ما بعد الدولة القومية

سلسلة من الكتب الجديدة المشبعة بالنذر السوداء تغفل ما ينتظر وراء المنعطف

(أ.ف.ب)
(أ.ف.ب)
أعلام الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي في بروكسل، وسط توتر عبر الأطلسي بسبب تهديدات ترمب بفرض رسوم على خلفية قضية غرينلاند 18 يناير 2026

ما بعد الدولة القومية

لم يفعل أحد أكثر من دونالد ترمب في تكريس "أولوية الأمم" في عالم اليوم، بحسب التعبير الوارد في استراتيجيته للأمن القومي. وللرئيس الأميركي أيضا رفاق كثيرون في مواقع عليا يشاركونه هذا الميل القومي، ويدعون مثله إلى ولاء شرس يكاد يلامس التقديس للدولة القومية، ومن بينهم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، والزعيم الصيني شي جينبينغ، وفيكتور أوربان في المجر، وأحزاب اليمين المتمردة في أنحاء العالم.

غير أن المشكلة تكمن في أن الدولة القومية أصابها عطب بالغ، ولم تعد تؤدي وظيفتها لصالح الناس العاديين حول العالم.

فهي ممزقة بفعل اتساع فجوات اللامساواة في التعليم والفرص والدخل، ومنهوبة على أيدي أوليغارشيات نافذة تستخرج الثروة ثم تمضي، فيما ينخر الفساد بنيتها المؤسسية والدستورية. ومن هنا يكتب المؤلف البريطاني-الهندي رانا داسغوبتا في كتابه الجديد "ما بعد الأمم: تشكل نظام عالمي وتفككه" أن الدولة القومية تخفق بوضوح في النهوض بدورها ضامنا للحقوق الفردية والحرية والازدهار.

ومع أن ترمب ومن يشاركونه هذا التوجه القومي يكرهون أيضا العولمة، أو أي تصور لحوكمة دولية، فإن المحصلة أن غالبية البشر، أي 99.75 في المئة من سكان الكوكب الذين يعيشون داخل دول قومية، لا يكاد يبقى لديهم ما يحميهم أو يعينهم على السعي وراء سعادتهم.

ويخلص داسغوبتا، وهو كاتب مقالات وروائي بارز، في كتابه المشدود والمحكم البحث، وإن بدا معاديا للغرب على نحو واضح، إلى أن الجنس البشري اليوم "عارٍ سياسيا".

ويكتب أن "نظام الدولة القومية يقصر عن أبسط التصورات المقبولة للمساواة والعدالة. وبما أن الدول القومية احتكرت حياتنا السياسية، فإن هذه الخيانة تمس الوجود نفسه: فلا شيء لدينا سواها". ونتيجة لذلك، فإن "الإحساس بالتقدم" الذي تبلور عبر قرون طويلة "حل محله قلق انعدام المستقبل".

(رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يلقي خطابا حول الطاقة والاقتصاد في ولاية آيوا، في سياق تصاعد التوترات وتأثيرها على الأسواق، 27 يناير 2026

وهذا الإحساس الثقيل بـ"انعدام المستقبل" يهيمن على مجموعة من الكتب الجديدة التي توثق تفكك النظام الدولي من جهة، وتصدع الكيانات الوطنية التي يفترض أن ترعى ذلك النظام من جهة أخرى، علما أن هذه الكيانات نفسها تتعثر أو تمضي نحو الفشل.

الدولة القومية أصابها عطب بالغ، ولم تعد تؤدي وظيفتها لصالح الناس العاديين حول العالم

أما الاقتصادي إيسوار براساد، فيرى أن العالم عالق في "حلقة الهلاك"، وهي العبارة التي عنون بها كتابه، حيث يولد الاضطراب الاقتصادي اضطرابا سياسيا وصعودا شعبويا، ثم يفضي ذلك بدوره إلى مزيد من الفوضى الاقتصادية، في دوامة لا تلوح لها نهاية. وفي كتاب آخر جديد بعنوان "العاصفة المقبلة: القوة والصراع والتحذيرات من التاريخ"، يبدي أود أرنه فيستاد، المؤرخ بجامعة ييل، خشيته من أننا ننزلق، من دون اكتراث، إلى فوضى عالمية مضطربة لا تشبه شيئا بقدر ما تشبه ممالك أوروبا الإمبراطورية المتزاحمة قبيل أن تحرق نفسها في أتون الحرب العالمية الأولى.

