مأساة سبتة وأوهام الخلاص وفردوس التواصل الاجتماعي القاتل

الأوطان الطاردة والجنات المستحيلة

JORGE GUERRERO / AFP
JORGE GUERRERO / AFP
مهاجرون يعبرون عائدين إلى المغرب بعد دخولهم جيب سبتة الإسباني.

مأساة سبتة وأوهام الخلاص وفردوس التواصل الاجتماعي القاتل

بينما كان يصطف مئات الآلاف حول العالم في طوابير أمام صالات السينما، لمشاهدة قصة الملك التائه أوديسيوس ورحلة عودته الملحمية إلى مملكته وعائلته، كان آلاف الشباب، على بعد ثلاثة آلاف عام من ملحمة "الأوديسة"، وإن في بيئة بحرية مشابهة، يتركون كل شيء وراءهم، ويسبحون للوصول إلى "وطن" آخر متخيل، أي أنه في رأسهم فقط، وربما على شاشات هواتفهم، يرون فيه أرض الأحلام الموعودة. بين التوق إلى العودة إلى الأوطان، والتضحية حتى بالخلود لهذه الغاية، وبين التخلي الاضطراري عن الأوطان، مسافة شاسعة، تطرح علينا فكرة الهوية والانتماء في عصرنا هذا. إلا أن هناك عنصرا مشتركا بين الأمرين، وهو فكرة الثمن الذي ندفعه لهذا الخيار أو ذاك. في الحالتين، ثمة رحلة محفوفة بالمخاطر، وثمة الإغراءات المخاتلة، ثمة احتمال الفناء، وثمة الوصول أو عدم الوصول إلى الخلاص في نهاية المطاف.

مرحبا بكم في عصر الغابات

لم تكن هناك حاجة لوجود لاعبة كرة قدم شابة، بين الضحايا السبعين (بحسب السلطات الإسبانية، والـ 11 بحسب السلطات المغربية)، في كارثة العبور الجماعي (أسماها بعضهم اجتياحا أو غزوا) من المغرب إلى إسبانيا، ليرى العالم حجم المأساة. هذه الفتاة عرف الجميع اسمها، فاتن العزيزي، لكنها مع ذلك بقيت مجهولة، شأن بقية الضحايا. الأرجح أننا لن نعرف قريبا، وربما لن نعرف أبدا، كيف وقعت هذه المأساة على وجه الدقة، وإلى من يجب توجيه أصابع الاتهام. في لعبة السياسة التي رأيناها تتجلى بوضوح في أزمة سبتة، يسهل توجيه الاتهامات، بل يصبح هذا جوهر المسألة.

مواقع التواصل الاجتماعي، العربية والإسبانية والغربية، اكتظت بالتعليقات. بعضها من الواضح كان جزءا من حملة رقمية تريد توجيه "الرأي العام" (ربما الأدق تسميته بالعاطفة العامة) العالمي في هذا الاتجاه أو ذاك. بعضها الآخر كان استحضارا متقطعا للحظات من الكارثة. بعضها الثالث كان يصور بعض الناجين، ممن عادوا من حيث جاؤوا، وهم يروون قصة الجوع والعطش والخديعة التي تعرضوا لها، دون أن يعرف من نسج هذه الخديعة ونفذها.

حين يموت العشرات في غضون ساعات وهم يحاولون العبور من مكان إلى آخر، فإن ذلك يطرح دائما سؤالا على الإنسانية برمتها

