحديث البنية التحتية للطاقة بما يدعم التحول نحو نظام طاقة أكثر مرونة واستدامة. وهنا تحديدا تظهر أهمية كل من تركيا وإسرائيل، على الرغم من اختلاف نموذجيهما.

تركيا: من ممر للطاقة إلى مركز إقليمي

تراهن تركيا على أن موقعها الجغرافي يمنحها فرصة تاريخية للتحول من دولة عبور إلى مركز إقليمي لتجارة الطاقة. فهي الدولة التي تربط بين روسيا وأذربيجان وإيران والشرق الأوسط وأوروبا.

تمتلك تركيا واحدة من أكثر شبكات نقل الغاز تطورا في المنطقة، مما يعزز طموحها للتحول إلى مركز إقليمي لتجارة الطاقة. وتكتسب المضائق التركية أهمية خاصة في منظومة أمن الطاقة العالمية، إذ يمر عبرها ما يقارب 3 في المئة من الطلب العالمي على النفط، مما يجعلها أحد أهم الممرات البحرية الاستراتيجية لتجارة الطاقة الدولية، بحسب وزارة الخارجية التركية.

ديانا إستيفانيا روبيو

ويعد خط أنابيب الغاز العابر للأناضول (TANAP) الذي ينقل الغاز الأذري، العمود الفقري للممر الجنوبي للغاز، إذ تبلغ طاقته الحالية نحو 16 مليار متر مكعب سنويا، منها 6 مليارات متر مكعب للسوق التركية و10 مليارات متر مكعب تُنقل إلى أوروبا عبر خط الأنابيب العابر للأدرياتيك (TAP). وهناك خطط لرفع طاقته إلى 31 مليار متر مكعب سنويا، وخطط موازية لتوسيع قدرة خط الأنابيب العابر للأدرياتيك، لتصل إلى 20 مليار متر مكعب سنويا، مما يعني مضاعفة الطاقة الاستيعابية الحالية لهذا المسار تقريبا.

كما يتكون خط "تورك ستريم" من خطين بطاقة 15.75 مليار متر مكعب سنويا لكل منهما، يزود أحدهما السوق التركية بينما ينقل الآخر الغاز إلى دول جنوب ووسط أوروبا. إلى ذلك، تمتلك تركيا بنية تحتية متقدمة للغاز الطبيعي المسال تشمل محطتين بريتين وثلاث وحدات عائمة لإعادة التغويز (FSRU)، فضلا عن منشآت تخزين تحت الأرض، مما يمنحها مرونة كبيرة في استقبال الغاز من مصادر متعددة وإعادة ضخه إلى شبكاتها وأسواق المنطقة.

وتوفر هذه المنشآت مجتمعةً لتركيا قدرة إجمالية لإعادة تغويز الغاز الطبيعي المسال تبلغ نحو 51.3 مليار متر مكعب سنويا (ما يعادل نحو 39–40 مليون طن سنويا)، لتحتل المرتبة الثانية أوروبيا بعد إسبانيا. وتمنح هذه البنية التحتية أنقرة مرونة كبيرة في تنويع مصادر استيراد الغاز الطبيعي وضمان إمدادات مستقرة للسوق المحلية، فضلا عن تعزيز قدرتها على إعادة توجيه الإمدادات إلى الأسواق الإقليمية.

سنجعل تركيا مركزا للطاقة، أولا على مستوى منطقتها، ثم على المستوى العالمي

الرئيس رجب طيب أردوغان

لكن الطموح التركي يتجاوز العبور. فالدولة تسعى إلى إنشاء منصة إقليمية لتجارة الغاز، بحيث تتحول إلى مركز لتجميع الإمدادات من مصادر مختلفة، وتداولها وإعادة تصديرها، على غرار مراكز الغاز الأوروبية الكبرى.

وقد أكد الرئيس رجب طيب أردوغان هذا التوجه منذ عام 2023 بقوله: "سنجعل تركيا مركزا للطاقة، أولا على مستوى منطقتها، ثم على المستوى العالمي"، فيما وصف وزير الطاقة ألب أرسلان بيرقدار الهدف بأنه تحويل تركيا إلى "مركز إقليمي رئيس للغاز".

