مضيق هرمز من الألف إلى الياء... شريان الطاقة والتجارة العالمي

الجغرافيا والتاريخ، الثروات الطبيعية والصراعات تتقاطع في أهم عنق زجاجة في الخليج والعالم

المجلة
المجلة

مضيق هرمز من الألف إلى الياء... شريان الطاقة والتجارة العالمي

على معظم خرائط العالم، يظهر مضيق هرمز كشق ضيق في الساحل يفصل إيران عن شبه جزيرة مسندم العُمانية. لكن هذا الممر المتواضع في اتساعه يخفي أهمية استثنائية. في الواقع، يشكّل هذا الامتداد المائي إحدى أكثر نقاط الضغط حساسية في النظام الاقتصادي العالمي.

كل يوم، تعبر المضيق ناقلات عملاقة محملة النفط الخام والغاز الطبيعي المسال، حاملة الطاقة من الخليج العربي إلى المراكز الصناعية في آسيا وغيرها. وعندما تتصاعد التوترات السياسية في المنطقة، تتفاعل أسواق الطاقة فورا. يراقب المتعاملون ارتفاع أسعار النفط، وترفع شركات التأمين أقساطها على السفن التي تعبر الخليج، بينما تقيّم الحكومات قدرة اقتصاداتها على تحمل حتى اضطراب مؤقت في أهم ممر بحري في العالم.

تفسر الأرقام سبب هذه الأهمية. في عام 2024، مرّ عبر مضيق هرمز نحو 20 مليون برميل من النفط يوميا، وفق تقديرات إدارة معلومات الطاقة الأميركية وغيرها من الهيئات الدولية المختصة بالطاقة. ويمثل هذا الحجم نحو 20 في المئة من الاستهلاك العالمي للنفط، وأكثر من ربع تجارة النفط المنقولة بحرا في العالم. وفي الوقت نفسه، يمر عبر المضيق ما يقارب خمس تجارة الغاز الطبيعي المسال العالمية، ومعظمها شحنات آتية من دولة قطر ومتجهة إلى أسواق شرق آسيا.

إغلاق مضيق هرمز سيؤدي إلى خسائر اقتصادية عالمية قد تتراوح بين 330 مليار دولار و2.2 تريليون دولار.

ولا يقتصر دور هرمز على النفط والغاز، إذ يشكل المضيق أيضا ممرا مهما للبتروكيماويات والأسمدة المنتجة في الخليج والمصدرة إلى الأسواق الزراعية في مختلف أنحاء العالم. وبالتالي يؤثر هذا الممر المائي ليس فقط في أسواق الطاقة، إنما في تكلفة المدخلات الزراعية وإنتاج الغذاء على حد سواء.

تشير نماذج تحليل الأثر الاقتصادي لإغلاق مضيق هرمز على الناتج المحلي الإجمالي العالمي إلى أن الخسائر الاقتصادية العالمية قد تتراوح بين 330 مليار دولار و2,2 تريليون دولار، وذلك بحسب مدة الصراع. وتزداد الأخطار على الاقتصاد العالمي مع كل يوم يستمر فيه النزاع. 

ولا يمكن فهم أهمية المضيق من خلال إحصاءات حركة الناقلات وحدها. يُعَدّ هرمز أيضا مفترق طرق تاريخيا ، وحالة اختبار مهمة لقانون البحار، وساحة استراتيجية تتقاطع فيها التنافسات الإقليمية مع أمن الطاقة العالمي.

رويترز
صورة توضيحية تظهر خريطة لمضيق هرمز، 22 يونيو 2025

وبالتالي، يتطلب فهم المضيق النظر إليه من باب النقطة التي تتلاقى بها الجغرافيا والتاريخ والاقتصاد والسياسة الجيوسياسية.

الجغرافيا: ممر ضيق بمدى عالمي

يشكل مضيق هرمز المنفذ البحري الوحيد الذي يربط الخليج العربي بالمحيط المفتوح. فلا بد لشاحنات الطاقة التي تنطلق من موانئ مثل البصرة في جمهورية العراق، ومحطات التصدير في دولة الكويت، ومرافئ رأس تنورة والجبيل في المملكة العربية السعودية، ومرافق التصدير في دولة الإمارات العربية المتحدة وقطر والجمهورية الإيرانية، أن تمر عبر هذا الممر قبل أن تصل إلى خليج عُمان ومنه إلى المحيط الهندي.

ويبلغ عرض مضيق هرمز عند أضيق نقطة فيه نحو 21 ميلا بحريا، أي قرابة 33 كيلومترا، بين الساحل الإيراني وشبه جزيرة مسندم العُمانية. غير أن القناة الملاحية الفعلية التي تستخدمها السفن التجارية أضيق بكثير.