كانت مسألة أرقام في البداية: أربعون ألفا، خمسون، ستون، سبعون ألف مهاجر. وكذلك تدرجت صعودا أرقام الضحايا. تظهر مقاطع الفيديو مجتمعة مشهدا وحشيا يصعب تخيله في فيلم سينمائي. الآلاف يفترشون أرصفة وساحات مدينة صغيرة لا يتجاوز عدد سكانها 80 ألفا، شاء القدر أن تكون نقطة استراتيجية عالمية تتمحور حولها قضايا كبرى مثل المعابر، والحدود، والأوطان، والاستعمار، والهجرة إلخ. الوزير الإسرائيلي المتطرف إيتمار بن غفير رأى في هذه المشهدية فرصة للشماتة بإسبانيا التي صارت عدوة، لجميع الأسباب المعروفة، الرئيس الأميركي دونالد ترمب، وجد فيها فرصة للتوظيف السياسي والاستثمار الانتخابي، وفي الوقت نفسه للانتقام من خصمه اللدود متمثلا في الحزب الديمقراطي، الذي كان مشهد "اجتياح" المغاربة سيبدو مزحة أمام ما ستشهده الحدود الأميركية لو كان الديمقراطيون هم من يحكمون البلاد، على حدّ زعمه. إيطاليا ميلوني وجدت في ذلك فرصة للانقضاض على سياسات الهجرة الإسبانية التي شكلت حرجا وتحديا للسياسات اليمينية المتطرفة في أوروبا. بعضهم وجد في الحدث أيضا فرصة لانتقاد الحكم في المغرب الذي أوصل الناس إلى اليأس وضحى بهم كورقة ابتزاز سياسية، بحسب أولئك المنتقدين.

REUTERS/Jon Nazca
عوامة وأحذية تعود لمهاجرين تطفو في البحر على شاطئ تاراخال بسبتة.

أيا يكن، لا يغير هذا كله من حقيقة الأمر شيئا. في النهاية، الأمر لم يكن مزحة ولا مناورة. حين يموت العشرات في غضون ساعات، وهم يحاولون العبور من مكان إلى آخر، فإن ذلك يطرح دائما سؤالا كبيرا على الإنسانية برمتها، وهو السؤال نفسه الذي تطرحه الحروب المفتوحة، من السودان إلى فلسطين، إلى لبنان، إلى أوكرانيا، وصولا إلى إيران، إذا أردنا أن نسمي الساحات التي تعاني آثار حروب مباشرة فحسب. المشترك بين جميع هذه الساحات هو العجز الدولي الكامل عن حماية المدنيين والأبرياء. جميع الشعارات التي رفعتها الإنسانية، ولا سيما الغرب، بعد الحرب العالمية الثانية، جميع المنظمات والمؤسسات والتشريعات والمؤتمرات، التي تتزاحم في طرح عناوين التنمية وحقوق الإنسان والمساواة ومحاربة الفقر والحوكمة، تبدو اليوم فاشلة تماما في التعامل مع أي أزمة كبرى يواجهها العالم، وفي مقدمها أزمة المهاجرين.

المشترك في هذا المشهد العالمي الآخذ في الرسوخ يوما بعد يوم، وأزمة بعد أزمة، هو منطق الغابة، وقد انتقل من التوصيف الخطابي الإنشائي إلى أرض الواقع. بات العالم بالفعل مقسوما فسطاطين، ليسا بالضرورة فسطاطي الخير والشر التقليديين، لكن يمكن تسميتهما فسطاط الأقوياء وفسطاط الضعفاء. من يجنون الفوائد الحقيقية هم الفئة الأولى، ومن يدفعون الثمن الحقيقي هم الفئة الثانية. وإذا كان يسهل تحديد الفئة الأولى، لأنها صارت تعبر عن نفسها بوضوح تام، وبأرقام فلكية، فإنه ليس بالسهولة نفسها تحديد الفئة الثانية، إلا أنه يمكن التعميم بالقول إن الضعفاء يشملون كل من لا يملكون شبكة حماية حقيقية في هذا العالم.

 HENRY NICHOLLS / AFP
عناصر من قوات «ريغولاريس» الإسبانية يراقبون مجموعة من المهاجرين قرب حدود سبتة.

