رئيسة وزراء اليابان... كيف ستوظف تفويضها الجديد الواسع

انتصار انتخابي لافت يعيد رسم السياسة اليابانية لسنوات مقبلة

(أ.ف.ب)
(أ.ف.ب)
رئيسة وزراء اليابان ورئيسة "الحزب الديمقراطي الليبرالي" ساناي تاكايتشي تضع وردة ورقية حمراء على اسم أحد المرشحين الفائزين في مقر الحزب، 8 فبراير 2026

رئيسة وزراء اليابان... كيف ستوظف تفويضها الجديد الواسع

غامرت تاكايتشي ساناي بمنصبها كرئيسة لوزراء اليابان حين دعت إلى انتخابات مبكرة، فجاءت المجازفة ناجحة. ففي الثامن من فبراير/شباط حقق الحزب الليبرالي الديمقراطي الحاكم فوزا واضحا. ومع استمرار فرز الأصوات، حصد الحزب أغلبية مريحة في مجلس النواب، الغرفة الأقوى في البرلمان، وهو يتجه نحو نيل أغلبية الثلثين حتى قبل احتساب دعم أي شريك ائتلافي. وتمنح هذه النتيجة تاكايتشي، التي تجمع بين مرونة مالية وتشدد أمني، تفويضا واسعا، وتؤشر إلى عودة "الحزب الليبرالي الديمقراطي" إلى موقع الهيمنة شبه الكاملة في السياسة اليابانية.

ولكن هذا الانتصار لم يكن مضمونا. فعلى الرغم من الشعبية اللافتة التي حظيت بها تاكايتشي منذ توليها المنصب في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، ظل حزبها أقل حظا في مزاج الناخبين. وتكشف النتائج أن جاذبيتها الشخصية شكلت عاملا حاسما بذاتها. فقد دخل الائتلاف الحاكم، الذي يضم "الحزب الليبرالي الديمقراطي" وشريكه "حزب الابتكار الياباني" (إيشين) وعددا من المستقلين المتحالفين، السباق الانتخابي وهو يشغل 233 مقعدا من أصل 465، بأغلبية هشة لا تتجاوز مقعدا واحدا.

أما الآن، فالحزب يتجه وفق التقديرات إلى الفوز بما لا يقل عن 330 مقعدا. ولقد استفاد الحزب من التراجع الحاد للمعارضة اليسارية الوسطية التقليدية، إذ يتوقع أن يخسر "تحالف الإصلاح الوسطي"، الناتج عن اندماج حزبين عريقين، أكثر من نصف مقاعده السابقة. ورغم أن أحزابا ناشئة أصغر تمكنت من تثبيت حضورها في البرلمان، فإن أيا منها لا يملك القدرة على تحدي الحزب الحاكم.

(أ.ف.ب)
أحد مسؤولي لجنة إدارة الانتخابات يستعد لبدء فرز الأصوات في انتخابات مجلس النواب في طوكيو، 8 فبراير 2026

منذ تأسيسه عام 1955، لم يخرج الحزب الليبرالي الديمقراطي من السلطة سوى مرتين. وبعد مرحلة مضطربة من حكم المعارضة بين عامي 2009 و2012، استعاد الحزب زمام المبادرة بقيادة مرشد السيدة تاكايتشي السياسي، شينزو آبي، الذي شغل منصب رئاسة الوزراء حتى عام 2020. غير أن السنوات الأخيرة شهدت تعثر الحزب تحت وطأة فضائح متلاحقة. ففي الاستحقاقين الأخيرين، انتخابات مجلس المستشارين في الصيف الماضي وانتخابات مجلس النواب في أكتوبر 2024، خسر الحزب أغلبيته واضطر إلى قيادة حكومة أقلية. وفي أكتوبر، أسندت قيادة الحزب إلى تاكايتشي، التي استعانت بحزب إيشين شريكا جديدا، ما أسفر عن أغلبية ضيقة.

تكشف النتائج أن جاذببة تاكايتشي الشخصية شكلت عاملا حاسما في الانتخابات

نجحت تاكايتشي في استقطاب ناخبين يتطلعون إلى التغيير، أو إلى ما يوحي به. فهي أول امرأة تتولى رئاسة الوزراء في اليابان، وقدمت صورة مختلفة عن أسلافها، مستندة إلى خلفية من الطبقة الوسطى وأسلوب مباشر في الخطاب. وفي ماضيها كانت عازفة طبول في فرقة لموسيقى الـ"هيفي ميتال"، وظهرت بثقة على المسرح الدولي، بما في ذلك في لقاءاتها مع دونالد ترمب، زعيم البلد الحليف الأهم لليابان، الذي أعلن دعمه لها قبل الانتخابات. كما أسهمت أزمة دبلوماسية مع الصين في تعزيز رصيدها الداخلي. أما تعهداتها بالإنفاق السخي، فعلى الرغم مما أثارته أحيانا من قلق في أسواق السندات، فقد وجدت صدى واسعا لدى شريحة كبيرة من الناخبين.