ولتفادي التصادم بين السفن العملاقة التي تهيمن على هذا الطريق، أنشأت السلطات البحرية نظاما لتنظيم حركة الملاحة. بموجبه، تمر السفن المتجهة إلى الخليج عبر ممر ملاحي مخصص للدخول يبلغ عرضه نحو ميلين بحريين، في حين تستخدم السفن المغادرة ممرا موازيا بعرض مماثل. وبين هذين الممرين تقع منطقة عازلة يبلغ عرضها ميلين بحريين تفصل حركة السفن المتجهة في الاتجاهين.

بالتالي، تتحرك بعض أكبر السفن في العالم ببطء داخل مياه محصورة تحيط بها المياه الإقليمية لكل من إيران وسلطنة عُمان. فالناقلات العملاقة التي تحمل ملايين البراميل من النفط قد تحتاج إلى كيلومترات عدة لتغيير مسارها، كما أن قدرتها على المناورة السريعة محدودة.

الممر الملاحي الفعلي لا يتجاوز بضعة أميال بحرية عرضا

يفسر هذا التكوين الجغرافي سبب قابلية مضيق هرمز العالية للتعطل. حتى الحوادث البسيطة نسبياً – مثل المناورات العسكرية أو الحوادث البحرية أو الاشتباه بوجود ألغام – يمكن أن تبطئ حركة الملاحة أو توقفها تماما. بعبارة أخرى، تجعل الجغرافيا من هذا الممر البحري الصغير ظاهريا عنق زجاجة استراتيجية تمر عبره نسبة كبيرة من إمدادات الطاقة في العالم.

هرمز عبر القرون

تسبق أهمية مضيق هرمز الاستراتيجية اقتصاد النفط الحديث بكثير، إذ يُعتبَر الخليج جزءا من شبكات تجارية كبرى منذ العصور القديمة. في زمن الإمبراطورية الفارسية الأخمينية (القرنان السادس إلى الرابع قبل الميلاد)، كانت الطرق البحرية عبر الخليج تربط الهضبة الفارسية بالهند وبشبكة التجارة الواسعة في المحيط الهندي. وفي فترات لاحقة، استخدم التجار اليونان والرومان هذه الطرق للوصول إلى التوابل والمنسوجات والسلع الثمينة الواردة من جنوب آسيا.

أ.ف.ب
خليج عُمان ومنطقة مكران (في الوسط) جنوب إيران وجنوب غرب باكستان، إضافة إلى مضيق هرمز (يسارا) والساحل الشمالي لعُمان (أسفل)، 5 فبراير 2025

وخلال القرون الإسلامية الأولى، توسعت التجارة البحرية في المحيط الهندي توسعا كبيرا. أقام التجار العرب والفرس شبكات تجارية واسعة ربطت الخليج بموانئ الهند وشرق أفريقيا وجنوب شرق آسيا. وفي حلول القرن العاشر، أصبح ميناء هرمز أحد أبرز المراكز التجارية في المنطقة. كان موقعه قرب مدخل الخليج يجعله بوابة بين الأسواق الفارسية الداخلية وطرق التجارة البحرية الممتدة عبر المحيط الهندي.

خلال القرون الإسلامية الأولى توسعت التجارة البحرية عبر المحيط الهندي توسعا كبيرا

ويرجح أن اسم هرمز مشتق من "أهورا مزدا"، الإله الأعلى في الديانة الفارسية القديمة. وفي الفارسية الوسطى، ظهر الاسم في صيغتي "هرمزد" أو "هرمز"، قبل أن يُطلَق لاحقا على ميناء هرمز الواقع على البر الرئيس قرب مدينة ميناب الحالية. وعندما نقلت الأسرة الحاكمة عاصمتها إلى جزيرة هرمز في القرن الثالث عشر هربا من الهجمات على البر، انتقل الاسم نفسه إلى الجزيرة.

ازدهرت مملكة هرمز بين القرنين الثالث عشر والخامس عشر، وسيطرت على التجارة عبر الخليج. وكان التجار من مختلف أنحاء عالم المحيط الهندي يجتمعون فيها لتبادل اللؤلؤ والتوابل والمنسوجات والمعادن الثمينة. ووصفها الرحالة المعاصرون آنذاك بأنها مدينة شديدة الثراء، إذ كان ازدهارها قائما إلى حد كبير على السيطرة على الطرق البحرية الداخلة إلى الخليج والخارجة منه.