أ.ف.ب
حفل افتتاح خط أنابيب الغاز الطبيعي بين تركيا وسوريا في ولاية كليس التركية، في 2 أغسطس/آب 2025. وقد شكّل هذا المشروع الانطلاقة الفعلية لإمدادات الغاز من أذربيجان إلى سوريا.

يستند هذا الطموح إلى عناصر قوة حقيقية، هي الموقع الجغرافي، والبنية التحتية القائمة، والقرب من مصادر الطاقة في روسيا، وبحر قزوين، والشرق الأوسط وشرق المتوسط. إلا أن تحقيق هذا الهدف يظل رهنا باستكمال إصلاحات سوق الغاز، وتنويع مصادر الإمدادات، والحد من الاعتماد على مورد واحد، وتعزيز شفافية وسيولة السوق، وهي عوامل تعدها وكالة الطاقة الدولية ومفوضية الاتحاد الأوروبي من المقومات الأساس لنجاح أي مركز إقليمي لتجارة الغاز.

وعلى الرغم من أن تركيا أصبحت منتجا للنفط والغاز بعد تطوير حقل صقاريا للغاز في البحر الأسود (الذي ينتج يوميا نحو 9.5 ملايين متر مكعب يوميا منذ أبريل/نيسان 2025 مع خطط لرفع إنتاجه إلى 20 مليون متر مكعب يوميا في حلول نهاية 2026)، بالإضافة إلى حقول غابار النفطية (الذي ارتفع إنتاجها إلى نحو 81 ألف برميل يوميا في 2025)، فإن إنتاجها المحلي لا يزال دون مستوى الطلب المحلي.

إلا أن أنقرة تراهن على الجمع بين الإنتاج المحلي وشبكة خطوط الأنابيب والبنية التحتية للغاز الطبيعي المسال لتتحول إلى مركز إقليمي لتجارة الطاقة. فهي  تستطيع أن تكون طريقا رئيسا للطاقة، لكن التحول إلى مركز إقليمي للطاقة يتطلب أكثر من خطوط الأنابيب، ليشمل السوق الشفافة والقواعد المستقرة والقدرة على التأثير في الأسعار والتجارة.

إسرائيل... من تصدير الغاز إلى شراكة اقتصادية أوسع

أما إسرائيل فتنطلق من استراتيجيا مختلفة. فهي راهنت في البداية على مشروع خط أنابيب "شرق المتوسط" (EastMed) لنقل الغاز الإسرائيلي والقبرصي مباشرة إلى أوروبا. وقد وقع الاتفاق في عام 2020 بين إسرائيل واليونان وقبرص. وكان الهدف إنشاء خط أنابيب ينقل الغاز من حقول شرق المتوسط إلى أوروبا عبر قبرص واليونان، بطاقة أولية تبلغ 10 مليارات متر مكعب سنويا، مع إمكان مضاعفتها مستقبلا. إلا أن التحديات الاقتصادية والفنية التي واجهت المشروع حالت دون تنفيذه، ودفعت إسرائيل إلى توسيع رؤيتها.

ولم يعد هدفها يقتصر على تصدير الغاز، بل أصبح يتمثل في ترسيخ موقعها ضمن شبكة أوروبية متكاملة تجمع بين الطاقة والبنية التحتية والتكنولوجيا، عبر زيادة صادرات الغاز إلى أوروبا من خلال مصر، والمشاركة في مشروعات الربط الكهربائي، والتعاون في التكنولوجيا والطاقة النظيفة.