وثمة صورة أخرى لكارثة عالمية وشيكة تحضر في كتاب "التحول العالمي الكبير: الولايات المتحدة والصين وإعادة تشكيل النظام الاقتصادي العالمي"، يتحدث فيه مؤلفه، الاقتصادي التقدمي برانكو ميلانوفيتش، عن نظام عالمي جديد يولده صعود الصين. ويقول إن "ملامحه لا تدرك اليوم إلا على نحو خافت"، ولكنه نظام سوف يدفع الولايات المتحدة والصين إلى مواجهة مباشرة.

ويخلص ميلانوفيتش إلى أن "الصين ببساطة غير قابلة للاستيعاب داخل النظام الحالي الذي تقوده الولايات المتحدة"، ما يوحي بحال من "الاضطراب السياسي الوشيك" لا يختلف كثيرا عن البيئة التي سبقت الحرب العالمية الأولى.

وصحيح أن "الإحساس بالتقدم" تلاشى في الغرب إلى حد بعيد. ففي الولايات المتحدة وأوروبا، أي في الغرب بعبارة أوضح، لم نعد حتى نتظاهر بأن التقدم هو الغاية. وعلى العكس، فيما تقترب الولايات المتحدة من عيد ميلادها المئتين والخمسين في الرابع من يوليو/تموز، تكاد تشبه المراحل الأخيرة من الجمهورية الرومانية: بلدا كان موضع فخر ذات يوم، ثم غدت مؤسساته تتهاوى، ووعوده تتبدد، وانقسامه يبدو كأنه قدر دائم. فالكونغرس يتأرجح بين التزلف والشلل، وباستثناء بعض الأحكام القضائية التي تبعث قدرا من الأمل في تصديها لممارسة ترمب الاستبدادية للسلطة، تبدو آليات الضبط والتوازن في النظام، بل والدستور نفسه، وكأنها تتداعى.

وإذا كانت الإمبراطورية هي الغاية الآن، مع إقدام الرئيس الأميركي على شن حروب من دون استفزاز سابق من فنزويلا إلى إيران، فإن الأميركيين لا يبدون بارعين هم أيضا في الاضطلاع بدور الإمبراطوريين. فترمب، الذي أمضى الشهر الماضي عاجزا عن تفسير سبب إشعاله حربا كبرى جديدة في الشرق الأوسط تهدد الاقتصاد العالمي، ليس أوغسطس قيصر بالتأكيد.

(أ.ف.ب)
حرق غاز فائض في مصفاة حيفا وسط مخاوف من تداعيات اقتصادية للحرب، مع تهديدات متبادلة بشأن استهداف منشآت الطاقة، 19 مارس 2026

أما أوروبا، فلا يبدو أنها قادرة على تحقيق ذلك الأمل الذي كان مشتركا بعد الحرب في اتحاد أشد اكتمالا، حتى في مواجهة ما يراه كثير من الأوروبيين تهديدا وجوديا مصدره روسيا. وبدلا من ذلك، يعاني الاتحاد الأوروبي مشكلة مزمنة من "عدم الاكتمال"، كما كتب جوزيف يانينغ العام الماضي، مضيفا أن "صناع السياسات الأوروبيين يبدون كأنهم أرجأوا فكرة الإقدام على خطوة كبرى إلى الأمام". وعلى الرغم من إظهار قدر من الوحدة أخيرا إزاء تهديدات ترمب لغرينلاند، لا يزال الاتحاد الأوروبي منقسما بحدة حين يتعلق الأمر بالنظر في سوق رأسمال مشتركة أو صناعة دفاعية مشتركة، ناهيك بسياسة دفاع موحدة. وأفضت آليات "الاتحاد" القائمة على الإجماع، في معظمها، إلى "الشلل"، كما كتب دوغلاس ريديكر وهايدي كريبو ريديكر أخيرا.

تقترب الولايات المتحدة من عيدها المئتين والخمسين، وتكاد تشبه المراحل الأخيرة من الجمهورية الرومانية: من موضع فخر إلى مؤسسات تتهاوى، وانقسام يبدو كأنه قدر دائم

وعليه، آن الأوان للتخلي عن أي أوهام بأننا نمضي نحو نموذج اجتماعي سياسي نهائي أفضل، ذلك الأمل الغربي الواهم الذي انبثق من عصر الأنوار.