غير أن التوسع الأوروبي في القرن السادس عشر غيّر هذا النظام. في عام 1507، هاجمت قوات برتغالية بقيادة أفونسو دي ألبوكيرك هرمز في إطار استراتيجيا اعتمدتها لشبونة للهيمنة على الطرق البحرية التي تربط أوروبا بآسيا. وفي حلول عام 1515 كان البرتغاليون قد بنوا قلعة في جزيرة هرمز وأقاموا فيها وجودا دائما. واستمر الحكم البرتغالي أكثر من قرن قبل أن ينتهي عام 1622 عندما طردت قوات فارسية متحالفة مع شركة الهند الشرقية الإنكليزية البرتغاليين من الجزيرة.

وخلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر أصبحت القوة البحرية البريطانية هي المهيمنة تدريجيا في الخليج. اعتبرت بريطانيا السيطرة على طرق الملاحة في الخليج أمرا أساسا لحماية طريقها الإمبراطوري إلى الهند. ومن خلال معاهدات مع الحكام المحليين وحضور بحري قوي، حافظت لندن على قدر من الاستقرار في التجارة البحرية في المنطقة.

أما القرن العشرون فشهد التحول الذي أعاد تعريف الأهمية الإستراتيجية للمضيق: وهو اكتشاف النفط. منذ ثلاثينيات القرن الماضي بدأت صادرات النفط من الخليج تتزايد بسرعة. وحلت ناقلات النفط تدريجيا محل سفن الشحن التقليدية بوصفها المسؤولة عن الحركة الرئيسة عبر مضيق هرمز. وفي حلول أواخر القرن العشرين أصبح المضيق الشريان المركزي لتجارة النفط العالمية.

ثم جاءت الثورة الإيرانية عام 1979، تلتها الحرب العراقية الإيرانية في ثمانينيات القرن الماضي، لتجعل من هرمز بؤرة توتر جيوسياسي. أظهرت "حرب الناقلات"، التي هاجمت خلالها إيران والعراق سفن أحدها الآخر، مدى هشاشة الملاحة في المضيق. واليوم يقف هرمز عند تقاطع قرون من زمن التجارة البحرية مع نظام الطاقة العالمي الحديث.

الإطار القانوني للمضيق

إلى جانب الجغرافيا وتدفقات الطاقة، يحتل مضيق هرمز موقعا محوريا في القانون البحري الحديث. قلة من الممرات المائية تجسد بوضوح التوتر القائم بين حقوق السيادة للدول الساحلية والمصلحة الأوسع للمجتمع الدولي في إبقاء طرق الملاحة العالمية مفتوحة.

يرتكز الإطار القانوني الذي ينظم الملاحة عبر هرمز أساسا على اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، وهي المعاهدة الشاملة التي اعتُمِدت عام 1982 وقننت كثيرا من القواعد المنظمة للسلوك البحري.

بموجب هذه الاتفاقية يُصنَّف مضيق هرمز على أنه "مضيق يُستخدَم للملاحة الدولية". ويشير هذا التصنيف إلى الممرات المائية التي تصل بين جزء من أعالي البحار أو المنطقة الاقتصادية الخالصة وجزء آخر، التي تمر عبرها حركة الملاحة الدولية في صورة منتظمة. وبما أن مضائق كهذه تؤدي دورا حيويا في التجارة العالمية، وضعت الاتفاقية نظاما خاصا لتنظيم استخدامها.

أ.ف.ب
صورة صفحة على موقع "مارين ترافيك" تعرض حركة السفن التجارية عند أطراف مضيق هرمز بالقرب من الساحل الإيراني، 4 مارس 2026

المفهوم المركزي في هذا النظام هو "حق المرور العابر". يتيح هذا الحق للسفن والطائرات التابعة للدول كلها المرور عبر المضائق الدولية في صورة متواصلة وسريعة من دون الحاجة إلى الحصول على إذن مسبق من الدول الساحلية. وعلى عكس مفهوم "المرور البريء" الأقدم عهدا، الذي يُطبَّق داخل البحار الإقليمية ويمنح الدول الساحلية سلطة تنظيمية أكبر، يوفر المرور العابر قدرا أوسع من حرية الملاحة والتحليق.

وبموجب هذا المبدأ، يمكن السفن – بما في ذلك السفن التجارية والسفن الحربية والغواصات – عبور المضيق من دون انقطاع ما دامت تتحرك من دون تأخير وتمتنع عن أي نشاط يهدد أمن الدول الساحلية. كذلك تتمتع الطائرات أيضا بحق التحليق فوق المضيق أثناء المرور.