في جولات الحملة الانتخابية، أشعلت تاكايتشي حماسة الحشود. وحرصت على الإيفاء بوعدها بأن تعمل بلا كلل، فخلال الأيام الاثني عشر للحملة قطعت مسافة تجاوزت ما قطعه أي زعيم حزبي آخر، إذ جابت 12480 كيلومترا، وفق إحصاء أجرته صحيفة "يوميوري". كما قادت حزبها الهرم نحو العصر الرقمي، محولة إياه إلى قوة فاعلة على وسائل التواصل الاجتماعي.

في المقابل، بدا "تحالف الإصلاح الوسطي"، الذي تشكل على عجل، عاجزا عن بث أي زخم. فقد أدى الجمع بين "الحزب الديمقراطي الدستوري"، وريث "حزب اليابان الديمقراطي" ذي التوجه اليساري الوسطي، و"حزب كوميتو"، الشريك الائتلافي السابق لـ"الحزب الليبرالي الديمقراطي"، إلى حالة من التخبط بدل الانسجام. وعلى الإنترنت، لاحق التحالف لقب ساخر هو "5G"، في تلاعب بالكلمة اليابانية "أوجي سان" التي تعني الرجل المسن، في إشارة إلى أن قياداته العليا تتكون من سياسيين متقدمين في السن.

(أ.ف.ب)
شخص يمر بجانب لوحة تعرض ملصقات مرشحي انتخابات مجلس النواب على أحد شوارع طوكيو وسط تساقط الثلوج، 8 فبراير 2026

هذه النتيجة الانتخابية اللافتة مرشحة لإعادة رسم السياسة اليابانية لسنوات مقبلة. ومن المرجح أن يتنحى قادة تحالف الإصلاح الوسطي، فيما يظل مصير التحالف نفسه غامضا. كما تكبدت الأحزاب اليسارية الأصغر خسائر فادحة، ما يعكس أن شريحة واسعة من الناخبين ترى سلميتها الأيديولوجية بعيدة عن إيقاع هذا العالم المضطرب. في المقابل، أظهرت الأحزاب الناشئة حيوية فاقت بها المعارضة التقليدية. فقد حصد حزب "سانسيتو" اليميني المتشدد، الذي يقدم نفسه بوصفه حركة "قم بها بنفسك"، عددا محدودا من المقاعد، وإن كان أقل مما كان يطمح إليه. في المقابل، برز "فريق المستقبل" (ميراي)، وهو حزب متفائل بالتكنولوجيا تأسس في مايو/أيار، بوصفه مفاجأة انتخابية. وطرح نفسه بديلا ذا رؤية مستقبلية، فاستقطب عددا كبيرا من الناخبين المستقلين، مع توقع فوزه بما بين سبعة وثلاثة عشر مقعدا.

"تحالف الإصلاح" الوسطي لاحقه لقب ساخر هو "5G"، في تلاعب بالكلمة اليابانية "أوجي سان" التي تعني الرجل المسن، في إشارة إلى أن قياداته العليا تتكون من سياسيين متقدمين في السن

وبفضل أغلبيته الواسعة الجديدة، سيتمكن "الحزب الليبرالي الديمقراطي" من تجاوز مكائد المعارضة. وستخرج تاكايتشي من الانتخابات أكثر قوة وجرأة، فيما يلتزم منافسوها المحتملون داخل الحزب الصمت، بما يتيح لها هامش حكم مريحا في المدى المنظور. ومع امتلاك الائتلاف الحاكم أغلبية الثلثين في مجلس النواب، سيصبح قادرا على التحكم بالمسار التشريعي، متجاوزا مجلس المستشارين الأكثر انقساما، حيث لا يملك أغلبية.

وبات بوسع تاكايتشي أيضا المضي قدما في سياساتها المفضلة. فهي تعهدت باتباع سياسة مالية مسؤولة واستباقية، تشمل خفضا مؤقتا لمدة عامين في ضريبة الاستهلاك على المواد الغذائية، واستثمارات كبيرة في السياسة الصناعية لدعم القطاعات الحيوية. كما تسعى إلى إطلاق مزيد من الإصلاحات لتعزيز القوات المسلحة وأجهزة الأمن في اليابان. ودعت إلى رفع القيود المفروضة على صادرات الأسلحة دعما لصناعة الدفاع، وتؤيد إنشاء وكالة استخبارات وطنية جديدة. غير أن الطريق أمامها لن يكون ممهدا بالكامل. فبعد أن حسمت سريعا معاركها السياسية الداخلية، ستجد نفسها في مواجهة خصوم من طبيعة مختلفة، من مراقبي أسواق السندات إلى نظرائها في بكين، وهؤلاء لن يكون التعامل معهم سهلا.

font change

مقالات ذات صلة