أحدها مضيق هرمز... خمسة مفاتيح استراتيجية قادرة على إغلاق العالم

كثير من مسارات الشحن الدولية يواجه تهديدات متزايدة... من مضيق ملقا إلى قناة بنما

(أ.ف.ب)
(أ.ف.ب)
"الحرس الثوري" الإيراني ينفذ مناورة عسكرية في الخليج تتضمن استهدافات مباشرة، بالتزامن مع بدء تدريبات في مضيق هرمز قبيل محادثات مع واشنطن، 16 فبراير 2026

أحدها مضيق هرمز... خمسة مفاتيح استراتيجية قادرة على إغلاق العالم

"هناك خمسة مفاتيح استراتيجية قادرة على إغلاق العالم". بهذه العبارة لخص الأميرال البريطاني الفيكتوري السير جاكي فيشر أهمية عدد من النقاط التي تتحكم في الممرات المائية الأكثر حساسية في العالم، وكان يقصد سنغافورة وكيب تاون والإسكندرية (السويس) وجبل طارق ودوفر.

اليوم، لا بد أن تضاف إلى هذه القائمة جزيرة هرمز الصغيرة والمضيق الذي يحمل اسمها. فقد أطبقت إيران السيطرة على هذا الممر البحري الضيق، وهو المنفذ الوحيد للخليج، مهددة بذلك نحو خُمس إمدادات العالم من النفط والغاز الطبيعي المسال. وسرعان ما انعكس هذا الاختناق على الاقتصاد العالمي الذي دخل في موجة من الاضطراب.

ومع ذلك، لا يعد مضيق هرمز، وفق معظم المقاييس، أهم ممر مائي في العالم. لكن التوتر المحيط به أعاد إلى الواجهة الهواجس القديمة بشأن حماية طرق التجارة العالمية.

ويشير ستيفن ويلز من مركز الاستراتيجية البحرية، وهو مركز أبحاث أميركي، إلى أن "كثيرين سيفيقون على حقيقة مفادها أن التجارة البحرية مصلحة حيوية تستوجب الحماية". فحتى في عالم تتشابك فيه الأنابيب والطرق البرية وخطوط السكك الحديدية ومسارات الشحن الجوي، لا تزال السفن تتولى نقل نحو 85 في المئة من صادرات العالم من حيث الحجم، وفق تقديرات كلاركسونز، ونحو 55 في المئة من حيث القيمة. ذلك أن ما يُنقل جوا، كهاتف محمول أو سبيكة ذهب، يحمل قيمة تفوق بكثير حمولة كاملة من الفحم على متن سفينة شحن. ولهذا، فإن هذه الشرايين التجارية باتت أكثر عرضة لأخطار مستجدة.

ليُريهم البوسفور وزنه الحقيقي

ثمة عامل آخر يزيد هشاشة طرق الملاحة العالمية، يتمثل في أن التكنولوجيا الرخيصة أتاحت للجماعات المسلحة الوصول إلى مسافات أبعد في البحر. فمنذ سنوات، كانت سفن الشحن التي تعبر بين آسيا وأوروبا عبر مضيق باب المندب تواجه خطر القرصنة الصومالية. ثم بين عامي 2023 و2025، وجدت سفن الشحن نفسها أيضا في مرمى الطائرات المسيرة والصواريخ التي أطلقها الحوثيون من اليمن. لذلك لا يزال كثير من شركات الشحن يفضلون الالتفاف حول أفريقيا على المجازفة بسلوك هذا الطريق. وهكذا تراجع نصيب المضيق من التجارة العالمية من 9 في المئة إلى 4 في المئة فقط، وقد ينخفض أكثر إذا استأنف الحوثيون هجماتهم دعما لإيران.

(رويترز)
ناقلات نفط تبحر قرب مضيق هرمز قبالة رأس الخيمة وسط تصاعد التوتر في الحرب الأميركية-الإسرائيلية مع إيران، 11 مارس 2026

أما التهديد الثاني، فينبع من امتداد الحروب إلى البحار المجاورة، فقد تسبّبت الحرب الروسية في أوكرانيا بإرباك واسع لتدفقات الحبوب والنفط وسلع أساسية أخرى عبر البحر الأسود، وأعاد التذكير بما تمنحه السيطرة على البوسفور والدردنيل من ثقل جيوسياسي لتركيا.