ومن أهم خصائص نظام المرور العابر أن تعليقه غير ممكن. حتى في أوقات التوتر السياسي أو النزاعات، لا يحق للدول المطلة على مضيق دولي إغلاقه أمام الملاحة الدولية. ويعكس هذا المبدأ قاعدة أساسا في النظام البحري العالمي وهي أن الممرات المائية التي تمثل شرايين أساسية للتجارة العالمية يجب أن تبقى مفتوحة للجميع.

وفق اتفاقية قانون البحار، لا يمكن تعليق نظام "المرور العابر" في المضائق الدولية مثل مضيق هرمز

ومع ذلك، يتعقد تطبيق هذه القواعد في هرمز بسبب مواقف الدول التي تحد المضيق. عُمان، التي تسيطر على الجانب الجنوبي من المضيق عبر شبه جزيرة مسندم، طرف في اتفاقية قانون البحار وتلتزم عموما أحكامها المتعلقة بالمرور العابر.

أما إيران، التي تسيطر على الساحل الشمالي للمضيق، فقد وقعت الاتفاقية عام 1982 لكنها لم تصادق عليها حتى الآن. وعلى الرغم من اعتراف طهران بكثير من قواعد القانون البحري العرفي، تبنت تاريخيا تفسيرا أكثر تشددا لحقوق الملاحة داخل مياهها الإقليمية.

تجادل السلطات الإيرانية أحيانا بالقول إن على السفن الحربية الأجنبية طلب إذن مسبق قبل عبور المضيق. لكن القوى البحرية الغربية – بما في ذلك الولايات المتحدة وحلفاؤها – ترفض هذا التفسير، مؤكدة أن المرور العابر وفق القانون الدولي لا يتطلب إذنا مسبقا، وتؤدي هذه التفسيرات المتباينة في بعض الأحيان إلى احتكاكات ديبلوماسية وحوادث بحرية.

وفي الوقت نفسه، تمنح اتفاقية قانون البحار الدول الساحلية بعض الحقوق داخل المضائق الدولية، إذ يمكنها إصدار قواعد تتعلق بسلامة الملاحة ومكافحة التلوث وتنظيم الصيد والجمارك، شرط ألا تعرقل هذه الإجراءات حق المرور العابر نفسه.

وفي الواقع العملي، يعمل مضيق هرمز من ضمن بيئة قانونية وسياسية معقدة تتعايش فيها النصوص القانونية مع الاعتبارات الاستراتيجية. تنفذ القوى البحرية الكبرى عمليات دورية في المنطقة لتأكيد حرية الملاحة، بينما تحاول الدول الإقليمية تحقيق توازن بين مصالحها السيادية ومتطلبات التجارة الدولية. والنتيجة هي نوع من التوازن القانوني الدقيق.

وسيبقى النظام القانوني الذي يحكم مضيق هرمز مسألة تتداخل فيها اعتبارات القانون الدولي مع الحسابات الجيوسياسية، طالما يظل الاقتصاد العالمي يعتمد بدرجة كبيرة على التدفق المستمر للطاقة عبر الخليج، وفي هذا المعنى، لا يمثل المضيق مجرد نقطة اختناق جغرافية، بل مفترق طرق قانونيا أيضا حيث تتقاطع قواعد الملاحة الدولية مع سيادة الدول والمصالح الاقتصادية العالمية.

شريان الطاقة في العالم

تستند الأهمية العالمية الحديثة لمضيق هرمز قبل كل شيء إلى دوره بوصفه الممر الرئيس لصادرات الهيدروكربونات من الخليج. قليلة هي مناطق العالم التي تتضمن كميات ضخمة كهذه من احتياطيات النفط والغاز الطبيعي في مساحة جغرافية محدودة.

تمتلك دول الخليج -ولا سيما السعودية والعراق والكويت والإمارات وقطر - بعضا من أكبر احتياطيات الهيدروكربونات المؤكدة في العالم، وتعتمد قدرتها على تصدير هذه الموارد إلى حد كبير على النقل البحري، حيث تمر الغالبية العظمى من هذه الصادرات عبر مضيق هرمز، أحد أهم الممرات الحيوية لتجارة الطاقة العالمية.

قلة من مناطق العالم تتضمن كميات ضخمة كهذه من احتياطيات النفط والغاز الطبيعي في مساحة جغرافية محدودة

وبحسب تقديرات وكالات الطاقة الدولية، مر عبر المضيق عام 2024 نحو 20 مليون برميل يوميا من النفط الخام والمكثفات والمنتجات النفطية. ويعادل هذا الحجم نحو خمس الاستهلاك العالمي من النفط وأكثر من ربع تجارة النفط المنقولة بحرا.