وعند هذه النقطة يوجه داسغوبتا طعنته الأشد، فنحن في الغرب، كما يكتب، ظللنا نخادع أنفسنا طوال الوقت بشأن كل ذلك التقدم أصلا. فمن خلال حشد لافت لطائفة واسعة من الأدلة التاريخية، يكشف داسغوبتا الوجه القبيح من التاريخ الغربي، ويبين كيف أن أكثر منجزاتنا مدعاة للفخر منذ عصر الأنوار، أي مفهوم الدولة القومية ذاته والقانون الدولي، كانت مشوبة منذ بداياتها بشائبة قاتلة.

ويكتب داسغوبتا أن الباحثين الغربيين، منذ الغزو الإسباني لأميركا اللاتينية، طوروا القانون الدولي أساسا لخدمة "مصالح خاصة، كانت شواغلها في الغالب تنزع إلى الاستحواذ".

أما كتابات هوغو غروتيوس، وهو "الأب المعترف به" للقانون الدولي، فقد استهدفت إلى حد بعيد تبرير افتراس شركة الهند الشرقية-الهولندية والتصدي للمشاريع الإمبريالية الإسبانية والبرتغالية. وحتى جون لوك، أبو الليبرالية الذي أثر في الثورة الأميركية، يصور هنا على أنه بلور نظرياته عن الحقوق الطبيعية جزئيا دفاعا عن جشع سيده إيرل شافتسبري ونزعته التملكية، وعن غيره من المستعمرين الإنجليز. ويكتب داسغوبتا: "لقد أرست أفكار لوك للنخبة الإنجليزية لانهائية عالمية في حقوق الملكية: فلم يكن يتعين سوى الاستيلاء على الأرض حتى يطالب الإنجليز الميسورون، مستندين إلى ما يعدونه تفوقا في قدرتهم على استثمارها تجاريا، بحق قانوني فيها".

وبالنسبة إلى مفكري عصر الأنوار من أمثال لوك، جرى أيضا استدعاء الإله المسيحي حارسا للملكية الخاصة، ولنظام الحقوق والقوانين، وللدولة القومية التي تسنده. ومن هنا يكتب داسغوبتا أن فكرة الليبرالية الغربية التي خرجت من هذه المسارات "كانت إمبريالية أكثر مما ينبغي، وأكثر انحيازا، وأكثر مسيحية من أن تصلح عقيدة كونية".

وبالنسبة إلى داسغوبتا وفيستاد ومعظم هؤلاء المؤلفين، فإن العقبة الرئيسية أمام أي تقدم مقبل، والعامل الأشد تفكيكا للعالم، هي عبادة الدولة القومية. ويكتب فيستاد: "من سعي شي جينبينغ لاستعادة مجد الصين، إلى محاولات فلاديمير بوتين إحياء إمبراطورية روسية جديدة، إلى تصاعد النزعات الشعبوية المعادية للأجانب في الولايات المتحدة وبريطانيا وألمانيا وفرنسا، تجعل هذه المشاعر الحرب الكبرى أكثر احتمالا"، تماما كما كان الحال في الحقبة التي سبقت عام 1914.

(أ.ف.ب)
لوحة إعلانية في تل أبيب تشكر دونالد ترمب بعد الضربات الأميركية الإسرائيلية على إيران، 12 مارس 2026

ويضيف فيستاد أن أكثر ما يبعث على القلق، ربما، هو أن اطمئنان الحكومات الكبرى اليوم إلى قدرتها على تجاوز العاصفة يشبه، على نحو مقلق، ما كان سائدا آنذاك. ويكتب: "ما زلنا نشعر بالصدمة، حتى اليوم، حين نرى السرعة التي انهارت بها تلك الفكرة في يوليو 1914. ولا يوجد ما يدعو إلى الاعتقاد بأن [ضبط الأزمات] أكثر قابلية للتطبيق في زمننا. فسرعة الاتصالات ودورات الأخبار، وكفاءة أسلحة القرن الحادي والعشرين، لا تقلص فقط الوقت المتاح لاتخاذ القرارات إلى مدى أبعد، وإنما تزيد أيضا الشك والخوف مما قد يكون الآخرون بصدد فعله".