واليوم تدفع الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران بمنطقة الخليج إلى مستوى جديد من التحديات. لكن السيناريو الأكثر خطورة يظل احتمال اندلاع مواجهة بين الولايات المتحدة والصين، ربما على خلفية تايوان، بما قد يرافقها من حصار بحري وهجمات مفتوحة على الملاحة التجارية، في مشهد يستحضر ما شهده العالم خلال الحربين العالميتين. ولعل أكثر ما يكشف خطورة هذا المنحى أن غواصة أميركية أغرقت أخيرا سفينة حربية إيرانية، في أول هجوم من هذا النوع تنفذه الولايات المتحدة منذ عام 1945.

كثيرون سيفيقون على حقيقة مفادها أن التجارة البحرية مصلحة حيوية تستوجب الحماية

ستيفن ويلز، مركز الاستراتيجية البحرية

ثمة عامل آخر، وهو تغير المناخ، حيث أدت موجات الجفاف في السنوات الأخيرة إلى فرض قيود متكررة على عدد السفن القادرة على عبور قناة بنما، ما أجبر بعضها على سلوك الطريق الأطول حول رأس هورن. وفي الجهة المقابلة، قد يفضي انحسار الكتل الجليدية إلى فتح ممرات شحن جديدة عبر القطب الشمالي، بما يرفع من القيمة الاستراتيجية لنقاط اختناق بعيدة مثل مضيق بيرينغ.

ومن هذا المنطلق، استند الرئيس الأميركي دونالد ترمب، بنزعته التوسعية، إلى فكرة تأمين الممرات البحرية المحيطة بالولايات المتحدة لتبرير حديثه عن السيطرة على قناة بنما وغرينلاند. وحتى إذا أعيد فتح مضيق هرمز بطريقة ما، فإن ما يقارب عشرة ممرات حيوية أخرى، وربما أكثر، في شبكة التجارة البحرية العالمية ستعود إلى دائرة التدقيق.

ظهرت الأهمية الحاسمة للاختناقات البحرية بشكل واضح منذ أقدم العصور. ففي القرن الخامس قبل الميلاد، ساهمت سيطرة إسبرطة على الدردنيل خلال الحرب البيلوبونيسية في قطع شريان الحبوب الآتي من البحر الأسود، فتركت أثينا تحت وطأة الجوع وأفضت في النهاية إلى استسلامها. وفي الحرب العالمية الأولى، سعت بريطانيا وحلفاؤها إلى السيطرة على الممر نفسه في محاولة لإسقاط الدولة العثمانية، غير أن حملة غاليبولي انقلبت إلى فشل ذريع كلفهم ثمنا باهظا.

أما ما كشفته الأسابيع الأربعة الماضية بوضوح، فهو أن الجغرافيا ما زالت تحتفظ بسطوتها، حتى في زمن الطائرات والصواريخ والأقمار الصناعية. فما تزال ممرات بحرية بعينها تتحكم في الشرايين التي تنقل المواد الخام إلى مصانع آسيا، ثم تدفع بالسلع المصنعة إلى أسواق العالم، كما هو الحال في مضيق تايوان ومضيق ملقا. وفي الجهة الأخرى، تقوم أوروبا بدورها على معابر لا تقل حساسية، تمتد من جبل طارق والقناة الإنجليزية إلى كاتيغات وسكاغيراك وأوريسوند قبالة الدنمارك، وهي المنافذ التي تصل بحر البلطيق ببحر الشمال. أما قناتا السويس وبنما، فقد بلغت أهميتهما حدا جعل شقهما بين قارتين ثمنا مبررا لتقصير طرق التجارة وتسريعها. وبين هذه الممرات كلها، يظل هرمز واحدا من أبرز الشرايين التي تمد آسيا وأوروبا بالطاقة.

(رويترز)
ناقلة غاز مسال راسية في عمان مع تراجع حركة الملاحة في مضيق هرمز بسبب التصعيد العسكري في المنطقة، 11 مارس 2026

على أن هرمز لا يتصدر الممرات البحرية من حيث كثافة العبور، ولا من حيث الأهمية في نقل النفط، فمضيق ملقا يحتل المرتبة الأولى في كلا الجانبين.