وتتكون هذه التدفقات من عناصر عدة. الحصة الكبرى من نصيب صادرات النفط الخام للدول الرئيسة المنتجة في الخليج. تشحن السعودية وحدها نحو 6 ملايين برميل يوميا عبر المضيق. كذلك تضيف مرافئ التصدير الجنوبية في العراق ملايين عدة من البراميل يوميا، في حين تسهم الكويت والإمارات بكميات إضافية. أما إيران فتصدر أيضا النفط عبر المضيق عندما تسمح ظروف العقوبات بذلك – أو في بعض الحالات خارج إطارها.

وإلى جانب النفط الخام، تمر عبر هرمز أيضا كميات كبيرة من المنتجات النفطية المكررة مثل الديزل والبنزين والوقود الثقيل. تصدر مصافي الخليج الوقود إلى أسواق آسيا وأفريقيا وأوروبا، مما يعزز دور المضيق بوصفه شريانا أساسيا في توزيع الطاقة عالميا.

ويمثل الغاز الطبيعي المسال بعدا آخر مهما في أهمية المضيق لقطاع الطاقة. وتُعدّ قطر، التي تمتلك أكبر حقل للغاز غير المصاحب في العالم، من أكبر مصدري الغاز الطبيعي المسال عالميا. وفي عام 2025 مر عبر مضيق هرمز نحو 110 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي المسال، أي ما يقارب 20 في المئة من تجارة الغاز المسال العالمية.

وبما أن الغاز الطبيعي المسال يُنقَل بواسطة ناقلات متخصصة تسير على طرق ثابتة بين محطات التسييل وإعادة التغويز، يمكن أي تعطل في خطوط الملاحة أن ينعكس مباشرة على سلاسل الإمداد. ولهذا يجعل مجموع هذه التدفقات مضيق هرمز أهم بوابة بحرية للطاقة في العالم المعاصر.

شريان الطاقة لآسيا

على الرغم من أن مضيق هرمز يحتل مكانة بارزة في النقاشات الاستراتيجية في الغرب، ترتبط أهميته الاقتصادية الأساس بآسيا. تعتمد اقتصادات شرق آسيا وجنوبها الصناعية بدرجة كبيرة على استيراد الهيدروكربونات، وقد أصبح الخليج أهم مصدر خارجي للطاقة بالنسبة إليها.

وخلال العقود الأخيرة، ومع تسارع النمو الاقتصادي في آسيا وارتفاع استهلاك الطاقة في صورة كبيرة، تعمق الاعتماد على إمدادات الطاقة الواردة من الخليج. واليوم تتجه نحو 84 في المئة من شحنات النفط الخام والمكثفات التي تمر عبر مضيق هرمز إلى الأسواق الآسيوية. وتسير شحنات الغاز الطبيعي المسال في الاتجاه نفسه تقريبا (83 في المئة).

نحو 84 في المئة من شحنات النفط الخام والمكثفات التي تمر عبر مضيق هرمز تتجه إلى الأسواق الآسيوية

وتعد الصين أكبر مستورد لهذه الشحنات، كونها  أكبر مستورد للنفط الخام في العالم. وتعتمد المصافي الصينية بدرجة كبيرة على المنتجين الخليجيين، ولا سيما السعودية والعراق والإمارات والكويت، لتلبية احتياجاتها من الطاقة.

وتمثل الهند وجهة رئيسة أخرى، بصفتها من أسرع الاقتصادات نموا في استهلاك الطاقة. تستورد الهند نسبة كبيرة من نفطها الخام من الخليج. أما اليابان وكوريا الجنوبية، وهما اقتصادان صناعيان متقدمان يفتقران إلى موارد الطاقة المحلية، فيعتمدان أيضا في شكل كبير على الهيدروكربونات الخليجية المنقولة عبر هرمز.

أ.ف.ب
صورة فضائية التقطتها شركة "بلانت لابز" وتظهر البنية التحتية النفطية في ميناء ينبع السعودي على البحر الأحمر، 4 مارس 2026

في المجمل، تمثل الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية نحو 70 في المئة من تدفقات النفط الخام التي تمر عبر المضيق. ويبرز هذا التركز الكبير مدى الأهمية الإستراتيجية لمضيق هرمز للاقتصادات الآسيوية. فأي اضطراب في حركة الشحن عبر المضيق يمكن أن يؤثر سريعا في تشغيل المصافي وتوليد الكهرباء والإنتاج الصناعي في مختلف أنحاء المنطقة.

حتى الدول البعيدة جغرافيا عن الخليج لا تستطيع الإفلات من تبعات ذلك. بما أن أسواق النفط عالمية ومترابطة، يمكن أي اضطراب في إمدادات هرمز أن يؤثر في الأسعار عالميا، مما ينعكس على المستهلكين والصناعات في قارات مختلفة.