لم تعد الاستراتيجيا الإسرائيلية تقتصر على تصدير الغاز، بل اتجهت إلى تعميق التكامل مع أوروبا في قطاع الطاقة، عبر زيادة صادرات الغاز من خلال محطات الإسالة المصرية، والمشاركة في مشروعات الربط الكهربائي، وتوسيع التعاون في الهيدروجين المنخفض الكربون، والطاقة المتجددة، وكفاءة الطاقة، والابتكار

ومنذ اكتشاف حقلي "تمار" عام 2009 و"ليفياثان" عام 2010، تحولت إسرائيل من دولة تعتمد على استيراد الغاز الطبيعي إلى منتج ومصدر إقليمي للغاز. ففي عام 2024 بلغ إنتاجها نحو 27 مليار متر مكعب، خُصص أكثر من نصفه للسوق المحلية، فيما صُدّر الباقي إلى مصر والأردن، بزيادة تقارب 13 في المئة عن العام السابق، وفق وزارة الطاقة والبنية التحتية الإسرائيلية.

لكن حجم الغاز الإسرائيلي لا يزال غير كاف لمنافسة كبار الموردين العالميين. وللمقارنة، صدّرت النروج إلى أوروبا أكثر من 100 مليار متر مكعب عام 2024، فيما بلغت صادرات الولايات المتحدة من الغاز الطبيعي المسال إلى أوروبا أكثر من 6 مليار متر مكعب في العام نفسه. 

لذلك لم تعد الاستراتيجيا الإسرائيلية تقتصر على تصدير الغاز، بل اتجهت إلى تعميق التكامل مع أوروبا في قطاع الطاقة، عبر زيادة صادرات الغاز من خلال محطات الإسالة المصرية، والمشاركة في مشروعات الربط الكهربائي، وتوسيع التعاون في الهيدروجين المنخفض الكربون، والطاقة المتجددة، وكفاءة الطاقة، والابتكار، وفق مذكرة التفاهم الموقعة بين الاتحاد الأوروبي ومصر وإسرائيل عام 2022. وتنص المذكرة على أن الأطراف ستتعاون في "الهيدروجين المتجدد والمنخفض الكربون، والغازات المتجددة، وكفاءة الطاقة، وتقنيات توفير الطاقة، وخفض انبعاثات الميثان".

أ.ف.ب
صورة جوية لميناء حيفا، 17 أغسطس/آب 2024

ويأتي أيضا مشروع "غريت سي انتركونيكتور" (Great Sea Interconnector)، المعروف سابقا باسم "يورو آسيا إنتركونيكتور"، وهو مشروع ضخم لمد كابل كهربائي بحري يربط شبكات الكهرباء في كل من اليونان، قبرص، وإسرائيل في هذا السياق. وعلى الرغم من أنه لا يزال قيد التنفيذ ويواجه تحديات سياسية ومالية، من المتوقع أن يدمج شبكات الكهرباء في شرق المتوسط مع السوق الأوروبية، ويعزز أمن الإمدادات، ويدعم دمج مصادر الطاقة المتجددة. وتصفه المفوضية الأوروبية بأنه مشروع ذو مصلحة مشتركة (Project of Common Interest) يسهم في إنهاء العزلة الطاقية لقبرص وربطها بالشبكة الكهربائية الأوروبية.

وفي هذا السياق، يبرز أيضا مشروع الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا (IMEC)، الذي أُعلن خلال قمة مجموعة العشرين في نيودلهي عام 2023 بمشاركة الهند والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة والسعودية والإمارات وإسرائيل، باعتباره إطارا لشبكة متكاملة تربط الموانئ والسكك الحديد والبنية الرقمية والطاقة بين آسيا وأوروبا. وبالنسبة لإسرائيل، يمنحها المشروع موقعا محوريا بوصفها حلقة وصل بين الخليج والبحر المتوسط، بما يعزز دورها في التجارة الإقليمية، إلى جانب دمجها في شبكات الطاقة والاتصالات المستقبلية التي يستهدفها الممر.

لا يمكن أن يكون هناك ممر من دون تركيا

الرئيس رجب طيب أردوغان

ويمثل مشروع الممر امتدادا للرؤية الإسرائيلية ويمنحها فرصة لترسيخ موقعها كبوابة لوجستية وطاقة بين آسيا وأوروبا، بدلا من الاكتفاء بدور مصدر للغاز. ويحمل المشروع بعدا جيوسياسيا أوسع، إذ يرى عدد من مراكز الأبحاث الغربية، مثل "المجلس الأطلسي" (Atlantic Council)، أنه يمثل جزءا من الجهود الأميركية والأوروبية لتوفير بديل لمبادرة "الحزام والطريق" الصينية، وتعزيز سلاسل إمداد أكثر تنوعا ومرونة، في ظل تصاعد المنافسة الاستراتيجية بين واشنطن وبكين على شبكات التجارة والبنية التحتية العالمية.