غير أن خصوصية هرمز تكمن في كونه المنفذ البحري الوحيد إلى الخليج ومنه، ما يجعل أي تعطيل له أشد إرباكا للتجارة وأثقل وطأة على الأسواق. وينسحب ذلك أيضا على المضائق الدنماركية والتركية، التي تمثل بدورها البوابات البحرية الوحيدة إلى البحار الممتدة وراءها.

انحسار الكتل الجليدية يمكنه أن يفضي إلى فتح ممرات شحن جديدة عبر القطب الشمالي، بما يرفع من القيمة الاستراتيجية لنقاط بعيدة مثل مضيق بيرينغ

غير أن العثور على طرق بديلة لا يعني تفادي الكلفة، إذ إن إغلاق الممرات البحرية الحيوية قد يضيف إلى الرحلة آلاف الأميال وأسابيع من الإبحار. ولإظهار مدى هشاشة هذا النظام، احتسبت "الإيكونوميست" المسارات المثلى بين 41,387 زوجا من الموانئ، وقدرت بصورة تقريبية حجم التجارة التي تمر عبر كل مسار. ثم حاكت الكيفية التي ستُعاد بها رسم هذه الطرق إذا تعطلت أي من نقاط الاختناق البحرية الكبرى.

وكانت النتائج لافتة. فإغلاق مضيق ملقا، على كثافة الحركة التي يشهدها، لن يفضي إلا إلى تحويل جزء محدود نسبيا من المسارات. أما إذا تعذر الوصول إلى الممرات البحرية الممتدة عبر أرخبيل إندونيسيا بأكمله، ربما نتيجة انحياز جاكرتا في أي مواجهة بين واشنطن وبكين، فإن كتلة ضخمة من الشحن ستجد نفسها مضطرة إلى الالتفاف عبر طرق أبعد وأكثر كلفة. وإذا أضيف إلى ذلك تعطل الملاحة عبر جبل طارق، فإن جزءا موازيا تقريبا من الملاحة العالمية سيغدو مضطرا إلى سلوك طريق أطول وأكثر مشقة.

تخيل سفينة حاويات تطوف العالم، واصلة بين أبرز الموانئ التجارية: تغادر لوس أنجلوس، وتمر بطوكيو وبوسان وشنغهاي وسنغافورة ودبي وروتردام ونيويورك، قبل أن تعود إلى حيث انطلقت. في مسار كهذا، لا بد لها من عبور عدد كبير من نقاط الاختناق البحرية، وبعضها مرتين. لكن أكثر حلقات هذه الشبكة العالمية هشاشة وقابلية للاشتعال ما زال يتمركز في الشرق الأوسط.

منحت الجيولوجيا منطقة الخليج ثروة هائلة من الهيدروكربونات، في رقعة تتقاطع عندها الصفيحة العربية مع الصفيحة الأوراسية. لكن التاريخ سرعان ما ألقى فوق هذا الغنى الطبيعي إرثا سياسيا مثقلا بالتحديات: من انهيار الدولة العثمانية، إلى الكيانات العربية، واستمرار الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وصعود التيارات الإسلامية المتطرفة، وغيرها من العوامل التي راكمت أسباب الانفجار.

(أ.ف.ب)
حريق في سفينة حاويات دنماركية بمضيق ملقا، أحد أهم الممرات التجارية العالمية التي تمر عبرها نسبة كبيرة من التجارة والنفط، 8 يوليو 2010

وهكذا تبلورت منطقة أنهكتها الحروب والتمردات والتدخلات الخارجية. فدفعت قناة السويس ثمن هذا الاضطراب بإغلاق دام سنوات، قبل أن يأتي عام 1979 ليضع الضفة الشمالية لمضيق هرمز في قبضة نظام ديني متشدد في إيران، لم يتوقف منذ ذلك الحين عن تصدير الأزمات إلى الخليج.

يا للأسف... ملقا أيضا

يمضي معظم النفط الخارج من الخليج نحو مضيق ملقا. وقد عبّر هو جينتاو، حين كان رئيسا للصين في عام 2003، عن قلقه إزاء "معضلة ملقا"، أي الهشاشة الناجمة عن اعتماد الصين على هذا المضيق في مرور 80 في المئة من وارداتها النفطية. وحذر يومها من أن "قوى كبرى بعينها لا تكف عن التدخل ومحاولة السيطرة على ممرات الشحن فيه"، في إشارة مبطنة إلى احتمال لجوء الولايات المتحدة إلى حصار بحري أداة للضغط على بكين. لكن القلق الصيني يتجاوز مضيقا واحدا، إذ تحيط بالساحل الصيني دول أرخبيلية تمتد من إندونيسيا إلى اليابان، وقد يتحول بعضها إلى طوق عدائي خانق.