منذ الغزو الإسباني لأميركا اللاتينية طور الباحثون الغربيون القانون الدولي أساسا لخدمة مصالح خاصة، كانت شواغلها في الغالب تنزع إلى الاستحواذ

وفوق ذلك، ومع هذا الطيف الواسع من التقنيات الفتاكة المتاحة اليوم، من ترسانات نووية آخذة في الاتساع، وصواريخ فرط صوتية، وحروب بيولوجية، وأنظمة قصف تمر عبر المدار وتوجه بالذكاء الاصطناعي، وما إلى ذلك، فإن أي حرب على مستوى حرب عالمية جديدة قد تنتهي، على الأرجح، إلى حرب عالمية أخيرة.

لكن المؤسف أن معظم هذه الكتب الجديدة المشبعة بالنذر السود تميل إلى تقديم تشخيصات قوية ومقنعة لما اعتراها من خلل، من دون أن تقدم حلولا متماسكة، أو أي حلول أصلا، لكيفية إصلاح ما انكسر. كما أن أصحابها، في معظمهم، لا يبدون بارعين في استشراف ما ينتظر وراء المنعطف.

وليس صحيحا تماما، في المقابل، أن الدولة القومية، بمختلف تجلياتها، انحدرت على نحو لا رجعة فيه. فبعض الدول الكبرى، ولا سيما تلك التي لم تنخرط كليا في الحماسة النيوليبرالية لما بعد الحرب الباردة، أي في أسطورة الرأسمالية المنفلتة، العلاج الشافي المزعوم، ما زالت توفر نوعية حياة أفضل وقدرا أعلى نسبيا من العدالة الاجتماعية. ومن بينها اليابان، والدول الإسكندنافية، وكندا، وأستراليا.

أما ما يدعو فعلا إلى القلق فهو حال الدول القومية الكبرى حقا، أو ما يمكن تسميته بالدول التاريخية على مستوى العالم. وعلى وجه الخصوص، لم يعد ممكنا تعليق أي آمال على مستقبل الولايات المتحدة، التي أنجبت النظام العالمي لما بعد الحرب وحافظت عليه، لكنها تبدو اليوم دولة قومية تتداعى بسرعة، عالقة في دوامة هلاك من صنعها.

ومن المفارقات أن فقدان الشعب الأميركي ثقته في نظامه السياسي هو ما أفضى إلى صعود ترمب، أقوى ديماغوجي في تاريخ الولايات المتحدة. لكن ترمب، عوضا عن الاستجابة لتلك المخاوف والبحث عن مخرج للمأزق، فاقم أزمة الثقة في واشنطن عبر تمكين مزيد من الأوليغارشيين ومصالح كبار الشركات، على حساب أي ادعاء بالسعي إلى العدالة الاجتماعية.

(رويترز)
مبنى المحكمة العليا الأميركية في واشنطن، حيث تنظر في قانونية الرسوم الجمركية الواسعة التي فرضها دونالد ترمب، 20 يناير 2026

ويشير داسغوبتا إلى أن سبع شركات من وادي السيليكون بلغت قيمتها السوقية المجمعة في عام 2025 نحو 17 تريليون دولار، أي ما يعادل نحو 60 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي الأميركي. وهذا الرقم يفوق بفارق كبير أي مستوى سابق لهيمنة الشركات على الاقتصاد، حتى في زمن ستاندرد أويل خلال العصر المذهب أو في ستينات القرن العشرين، حين كانت الصناعة الأميركية مهيمنة عالميا. وفي الوقت نفسه، توظف هذه الشركات التقنية عددا أقل بكثير من العاملين، وهو عدد يتراجع باستمرار بفعل الذكاء الاصطناعي، كما تدفع ضرائب وطنية أقل بكثير، ما يعني أن القوة الاقتصادية التي تدفع الاقتصاد الأميركي باتت أقل اكتراثا من أي وقت مضى بجعل المجتمع الأميركي أكثر استقرارا وإنصافا.

7 شركات من وادي السيليكون قيمتها السوقية نحو 60 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي الأميركي. وهو رقم يفوق بفارق كبير أي مستوى سابق لهيمنة الشركات على الاقتصاد

وخلاصة الأمر أن عددا أقل من الأوليغارش الأميركيين- وقد تقاطر كثير منهم، في تذلل واضح، إلى بيت ترمب الأبيض لتنفيذ ما يطلبه- يسيطرون اليوم على حصة أكبر بكثير من الاقتصاد الأميركي، في وقت تراجعت فيه مسؤوليتهم عن الازدهار العام والاستقرار الاجتماعي في البلاد.