الحياة السعيدة السهلة

وسائل التواصل الاجتماعي، نفسها التي انتشرت عبرها شائعة الحدود الإسبانية المفتوحة، والعيش الرغيد المنتظر في أوروبا، لا تني تصور، عبر مستخدميها أنفسهم، مدى الآفاق المفتوحة لكل فرد. يقدم عالم التواصل الاجتماعي حلا سحريا لكل شيء تقريبا، من أعقد الطبخات، إلى أخبث الأمراض، ومن فنون التواصل والعيش، إلى فنون جني الثروات، ومن شؤون العلاقات والحب، إلى أساليب التفوق في الدراسة والعمل إلخ. أنشأت هذه المنصات فردوسا يعاش لحظة بلحظة وساعة بساعة. فجأة، بات الجميع مشغولين بشيء ما، بفكرة ما، بشعور ما. فجأة بات هناك من يمكن أن يشرح لك أزمة الشرق الأوسط بدقيقة، والحضارة الإغريقية بدقيقة ونصف الدقيقة، ومن ينتقم لك من علاقاتك العاطفية الفاشلة بعبارة، ومن يضع على لسانك ما تحتاج إليه للرد على مديرك أو على من يتصدى لك لأي سبب في الشارع. إنه فردوس الحلول السريعة والحقائق المطلقة، حيث يبدو أن الجميع ينتج كل شيء، ويستهلك كل شيء، ويعتقد أنه يملك سلطة الرأي والقرار والفعل في آن واحد.

إنه فردوس الحلول السريعة والحقائق المطلقة، حيث يبدو أن الجميع ينتج كل شيء، ويستهلك كل شيء

بين آلاف الفيديوهات المنتشرة هذه الأيام، التي تصور فتيات عربيات (وغير عربيات) يعملن في مجال الجنس، يروين فيه يومياتهن، ويعرضن بعضا من مفاتنهن، وهي تجارة يبدو أنها لا تقل ازدهارا عن فيديوهات الطبخ والتحليل السياسي والكوميديا التعليقية... هناك فيديو تتحدث فيه فتاة مع أحد برامج الذكاء الاصطناعي، الذي يسألها بلهجتها هي ("صوتك سكسي"، تقول له)، ماذا تريدين أن نفعل اليوم، هل تريدين مني أن أروي لك نكتة؟ فيروي لها النكتة، وتضحك الفتاة وصاحباتها اللواتي لا يظهرن في الصورة، وفي النهاية تربت الفتاة الهاتف، كأنها تربت كتف صديقة روت لها نكتة شيقة. الذكاء الاصطناعي هنا يبدو أقرب إلى الصديق الحميم، مستودع الأسرار، والناصح الأمين، والمعلم الخبير، لكن السياق العام لا يمت بصلة للعلم الذي يفترض أنه أنبت الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا برمتها. السياق العام يقول إن البشر لم يعودوا بحاجة إلى التفكير الحقيقي، ولا إلى اختبار مشاعر حقيقية. ولا يحتاجون قطعا إلى جدارة في أي شيء، يكفي أن يقول الشخص إنه هنا حتى يصبح هنا. لم يعد هناك ما يمكن أن نسميه مسافة بين حياة الشاشة وحياة الواقع، بل إن الشاشة في الغالب الأعم باتت هي الواقع، سواء المعيش حقا أو المحلوم به.

هناك أيضا الفيديوهات المولدة ببرامج الذكاء الاصطناعي، والتي تبدو الحياة فيها أسهل حتى من فيديوهات النصائح والحلول. هنا نجد الواقع نفسه يتحول بغاية السهولة أمام أعيننا، ومن هذا الواقع الجديد نشأت عبارة: "هذا ذكاء اصطناعي" لأي شيء يصعب تصديق حدوثه. لكن هناك سؤال أكثر شيوعا من الأول: "هل هذا حقيقي أم أنه ذكاء اصطناعي؟"، سؤال يعني تواتر طرحه أن الحقيقة – الحقيقة نفسها التي تروج لها فيديوهات النصائح والحلول – ليست حقيقة فعلا، إنها وجهة نظر، وعليك أن تقرر بنفسك، أو ربما بخبرتك، إن كنت تتبناها أم تنفيها.

REUTERS/Jon Nazca
أشخاص يغادرون سبتة باتجاه الحدود المغربية.

باختصار، لم يعد هناك حقيقة. هناك حزمة "حقائق" يمكنك الاختيار بينها، وأيا يكن خيارك فسيصبح بالفعل حقيقة، وستشاركه مع معارفك وأصدقائك بصفته هذه، وستجادل من مواقع الواثق المتيقن، بهذه الحقيقة. وهذا يكاد ينطبق على كل المحتوى الرقمي تقريبا. يوم الإثنين ستجد من يقول لك إنه لا يجوز لك ممارسة الرياضة بعد تناول الطعام، وستجد الخميس من يقول لك بأن ممارسة الرياضة مفيدة بعد تناول الطعام. هناك من كان يقول لك إن تناول البيض بكثرة يتسبب بارتفاع الكوليسترول، لكن الحقيقة البديلة اليوم أن دهون البيض مفيدة. وهناك أيضا من يقول لك بأنك تستطيع عبور ثلاثة كيلومترات سباحة، وحين تصل ستجد من يأخذك بالأحضان ويفتح لك أبواب الحياة الجديدة الرائعة.