أتى عام 1979 ليضع الضفة الشمالية لمضيق هرمز في قبضة نظام ديني متشدد في إيران، لم يتوقف منذ ذلك الحين عن تصدير الأزمات إلى الخليج

وفي قلب هذا الطوق الجغرافي تبرز تايوان بوصفها إحدى أخطر بؤر الاشتعال. فالصين تنظر إلى الجزيرة، التي تدير شؤونها بنفسها وتنتج نحو 90 في المئة من أشباه الموصلات الأكثر تقدما في العالم، باعتبارها جزءا لا يتجزأ من أراضيها. وقد وجه الرئيس الصيني شي جينبينغ قواته المسلحة إلى الاستعداد لضمها بحلول 2027، فيما تنفذ هذه القوات بانتظام مناورات تحاكي عزل الجزيرة واجتياحها. وفي المقابل، ينكب الاستراتيجيون الأميركيون على بحث سيناريوهات حصار مضاد يمكن فرضه على الصين دفاعا عن تايوان.

وجاء إغلاق مضيق هرمز ليضفي على هذه السيناريوهات قدرا أكبر من المصداقية. وتفاديا لمثل هذه المخاطر، تسرع الصين في بناء أسطول بحري عابر للمحيطات، يفوق نظيره الأميركي عددا. كذلك تسعى إلى توسيع قدرتها على نشر قواتها بعيدا عن سواحلها، ولا سيما عبر حاملات الطائرات. وفي المقابل، تمضي أستراليا واليابان والفلبين في تعزيز دفاعاتها، وفي توثيق التعاون فيما بينها.

وفي موازاة ذلك، عملت الصين على شق مسارات بديلة لإمدادات الطاقة، عبر خطوط أنابيب تنقل النفط والغاز من روسيا وآسيا الوسطى، وعبر ميانمار إلى خليج البنغال، بما يخفف اعتمادها على مضيق ملقا. ومنذ وصول شي جينبينغ إلى السلطة في عام 2012، ضخت مبادرة الحزام والطريق استثمارات في شبكة لوجستية عالمية تضم موانئ تقع قرب نقاط الاختناق البحرية، ما يثير مخاوف من إمكان توظيفها يوما لأغراض عسكرية. ومنذ عام 2013، حولت الصين عددا من الشعاب والجزر الصغيرة المتنازع عليها في بحر الصين الجنوبي إلى قواعد عسكرية. ثم أقامت في عام 2017 أول قاعدة عسكرية لها خارج حدودها في جيبوتي، وقالت رسميا إنها مخصصة لدعم دوريات مكافحة القرصنة. كما بدأت اختبار مسار شحن قطبي بمحاذاة الساحل الشمالي لروسيا.

(أسوشييتد برس)
سفينة شحن تعبر قناة بنما عند شروق الشمس، في أحد أهم الممرات البحرية التي تربط التجارة العالمية بين المحيطين، 24 مارس 2026

ولا يزال من غير الواضح إلى أي مدى تستطيع هذه الجهود تقليص مكامن الضعف الصينية. لكن مؤشرات تصاعد القلق في بكين باتت واضحة. فقد كُلفت وكالة حكومية أخيرا بإعداد دراسة عن مخاطر "نقاط الاختناق البحرية الدولية"، فيما أخذ عدد متزايد من الشخصيات العامة يدعو إلى نهج أكثر صرامة في مواجهة هذه التهديدات. ويرى شو ياوتشيانغ، من مجلس الكهرباء الصيني الذي يمثل قطاع الطاقة، أن الحرب في إيران كشفت حجم الأخطار الكامنة. وكتب في صحيفة "الشعب" اليومية، الناطقة باسم "الحزب الشيوعي"، أن "هذه الممرات المائية ضيقة، يسهل إغلاقها وإخضاعها للمراقبة، كما أنها تصبح في زمن الحرب عرضة بدرجة كبيرة لسيطرة قوى خارجية". ودعا إلى أن تتخلى الصين عن ذهنية السلم، وأن تسرع في مد خطوط أنابيب إلى باكستان ومناطق أخرى، إلى جانب "تطوير قدرات للمرافقة في أعالي البحار وآليات للدعم الطارئ".