وعلى الرغم مما يحمله مشروع الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا من طموحات اقتصادية وجيوسياسية، فإنه لا يزال يواجه تحديات كبيرة، أبرزها التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، وغياب إطار تمويلي شامل للممر، وتعقيد التنسيق بين عدد كبير من الدول المشاركة، فضلا عن المنافسة مع ممرات تجارية راسخة مثل قناة السويس ومبادرة "الحزام والطريق" الصينية.

وعلى سبيل المثل، تعاني خطة ممر النقل من فجوة تمويلية تُقدَّر بنحو 5 مليارات دولار للوصول إلى الحد الأدنى من الجاهزية التشغيلية، بما يتيح ربط موانئ الخليج بمدينة حيفا في إسرائيل. وتتركز معظم الاحتياجات التمويلية غير الملباة في الأردن وإسرائيل، أو في مراكز لوجستية يُرجَّح إنشاؤها في عدة مواقع، منها حرض والحديثة في السعودية، والمفرق في الأردن، ومنطقة قريبة من بيت شان في إسرائيل.

أ.ف.ب
منشأة خط أنابيب نقل الغاز الطبيعي لوزينيتس–نديالسكو الممتد من تركيا بالقرب من قرية لوزينيتس، بلغاريا، 3 أغسطس/آب 2018

لذلك، يرى عدد من مراكز الأبحاث أن نجاح المشروع سيعتمد على تنفيذه بصورة تدريجية عبر مشروعات فرعية، وليس باعتباره مشروعا واحدا متكاملا.

مشروع الممر الاقتصادي منافس لتركيا أم مكمل لها؟

أثار مشروع الممر نقاشا حول مستقبل الدور الجيو-اقتصادي لتركيا، إذ يستبعد مساره الأراضي التركية، على الرغم من أن أنقرة بنت على مدى عقود مكانتها باعتبارها حلقة الوصل الطبيعية بين آسيا وأوروبا عبر شبكات التجارة والطاقة والنقل. لذلك، رأت تركيا في المشروع تحديا لدورها التقليدي، وهو ما عبّر عنه أردوغان بقوله: "لا يمكن أن يكون هناك ممر من دون تركيا"، في إشارة إلى أن بلاده لا تزال ترى نفسها المسار الأكثر كفاءة لربط الشرق بالغرب.

لكن الاقتصاد العالمي لا يعمل عادة عبر طريق واحد. فالتجربة الأوروبية مع روسيا أظهرت مخاطر الاعتماد على مسار واحد، ولذلك تتجه أوروبا إلى بناء شبكة متعددة الخيارات.

ومن هذه الزاوية، قد لا يكون الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا بديلا من تركيا، كما أن استمرار الدور التركي لا يعني فشل المشروع. فتركيا قد تبقى مركزا للطاقة القادمة من الشرق، بينما تصبح إسرائيل جزءا من شبكة تجارية وتقنية تربط الخليج والهند وأوروبا.

تبرز السعودية والإمارات ومصر بين الدول المتقدمة في تطوير مشروعات الهيدروجين والطاقة المتجددة، فيما يمنح موقع المنطقة الجغرافي، إلى جانب الموانئ الخليجية وقناة السويس، ميزة استراتيجية لربط الإنتاج بأسواق التصدير في أوروبا وآسيا

والاختلاف الأساس أن تركيا تراهن على الجغرافيا والبنية التحتية القائمة، بينما تراهن إسرائيل على التكامل الاقتصادي والتكنولوجي. ومع ذلك، يمكن للمشروعين أن يتكاملا: تركيا قوية في الغاز التقليدي والعبور الشمالي-جنوبي، بينما يركز الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا على الربط الشرق-غربي المتعدد الوسائط. ويمكن التعاون المحتمل (على الرغم من التوترات السياسية) أن يعزز القدرة الإجمالية على تلبية احتياجات أوروبا.