 ABDEL MAJID BZIOUAT / AFP
امرأة تنتظر قرب السياج الحدودي في باب سبتة عودة أقاربها الذين عبروا إلى سبتة.

تعليق الحسم

حين يعلق كثر أن موجة الهجرة الأخيرة من المغرب إلى سبتة غير مسبوقة في العالم، فإن هذا عائد على الأرجح إلى فقدان الذاكرة الذي بات سمة من سمات عصرنا. لقد نسينا، خلال لحظات "مشاهدة" ملحمة العبور الفاشل هذه، وانطلاقا من قاعدة أن ما يحدث الآن هو الأولى بالاهتمام، حتى يأتي بعد ساعات حدث آخر يحتل صدارة الاهتمام، نسينا ملحمة العبور السوري عبر شواطئ المتوسط، تلك التي لم ترو فصولها بالكامل بعد، إلا أن نتيجتها المؤكدة ملايين اللاجئين المنتشرين في بلدان عدة، وعشرات آلاف الضحايا. نسينا ذلك، ونسينا كل الآلام والمظالم الأخرى، لأن التذكر صار أمرا اختياريا تفرض وجهته الخوارزميات. فجأة لم تعد غزة حديث العالم، مع أن الإبادة لم تتوقف. فجأة لم يعد الاحتلال، أو الاستيطان، محل نقاش حقيقي، بل حتى حرب ترمب على إيران فقدت زخمها. صارت، كما يقول كثر، "مملة"، مستعيرين صفات تستخدم عادة عند مشاهدة مسلسل أو فيلم ما.

حين يصرخ أحدهم اليوم احتجاجا على "رخص" حياة الإنسان، تعقيبا على أحداث سبتة، فإن صرخته لا تصل إلى أي مكان

ما صنعته السنوات القليلة الماضية، ولا سيما منذ الهولوكوست الأسدي في حق السوريين، ثم الهولوكوست الإسرائيلي في حق الفلسطينيين واللبنانيين، هو أن رواية الحدث – وصورته - صارا أهم من الحدث نفسه. حين سمح العالم لنظام الأسد بفعل ما فعله بالسوريين على امتداد سنوات طوال، ثم سمح للنظام الإسرائيلي بفعل ما فعله في غزة، ثم سمح بوقوع المذابح المروعة في السودان... فإنه عمليا طبّع البشر، أهل هذا الزمان، مع فكرة العنف الأقصى، ذلك العنف الذي لا يتفوق عليه إلا فناء البشرية نفسها. أما الحوادث الأخرى: المجازر، الحروب، الهجرات، الأزمات الاقتصادية، الاعتقالات، التعذيب، فكلها باتت امورا هامشية. حين يصرخ أحدهم اليوم احتجاجا على "رخص" حياة الإنسان، تعقيبا على أحداث سبتة، فإن صرخته لا تصل إلى أي مكان، وتقريبا لا تعني شيئا، فقد رأينا قبل ذلك رخص الإنسان في سوريا، ثم في غزة. الرخص هنا أشبه برخص، أو مجانية، المكالمات الهاتفية عبر "واتساب": كل شيء متاح، وكل شيء كثير وفائض على الحاجة، ولا يكلف شيئا، بما في ذلك القتل.

إنه، إذن، عالم ما بعد الإبادة. الديناميكيات التي كانت تحرك العالم قبل عقود قليلة، لم تعد فعالة في عالم اليوم. نسمع قبل أيام قليلة (أو حتى نرى فيديو) عن شخص أحرق نفسه في تونس يأسا من الأوضاع الاقتصادية، وهو ليس الأول ولا الثاني... حادثة مماثلة غيرت وجه المنطقة العربية قبل 15 عاما. اليوم لم يعد يمكن صرفها في سوق التحولات والأحداث المصيرية. اليوم تحدث بعض التعليقات العابرة على التواصل الاجتماعي. الحياة تستمر، ومعها التحديق في الصورة نفسها، دون حسم أي نتيجة في شأنها.