وذهب آخرون أبعد من ذلك، فطرحوا فكرة تنفيذ عمليات عسكرية محدودة خارج البلاد لحماية المصالح الصينية، من دون السقوط في محاكاة "الهيمنة" الأميركية.

عملت الصين على شق مسارات بديلة لإمدادات الطاقة، عبر خطوط أنابيب تنقل النفط والغاز من روسيا وآسيا الوسطى، وعبر ميانمار إلى خليج البنغال

تتعاون إندونيسيا وماليزيا وسنغافورة وتايلاند في تسيير دوريات مشتركة في مضيق ملقا لمكافحة القرصنة، لكن هذا التعاون يظل محكوما بحذر شديد، في ظل إرث من التنافسات التاريخية وحساسيات مستمرة بشأن وضع هذا الممر المائي. ومع ذلك، تبقى التساؤلات مفتوحة بشأن موقف هذه الدول إذا اندلع صراع واسع. فقد لا تملك القدرة على منع الصين أو الولايات المتحدة من السعي إلى إغلاق الممرات الرئيسة، وفي مقدمتها مضائق ملقا وسوندا ولومبوك. وهنا يبرز سؤال مهم: هل سينحاز بعض هذه الدول إلى أحد الطرفين؟ فالصين تمتلك بالفعل نفوذا واسعا في عدد من بلدان جنوب شرق آسيا، بينها كمبوديا وميانمار، ولا شك في أنها تسعى إلى توسيع هذا الحضور. لكن معظم دول المنطقة تنظر بقلق إلى تنامي نفوذها.

أما الولايات المتحدة، فقد راهنت على الهند بوصفها قوة موازنة للصين، ويظهر ذلك من خلال التعاون في تعقب السفن والغواصات الصينية الخارجة من مضيق ملقا. لكن نيودلهي، رغم تقاربها في السنوات الأخيرة مع واشنطن وإسرائيل، عادت فتراجعت تحت وقع الحرب وما أحدثته من صدمة في أسواق الطاقة.

وقد تعيد الهند إحياء علاقاتها القديمة، فحافظت على علاقة وثيقة مع روسيا في محاولة لموازنة نفوذ الصين، وعلى علاقة ودية مع إيران لموازنة نفوذ باكستان، وهو ما جر عليها عقوبات أميركية رفع بعضها الآن. كما استثمرت في ميناء تشابهار الإيراني لتأمين منفذ إلى آسيا الوسطى، وتعد سفنها من بين القلة التي تسمح لها إيران بمغادرة الخليج.

(أ.ف.ب)
سفينة حاويات تغادر ميناء تشينغداو في الصين وسط تداعيات الرسوم الجمركية الأميركية التي تعيد تشكيل التجارة العالمية، 7 أغسطس 2025

أما في الغرب، فقد قامت أوروبا بمساعدة أوكرانيا في صد الهجمات الروسية. وعندما قاطع الاتحاد الأوروبي النفط والغاز الروسيين اللذين كانا يُنقلان عبر الأنابيب، أعاد الكرملين توجيه إمداداته إلى ناقلات متجهة نحو آسيا، وغالبا بأسعار مخفضة. ولكن، بقيامها بذلك، وجدت روسيا نفسها مضطرة إلى المرور عبر سلسلة من نقاط الاختناق التي تتحكم فيها دول أعضاء في حلف شمال الأطلسي، ولا سيما المضائق التركية والدنماركية، التي يمر عبرها 20 في المئة و35 في المئة من صادراتها من النفط الخام على التوالي. كذلك صادرت دول أوروبية بعض سفن "أسطول الظل" التي كانت ترفع أعلاما مزورة.