ماذا عن عصر ما بعد الغاز؟

لن تُحسم المنافسة المستقبلية بكميات الغاز وحدها. فالاتحاد الأوروبي يمضي في تنفيذ سياسات تستهدف بناء اقتصاد منخفض الكربون، مما يجعل الكهرباء، والهيدروجين المتجدد والمنخفض الكربون، والبنية التحتية الرقمية، عناصر متزايدة الأهمية في أمن الطاقة والتنافسية الاقتصادية، وفق استراتيجيات "الصفقة الخضراء الأوروبية" التي تستهدف تحويل الاتحاد الأوروبي إلى اقتصاد محايد مناخيا في حلول عام 2050  و"غلوبال غايتواي".

أ.ف.ب
وفود من مصر وإسرائيل وقبرص وإيطاليا والسلطة الفلسطينية والأردن وفرنسا والولايات المتحدة واليونان تشارك في اجتماع "منتدى غاز شرق المتوسط" في القاهرة، 16 يناير/كانون الثاني 2020

كما تشير وكالة الطاقة الدولية إلى أن الطلب على الغاز الطبيعي في أوروبا سيواصل اتجاهه النزولي حتى عام 2030. وتتوقع الوكالة انخفاض الطلب الأوروبي بنحو 8 في المئة خلال الفترة 2024-2030، مدفوعا بالتوسع في مصادر الطاقة المتجددة، وتحسن كفاءة استخدام الطاقة، وتسارع كهربة القطاعات الاقتصادية، في حين سيظل الغاز يؤدي دورا مهما في ضمان أمن الإمدادات خلال المرحلة الانتقالية.

وبذلك، لن تُقاس أهمية الدول الشريكة لأوروبا مستقبلا بحجم صادراتها من الغاز فقط، إنما بقدرتها على الاندماج في منظومة الطاقة الجديدة، التي تجمع بين الكهرباء والهيدروجين المتجدد والبنية الرقمية وسلاسل الإمداد. وفي هذا السياق، تتنافس تركيا وإسرائيل على شغل موقع استراتيجي في الاقتصاد الأوروبي المنخفض الكربون.

وهنا تظهر أهمية الدول العربية...

تشير الوكالة الدولية للطاقة المتجددة (IRENA) إلى أن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تمتلك واحدا من أفضل المقومات العالمية لإنتاج الهيدروجين المتجدد بتكاليف تنافسية، بفضل وفرة موارد الطاقة الشمسية والرياح، وتوافر الأراضي، وارتفاع جودة الموارد المتجددة.

وتبرز السعودية والإمارات ومصر بين الدول المتقدمة في تطوير مشروعات الهيدروجين والطاقة المتجددة، فيما يمنح موقع المنطقة الجغرافي، إلى جانب الموانئ الخليجية وقناة السويس، ميزة استراتيجية لربط الإنتاج بأسواق التصدير في أوروبا وآسيا.

وتقف مصر بصورة خاصة في هذه المنظومة باعتبارها البوابة الرئيسة لتصدير غاز شرق المتوسط إلى أوروبا، مستفيدة من امتلاكها محطتي إسالة الغاز في إدكو ودمياط، وموقعها الاستراتيجي على قناة السويس، إلى جانب توسعها في مشروعات الهيدروجين الأخضر والربط الكهربائي مع أوروبا ودول الجوار.

السيناريو الأكثر واقعية اقتصاديا، هو قيام منظومة متعددة المراكز تستفيد فيها أوروبا من تركيا وإسرائيل ودول الخليج ومصر في آن واحد. فالقارة الأوروبية لن تبحث بعد تجربة روسيا عن مركز جديد للاعتماد عليه، بل عن شبكة تقلل المخاطر

أما قطر، فستبقى لاعبا رئيسا في سوق الغاز الطبيعي المسال إذ تستهدف زيادة طاقتها الإنتاجية من 77 مليون طن سنويا إلى 142 مليون طن سنويا في حلول 2030 عبر توسعات حقل الشمال، بالتوازي مع سعيها إلى توظيف عائدات الطاقة في تنويع الاقتصاد والاستثمار في صناعات الطاقة المنخفضة الكربون وسلاسل القيمة المرتبطة بها، بما يتجاوز دورها التقليدي كمصدر للغاز.