 JORGE GUERRERO / AFP
مهاجرون يسبحون حول الحاجز الحدودي بين المغرب وسبتة.

عالم بلا حدود

في فيديو آخر، لا نعرف إن كان حقيقيا أم مولدا بالذكاء الاصطناعي، دخل أحدهم إلى حساب التواصل الاجتماعي لشاب صوّر نفسه أثناء رحلة السباحة إلى سبتة. في هذا الفيديو نرى مجموعة صور للشاب الذي يبدو مترفا يقضي وقته بين برك السباحة، ملتقطا الصور لنفسه وهو يستمتع بوقته. شاب آخر أدلى بشهادته قائلا إنه لم يأت إلى سبتة طلبا للهجرة، بل للاستمتاع بوقته. رأى الفتى في الأمر مغامرة تستحق أن تخاض. كلاهما، والآلاف غيرهما، ممن اصطلح على تسميته بالجيل "زد"، يمكن القول بسهولة إنهم وقعوا في حبائل منصات التواصل الاجتماعي، إنما من المقلب الأخطر لها، ذلك الأقرب إلى فيديوهات الحيل والدعابات الخطرة التي يمارسها شبان على بعضهم عبر وسائل التواصل. المرح الذي يمكن تصويره والتعليق عليه عبر منصات التواصل، هو دافع بعض أولئك الشبان.

REUTERS/Pedro Nunes
مهاجرون يلعبون كرة القدم في سبتة بعد موجة العبور الجماعي.

الدافع الآخر ليس بعيدا أيضا عن موجات الفيديو التي تملأ حياة هؤلاء الشباب. إنهم يرون طوال الوقت حسناوات صغيرات في السن، "مثاليات" في جمالهن وأجسادهن، يجعلن هذا الجمال متاحا للجميع. وكذلك الأمر بالنسبة إلى مظاهر الثروة ورغد العيش. إنه منطق السيولة نفسه الذي يوهم أن كل شيء في متناول اليد. ليس عليك سوى أن تمد تلك اليد لتحصل عليه. لقد خلقت منصات التواصل الاجتماعي ذلك الوهم القاتل، بأن العالم صار خاليا من الحدود: لا الحدود الجغرافية، ولا السياسية، ولا الطبقية، ولا الثقافية، ولا الدينية، إلخ. وعد العالم المفتوح تحقق فقط عبر التواصل الاجتماعي، إلا أن العالم الحقيقي لا يني يذكر بنفسه أيضا. أوروبا، ومعها أميركا، بل العالم بأسره، لم يعد يفتح ذراعيه لأحد. الثروة، وما تأتي به من إغراءات ومكاسب وامتيازات، باتت متركزة أكثر فأكثر في دائرة تضيق. ما حدث في سبتة تذكار فاجع بهذه الحقيقة. أن العالم ليس مفتوحا بقدر ما توحي به الفيديوهات العابرة للحدود التي تصوره.

ربما تتيح التكنولوجيا للجميع التعبير عن رأيهم في كل شيء. لكنها في المقابل، تضيق هامش التغيير إلى حدود يبدو معها مستحيلا

العالم تغير بالفعل بسرعة قياسية خلال العشرين سنة الماضية، ولعله سيزداد تغيرا بسرعة أكبر خلال سنوات قليلة. ربما تتيح التكنولوجيا للجميع التعبير عن رأيهم في كل شيء. لكنها في المقابل، تضيق هامش التغيير إلى حدود يبدو معها مستحيلا. فالرأي يزاحمه رأي آخر، والحقيقة تدحضها حقيقة أخرى، والحقيقة التي لا جدال فيها أن الحدود الحقيقية، المادية، تزداد رسوخا، وأن الانتقال من واقع سيء إلى آخر أفضل، لا يمكن أن يحصل بكبسة زر المشاركة أو الإعجاب ولا عبر مجموعة "واتساب".

font change

مقالات ذات صلة