قاطع الاتحاد الأوروبي النفط والغاز الروسيين اللذين كانا يُنقلان عبر الأنابيب، فأعاد الكرملين توجيه إمداداته إلى ناقلات متجهة نحو آسيا، وغالبا بأسعار مخفضة

وعندما فرضت روسيا حصارا على أوديسا وموانئ أوكرانية أخرى على البحر الأسود، توقفت صادرات الحبوب الأوكرانية بالكامل. ودفعت هذه الأزمة أسعار الغذاء العالمية إلى الارتفاع، قبل أن تنجح أوكرانيا في إنشاء ممر آمن للشحن. ومع ذلك، لا تزال سفن التجارة تتعرض لهجمات متقطعة، فيما تظل الألغام خطرا يتهدد الملاحة بأسرها. وفي المقابل، أدى إغلاق تركيا مضائقها في وجه السفن الحربية إلى حرمان روسيا من تعزيز أسطولها في البحر الأسود، الذي تكبد خسائر كبيرة بفعل الهجمات الأوكرانية.

وقد يعيد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إحياء مشروعه المفضل، بشق قناة جديدة تعرف باسم قناة إسطنبول، لتخفيف الازدحام في البوسفور. غير أن ذلك يفتح بابا واسعا للتساؤل عما إذا كانت هذه القناة ستخضع لاتفاقية مونترو لعام 1936، التي تنظم الملاحة التجارية والعسكرية في المضائق. وفي المقابل، تحول بحر البلطيق، منذ انضمام السويد وفنلندا إلى حلف شمال الأطلسي ردا على الحرب في أوكرانيا، إلى ما يشبه بحيرة تابعة للحلف. لكن ذلك لم يضع حدا للهجمات التي تستهدف البنية التحتية في قاع البحر، كأنابيب الغاز وكابلات الاتصالات، والتي يُرجح أن أوكرانيا وروسيا تقفان وراء بعضها.

وعلى الضفة الأخرى من الأطلسي، لا تعكس حركة العبور المتواضعة نسبيا في قناة بنما، والتي لا تمثل سوى 3 في المئة من التجارة البحرية، أهميتها الحقيقية. فالقناة تتيح للبحرية الأميركية نقل سفنها بين المحيطين الأطلسي والهادئ، كما يمر عبرها نحو 40 في المئة من حركة الحاويات الأميركية. وانتقد ترمب منح الولايات المتحدة السيطرة الكاملة لبنما على القناة، ولا سيما بعد سماح الحكومة البنمية لشركة تتخذ من هونغ كونغ، في الصين، مقرا لها، بتشغيل موانئ عند طرفيها. وتحت ضغط أميركي، تراجعت السلطات البنمية أخيرا عن هذا الترتيب، وأسندت إدارة الموانئ إلى شركتين أوروبيتين. ويؤكد الرئيس خوسيه راؤول مولينو أن الأزمة انتهت، لكن الصين تتوعد بأن تجعل بنما تدفع ثمنا سياسيا واقتصاديا باهظا. وفي الأثناء، لا تزال نيكاراغوا تراودها فكرة شق قناة منافسة.

ستقوم دول كثيرة بتكثيف جهودها لتخفيف مواطن الضعف لديها، عبر تنويع الموردين، وإقامة بنى تحتية جديدة، واعتماد تقنيات بديلة مثل الطاقة المتجددة. غير أن هذه المسارات تحتاج إلى وقت طويل قبل أن تؤتي ثمارها، وقد يمتد ذلك لسنوات، وربما لعقود. وحتى يحين ذلك، وإذا استمرت الحرب، فلن يكون أمام العالم سوى الرهان على قدرة شبكات الخدمات اللوجستية العالمية على التكيف.

(أ.ف.ب)
رافعات وشحنات في ميناء لوس أنجلوس بعد حكم قضائي أميركي بإلغاء رسوم جمركية فرضتها إدارة ترمب على شركاء تجاريين، 20 فبراير 2026

فعندما تعذر الوصول إلى قناة السويس بفعل هجمات الحوثيين، سارعت خطوط الشحن إلى سلوك الطريق البديل حول أفريقيا. وبالنظر إلى الفائض المتاح في قطاع الشحن العالمي آنذاك، وإلى محدودية حصة تكاليف النقل في أسعار معظم السلع، بدا تحمل الكلفة الإضافية أمرا ممكنا. وعلى المنوال نفسه، بدأت الأغذية والأدوية تشق طريقها برا إلى الخليج انطلاقا من جدة على البحر الأحمر، ومن الفجيرة على خليج عمان، وحتى من تركيا البعيدة.