الأسمدة والاقتصاد الخفي لمضيق هرمز

يهيمن النفط والغاز على النقاشات حول مضيق هرمز، لكن هذا الممر المائي يؤدي أيضا دورا مهما في تجارة الأسمدة العالمية، وهو جانب كثيرا ما يُغفَل في تحليل الاقتصاد العالمي. تُعَدّ دول الخليج من أكبر منتجي الأسمدة النيتروجينية في العالم، مثل اليوريا والأمونيا، إضافة إلى المنتجات الفوسفاتية المستخدمة على نطاق واسع في الزراعة. وتعتمد صناعة هذه الأسمدة إلى حد كبير على الغاز الطبيعي بوصفه مادة أولية، مما يجعل وفرة الغاز في الخليج ميزة تنافسية رئيسة للمنتجين في المنطقة.

وتصدّر مجمعات الأسمدة الضخمة في دول مثل قطر والسعودية والإمارات ملايين الأطنان من المدخلات الزراعية كل عام. ويعبر جزء كبير من هذه التجارة مضيق هرمز قبل أن يصل إلى الأسواق العالمية.

مجمعات الأسمدة في قطر والسعودية والإمارات تصدر ملايين الأطنان من المدخلات الزراعية سنويا، ويعبر جزء كبير منها مضيق هرمز

ووفق منظمة مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد)، يمر عبر المضيق سنويا نحو 16 مليون طن من الأسمدة المصدرة من الخليج، في حين يقدّر محللو الصناعة أن ما يقارب ثلث تجارة الأسمدة المنقولة بحرا في العالم يعبر هذا الممر. ويبرز هذا الارتباط بين إنتاج الطاقة وسلاسل الإمداد الزراعية الأهمية الأوسع للمضيق. بالتالي، لا تؤثر اضطرابات الملاحة في هرمز في أسعار النفط فحسب، بل قد ترفع أيضا تكلفة الأسمدة التي يستخدمها المزارعون في أنحاء العالم.

وكثيرا ما يؤدي ارتفاع أسعار الأسمدة بدوره إلى ارتفاع أسعار الغذاء، ولا سيما في الدول النامية التي تعتمد بدرجة كبيرة على استيراد المدخلات الزراعية. وهكذا، تمتد الأهمية الإستراتيجية للمضيق إلى ما هو أبعد من أمن الطاقة لتشمل الأمن الغذائي العالمي أيضا.

وفي ظل محدودية قدرة كبار المنتجين الآخرين، مثل روسيا والصين، على زيادة الإمدادات لتعويض النقص، تتحول هذه الاضطرابات إلى صدمات ممتدة في الأسواق العالمية. وتظهر آثارها بشكل خاص في الدول المستوردة للأسمدة، مثل الهند والبرازيل، حيث ترتفع تكاليف الزراعة بشكل حاد، مما ينعكس في نهاية المطاف على أسعار الغذاء عالميا.

هل يمكن تجاوز المضيق؟

تسعى دول الخليج منذ زمن إلى إيجاد طرق تقلل اعتمادها على هذا الممر البحري الوحيد. ومن أهم هذه البدائل خط أنابيب "شرق-غرب" السعودي المعروف باسم "بترولاين" الذي ينقل الخط النفط الخام من حقول السعودية الشرقية عبر شبه الجزيرة العربية إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر.

وتبلغ طاقة هذا النظام نحو خمسة ملايين برميل يوميا، وجرى توسيعها مؤقتا إلى نحو سبعة ملايين برميل يوميا، وبنقل النفط مباشرة إلى البحر الأحمر، يتيح الخط للصادرات السعودية الوصول إلى الأسواق العالمية من دون المرور عبر هرمز.

من أهم البدائل لمضيق هرمز خط أنابيب "شرق-غرب" السعودي المعروف باسم "بترولاين"

وتبنت الإمارات استراتيجيا مشابهة. ينقل خط أنابيب "حبشان-الفجيرة" النفط الخام من الحقول الداخلية في أبو ظبي إلى ميناء الفجيرة على خليج عُمان. وتبلغ طاقته نحو 1.8 مليون برميل يوميا، مما يسمح بتصدير جزء من النفط الإماراتي من دون المرور عبر المضيق.

وعلى الرغم من هذه الجهود، تبقى القدرة على تجاوز هرمز محدودة. فحتى لو عملت هذه الأنابيب بأقصى طاقتها، لن تستطيع نقل سوى جزء من نحو 20 مليون برميل يوميا التي تمر عادة عبر المضيق.