وتشير وكالة الطاقة الدولية إلى أن التحول العالمي في قطاع الطاقة سيتطلب استثمارات ضخمة في شبكات الكهرباء، والبنية التحتية للهيدروجين المنخفض الانبعاثات، وأنظمة النقل والتخزين، لضمان دمج الطاقات المتجددة وتعزيز أمن الإمدادات. وفي هذا السياق، تزداد الميزة التنافسية للدول التي تجمع بين وفرة رأس المال، وموارد الطاقة المتجددة، والبنية التحتية اللوجستية، بما في ذلك الموانئ وشبكات النقل.

غير أن الحسابات الاقتصادية لا تعمل في فراغ سياسي. فالعلاقات التركية - الأوروبية لا تزال تتأثر بملفات الهجرة وقبرص والخلافات السياسية، بينما تواجه إسرائيل تحديات مرتبطة بالاستقرار الإقليمي والصراع الفلسطيني. ولذلك فإن القدرة على تقديم بيئة سياسية مستقرة ستكون عاملا حاسما في جذب الاستثمارات وتحويل المشاريع الكبرى من خطط استراتيجية إلى واقع اقتصادي.

ثلاثة سيناريوهات لمستقبل المنافسة

سيناريوهات ثلاثة تختزل ما قد يحصل مستقبلا: السيناريو الأول هو صعود تركيا كمركز الطاقة الإقليمي لأوروبا. وهذا يتطلب نجاحها في بناء سوق غاز حقيقية وليس مجرد شبكة عبور، مع الحفاظ على ثقة الشركاء الأوروبيين.

رويترز
سفينة الحفر التركية "يافوز" تبحر في خليج إزميت في طريقها إلى البحر المتوسط قبالة ميناء ديلوفاسي في تركيا، 20 يونيو/حزيران 2019

أما السيناريو الثاني، فيقوم على نجاح النموذج الإسرائيلي، بحيث تتحول إسرائيل إلى عقدة ضمن شبكة اقتصادية تربط أوروبا بالشرق الأوسط وآسيا عبر الطاقة والتكنولوجيا والممرات التجارية. في حين أن السيناريو  الثالث، وهو الأكثر واقعية اقتصاديا، هو قيام منظومة متعددة المراكز تستفيد فيها أوروبا من تركيا وإسرائيل ودول الخليج ومصر في آن واحد. فالقارة الأوروبية لن تبحث بعد تجربة روسيا عن مركز جديد للاعتماد عليه، بل عن شبكة تقلل المخاطر.

أما الدول العربية، فتمتلك فرصة تاريخية إذا نجحت في الانتقال من تصدير الموارد الخام إلى بناء منظومات متكاملة للطاقة والنقل والتكنولوجيا.

وفي مرحلة أولى، قد تبدو تركيا اليوم أقرب إلى تحقيق أهدافها، لأنها تمتلك بالفعل شبكة تشغيلية من خطوط الأنابيب، ومحطات الغاز المسال، والتخزين، والتجارة، بينما لا تزال إسرائيل تبني نموذجا مختلفا يقوم على الاندماج التدريجي في منظومة الطاقة الأوروبية عبر تصدير الغاز، والربط الكهربائي، والطاقة المنخفضة الكربون.

إلا أن ما هو واضح أن المنافسة بين البلدين ليست على بيع الغاز فقط، بل على أي نموذج ستفضله أوروبا في مرحلة ما بعد الاعتماد على روسيا: مركز عبور وتداول للطاقة، أم شبكة من الشراكات المتخصصة في الطاقة والبنية التحتية. لذلك، قد لا يكون الفائز في هذا السباق دولة واحدة، بل شبكة من الدول التي تنجح في تحويل موقعها الجغرافي ومواردها إلى نفوذ اقتصادي مستدام.

font change

مقالات ذات صلة