تحول بحر البلطيق، منذ انضمام السويد وفنلندا إلى حلف شمال الأطلسي ردا على الحرب في أوكرانيا، إلى ما يشبه بحيرة تابعة للحلف

لكن قدرة الشاحنات والطرق وخطوط الأنابيب على توفير بدائل من هذا النوع تبقى محدودة. وتشير تقارير إلى أن الازدحام المروري في الفجيرة امتد لنحو 30 كيلومترا، بحسب بيتر ساند من شركة زينيتا المتخصصة في البيانات. وإلى جانب ذلك، أدى احتجاز هذه الكميات الكبيرة من النفط الخام إلى مضاعفة أسعار وقود السفن، فيما عمد المشغلون إلى تحميل العملاء الكلفة الإضافية. كما تُظهر بيانات الأقمار الصناعية أن الأسطول العالمي أبحر في مارس/آذار بوتيرة أبطأ بنحو 2 في المئة، على الأرجح سعيا إلى خفض استهلاك الوقود.

وتجد نحو 300 ناقلة نفط نفسها عالقة في الخليج أو ماضية نحو وجهات بديلة. كذلك قفزت أجور استئجار أكبر الناقلات، بعد خروج 8 في المئة من هذه الفئة من الخدمة، من نحو 90 ألف دولار يوميا قبل الحرب إلى نحو 230 ألفا. غير أن هذه الأسعار قد لا تلبث أن تنخفض مجددا إذا انتهى الأمر بأعداد كبيرة من الناقلات إلى التنافس على كميات محدودة من النفط. وكما يشير بنك "إتش إس بي سي" في أحد تقاريره، فإن إغلاق المضيق قد يفضي إلى "فائض في الطاقة الاستيعابية في مناطق التحميل البديلة".

هذه التقلبات ليست سوى ثمرة طبيعية لأي اضطراب يضرب إحدى نقاط الاختناق العالمية. ذلك أن شركات الشحن تميل بطبعها إلى التحفظ وتجنب المجازفة. فحتى حين يتوافر الغطاء اللازم، لا تميل الشركات الكبرى إلى الزج بسفنها في مناطق الخطر خشية إثارة قلق العملاء والمستثمرين، في حين أن الشركات الأصغر لا تملك من السفن ما يسمح لها بتحمل خسارة أي واحدة منها. وعلاوة على ذلك، فإن عقود كثير من أفراد الطواقم تخولهم الامتناع عن العمل في مناطق الحرب. ولهذا، قد يفضي قدر محدود من التعطيل إلى اضطرابات واسعة.

 

هل خطف مضيق كاتيغات حمولتك؟

سيعلق كثير من البلدان آماله على بقاء حرية الملاحة، ذلك المبدأ الدبلوماسي الذي ظل سائدا إلى حد بعيد لأكثر من قرن. وكان الاستراتيجي البحري الأميركي ألفرد ثاير ماهان، في القرن التاسع عشر، ينظر إلى المحيطات بوصفها "مشاعا واسعا" تعبره السفن في كل الاتجاهات. ورأى أن القوة العالمية تنبع من السيطرة على البحار، وأن من واجب البحرية الأميركية حماية تجارة بلادها. وتجسد ذلك عمليا حين خاضت الولايات المتحدة أول حرب خارج حدودها عام 1801 دفاعا عن سفنها التجارية في مواجهة اعتداءات حاكم ما يعرف اليوم بليبيا.

(أسوشييتد برس)
ناقلة نفط مشتعلة في البحر الأحمر ضمن عمليات أوروبية، في سياق تهديدات أمن الملاحة البحرية الدولية، 25 أغسطس 2024

وشددت استراتيجية الأمن القومي في عهد ترمب، الصادرة في نوفمبر/تشرين الثاني، على أهمية "صون حرية الملاحة في جميع الممرات البحرية الحيوية". لكن رئيسا يرفع شعار "أميركا أولاً" قد لا يبدي حماسة كبيرة لتحمل أعباء النظام العالمي. وظهر ذلك في تقلب مواقفه من إيران، إذ بدا في مرحلة ما مستعدا لإعلان النصر وترك ملف مضيق هرمز للآخرين، قائلا: "نحن لا نستخدمه. كما تعلمون، وفي مرحلة معينة سيفتح من تلقاء نفسه". ومثل هذا الاستخفاف بأحد المفاتيح الرئيسة للشحن العالمي لا يبشر بخير بالنسبة إلى أمن المفاتيح الأخرى.

font change

مقالات ذات صلة