الديناميكيات العسكرية للمضيق

أما صادرات الغاز الطبيعي المسال فتواجه قيودا أكبر. فلا يمكن نقل شحنات الغاز القطرية إلا في ناقلات تمر عبر هرمز، لأن خطوط الأنابيب البديلة إما غير مجدية اقتصاديا أو معقدة سياسيا. ولهذا، وإذ توفر خطوط الأنابيب بعض المرونة في أوقات الأزمات، لا تستطيع أن تحل محل الدور المركزي الذي يؤديه مضيق هرمز في تجارة الطاقة العالمية.

أ.ف.ب
سفينة "ناندا ديفي" الهندية، المحمّلة الغاز النفطي المسال تصل إلى ميناء فادينار في منطقة جامناغار بولاية غوجارات بعد أن سمحت لها إيران بالعبور عبر مضيق هرمز، 17 مارس 2026

تجعل الجغرافيا الضيقة لمضيق هرمز عرضة في شكل خاص إلى الاضطرابات العسكرية. على عكس البحار المفتوحة حيث تهيمن القوى البحرية الكبرى، تميل الممرات الضيقة إلى تفضيل ما يعرف بـ"الاستراتيجيات غير المتكافئة". في بيئات كهذه تستطيع قوات أصغر وأقل تقدما تقنيا أن تستفيد من الجغرافيا لتعويض تفوق الأساطيل الكبرى.

لقد طورت إيران بالفعل مقاربة من هذا النوع. على مدى العقود الماضية استثمرت طهران في مجموعة من القدرات العسكرية المصممة لتهديد الملاحة في الخليج ومضيق هرمز. وتشمل هذه القدرات الألغام البحرية، والزوارق السريعة الهجومية، والغواصات العاملة بالديزل، وصواريخ كروز المضادة للسفن، والمدفعية الساحلية، والمسيرات.

إيران استثمرت خلال العقود الماضية في قدرات عسكرية متنوعة تهدف إلى تهديد الملاحة في الخليج ومضيق هرمز.

وتُعتبَر الألغام البحرية من أخطر هذه التهديدات. وقد تدفع مجرد عملية زرع محدودة للألغام في ممرات الملاحة الضيقة شركات الشحن وشركات التأمين إلى تعليق حركة الناقلات إلى حين التأكد من خلو المياه من الألغام. وتحتاج عمليات إزالة الألغام إلى سفن متخصصة ومسح دقيق للمياه، مما يجعلها بطيئة ومعقدة.

كذلك، تعتمد الاستراتيجيا الإيرانية على ما يسمَّى "تكتيكات السرب"، إذ تقترب أعداد كبيرة من الزوارق السريعة الصغيرة من السفن الكبيرة في وقت واحد. وتهدف هذه التكتيكات إلى إرباك أنظمة الدفاع وإثارة الشكوك حول السفن التي قد تشكل تهديدا.

وتضيف بطاريات الصواريخ الساحلية المنتشرة على الساحل الجنوبي لإيران طبقة أخرى من المخاطر. ذلك أن الصواريخ المضادة للسفن المنتشرة على اليابسة أو على الجزر القريبة قادرة على الوصول إلى عمق ممرات الملاحة في المضيق.

وبالنسبة إلى القوى الخارجية، ولا سيما الولايات المتحدة وشركاؤها، تمثل حماية الملاحة عبر هرمز تحديا عملياتيا معقدا، إذ يمكن أن تشمل الجهود العسكرية مرافقة السفن التجارية، وعمليات إزالة الألغام، وأنظمة المراقبة، والدعم الجوي للحفاظ على بقاء المضيق مفتوحا خلال الأزمات.

ومع ذلك، يتفق معظم المحللين على أن إغلاق المضيق في شكل دائم أمر بالغ الصعوبة، مع العلم أنه تعذر عبور أكثر من ألف سفينة شحن، غالبيتها ناقلات نفط وغاز، في مضيق هرمز، عقب إقدام طهران على إغلاق هذا الممر البحري الحيوي إبان الضربات الأميركية - الإسرائيلية على إيران سيستفز إجراء كهذا ردا دوليا واسعا، كما سيضر بالمصالح الاقتصادية الخاصة بإيران نفسها. لكن احتمال حدوث تعطيل مؤقت يظل قائما. حتى الهجمات المحدودة يمكن أن توقف حركة الملاحة فترة كافية لرفع الأسعار وإحداث اضطراب اقتصادي واسع.

وحسب وكالة "فيتش" للتصنيفات الائتمانية، سيختلف تأثير الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز على الدول السيادية في منطقة الشرق الأوسط، إلا أنها ترى أن جميع هذه الدول قادرة على استيعابه ضمن مستويات تصنيفها الحالية، استنادا إلى تقديراتها لمدة الحرب. ويفترض السيناريو الأساس لدى الوكالة أن يبقى المضيق مغلقا فعليا لأقل من شهر، من دون وقوع أضرار كبيرة في البنية التحتية لإنتاج ونقل الطاقة. ومع ذلك، تظل هناك مخاطر كبيرة قد تؤثر في هذه الافتراضات.

رويترز
ناقلة غاز البترول المسال راسية في عرض البحر مع تراجع حركة الملاحة في مضيق هرمز، في ظل الصراع الأميركي–الإسرائيلي مع إيران، في شناس بسلطنة عُمان، 11 مارس 2026

وتقدر الوكالة أن كل أسبوع من إغلاق المضيق سيؤدي إلى انخفاض عائدات صادرات الهيدروكربونات بنحو 0.4% من الناتج المحلي الإجمالي لكل من البحرين والعراق والكويت وقطر، استنادا إلى بيانات شحنات عام 2025 عبر هرمز وافتراض سعر نفط يبلغ 85 دولارا للبرميل خلال فترة الإغلاق. ويمكن تعويض جزء من هذه الخسائر عبر بيع المخزونات، إذ يُعتقد أنه تم تسريع وتيرة الصادرات قبيل اندلاع الحرب، إنما سيكون من الصعب تحقيق تعويض كامل.

وعليه، فإن إغلاق المضيق سيمثل صدمة جديدة في جانب الإمدادات، تحمل في طياتها تداعيات تضخمية، وتختبر قدرة الاقتصادات العالمية على الصمود، وكذلك مرونة أسواق الطاقة في الاستجابة للتوترات الجيوسياسية.

مستقبل المضيق 

على الرغم من النقاشات المتزايدة حول الطاقة المتجددة وتنويع مصادر الطاقة العالمية، من المرجح أن يظل مضيق هرمز ذا أهمية استراتيجية لعقود مقبلة. ويعود ذلك إلى استمرار الدور المحوري للنفط والغاز الطبيعي في النظام العالمي للطاقة.

حتى في السيناريوهات الأكثر تفاؤلا لانتقال الطاقة، سيظل الهيدروكربون ضروريا للنقل والصناعات البتروكيماوية وتوليد الكهرباء لسنوات طويلة. وفي الوقت نفسه، يحتوي الخليج على بعض أكبر الاحتياطيات النفطية والغازية وأقلها تكلفة في العالم، مما يعني أن منتجي المنطقة سيبقون مورّدين رئيسين للأسواق العالمية.

ومع استمرار نمو اقتصادات مثل الصين والهند، يُتوقَّع أن يظل اعتمادها على واردات الهيدروكربونات من الخليج كبيرا.

وفي الوقت نفسه، لا تظهر التنافسات الجيوسياسية في المنطقة أي بوادر على الانحسار. فالتوترات بين إيران ودول الخليج العربية، إضافة إلى دور القوى الخارجية مثل الولايات المتحدة، لا تزال تشكل البيئة الأمنية في المنطقة.

تشير هذه العوامل مجتمعة إلى أن مضيق هرمز سيظل نقطة اختناق جغرافية وبؤرة توتر جيوسياسي في آن. وبالنسبة إلى صنّاع السياسات وشركات الطاقة وشركات الشحن، يظل المضيق تذكيرا بأن الاقتصاد العالمي لا يزال يعتمد على التدفق المستمر للموارد عبر عدد محدود من الممرات البحرية الضيقة.

في هذا المعنى لا يمثل هرمز مجرد معلم جغرافي، بل يشكل مفصلا استراتيجيا يستند إليه استقرار أسواق الطاقة العالمية.

مضيق هرمز عبر التاريخ

1507 – الغزو البرتغالي.
1622 – استعادة هرمز بتحالف فارسي إنكليزي.
1984 – بداية حرب الناقلات خلال الحرب العراقية الإيرانية.
1987-1988 – عملية "إرنست ويل" لحماية ناقلات النفط.
1988 – عملية "براينغ مانتيس" الأميركية ضد إيران.
2012 – إيران تهدد بإغلاق المضيق خلال أزمة العقوبات المفروضة على برنامجها النووي.
2019 – حوادث ناقلات في الخليج وسط تصاعد التوتر بين إيران والغرب.
حزيران/يونيو 2025 – إيران تهدد بإغلاق مضيق هرمز بعد ضربات أميركية وإسرائيلية على مواقع إيرانية.
2026 – تصاعد النزاع بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة يزيد من مخاطر تعطّل الملاحة في المضيق.

font change

مقالات ذات صلة