ولم يؤد تفكك النظام العالمي الكبير إلا إلى مزيد من التسارع في أعقاب حرب ترمب الأخيرة، أي الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران، وهي حرب أججت الشرق الأوسط وعطلت التدفقات الاقتصادية في أنحاء العالم. وفجأة، بدت الدول القومية الصغيرة في الخليج أقل شبها بملاذات آمنة وأكثر شبها بمصائد موت. أما إيران نفسها، فهي اليوم مهددة بالتحول إلى دولة فاشلة، مع "حرس ثوري إسلامي" أشد تطرفا وتصميما على تقويض الاستقرار في الشرق الأوسط. وهدد ترمب بالفعل، وأثار غضَبه استمرار مقاومة طهران، على منصة "تروث سوشيال" في 10 مارس/آذار، بـ"جعل إعادة بناء إيران، كأمة، أمرا يكاد يكون مستحيلا إلى الأبد، وسوف يسودها الموت والنار والغضب".

وأعادت الحرب أيضا الحياة والأمل إلى دولة قومية أخرى فاشلة فشلا كارثيا، هي روسيا، وإلى دولة قومية قد تكون أفضل أداء اقتصاديا من روسيا، لكنها مصممة على حرمان 1.4 مليار من مواطنيها من أبسط حقوقهم، وهي الصين.

ومع ذلك، يقر داسغوبتا بأن الدول القومية، مهما بلغ ما يحيط بها من كآبة واعتلال، لن تختفي، وأنها "في بعض النواحي أكثر رسوخا كئيبا من أي وقت مضى".

وحين يوجه نظره إلى المستقبل، يتمسك داسغوبتا بأمل واهن مفاده أن الليبرالية نفسها التي خرجت من ذلك الماضي الغربي الملوث ما زال يمكن التعويل عليها، شرط أن يعاد صوغها في صورة كونية أكثر شمولا. لأنه، كما يكتب، "كل فلسفة بديلة تنذر بمستقبل أشد ظلاما"، في تحوير لعبارة تشرشل الشهيرة: "الديمقراطية أسوأ أشكال الحكم، باستثناء جميع الأشكال الأخرى التي جربت من حين إلى آخر".

ويأمل داسغوبتا في نوع من الجهاز الجديد "يتوزع أيضا عبر المؤسسات المحلية وتلك العابرة للحدود". لكنه لا يقدم جوابا واضحا عن ماهية هذا الجهاز. وفي طرح يرهق التصديق إلى أقصاه، يكتب أن القانون الدولي نفسه الذي يمزقه اليوم ترمب وبوتين وغيرهما، يمكن أن يبعث من جديد ويعاد تشكيله بطريقة ما، على يد جهة مجهولة، بحيث يغدو "قانونا دوليا يخضع الجهاز العنيف للدول الفردية لغرض كوني".

(أ.ف.ب)
متداول في بورصة نيويورك مع تراجع الأسواق تحت ضغط التوترات الجيوسياسية وتهديدات واشنطن لطهران، 14 يناير 2026

لكنه يقول إن "هذا القانون لا يمكن أن يستمد من أي دولة، ولا من أي تجمع للدول. فالدول هي المجرمة، ولا يمكنها في الوقت نفسه أن تضع القانون".

حقا؟ يكاد يتعذر تصور كيف يمكن فرض قانون كهذا، إلا إذا وقع اجتياح من كائنات فضائية، أو صدر أمر من إله قدير قرر فجأة أن يتدخل. ويكفي هنا تأمل المكانة المنبوذة للمحكمة الجنائية الدولية، التي تتجاهل القوى الكبرى أحكامها.

إيران مهددة بالتحول إلى دولة فاشلة، مع "حرس ثوري إسلامي" أشد تطرفا وتصميما على تقويض الاستقرار في الشرق الأوسط

ويقر داسغوبتا بأنه لا الدولة العالمية، ولا نقيضها، أي ما يشبه "دولة الشبكة" الليبرتارية، وهي "مجتمع إلكتروني شديد الانسجام يملك قدرة على الفعل الجماعي"، بحسب وصف أحد مناصريها رجل الأعمال التقني بالاجي سرينيفاسان، يبدوان خيارين ممكنين أو محمودين. ففكرة دولة الشبكة، مثل الدولة القومية في صورتها الراهنة، توحي بتكريس حكم أقلية من النخبة العالمية، مع "قيادة شبه إقطاعية تتمتع بسلطات واسعة في المراقبة والمصادرة"، على حد تعبير داسغوبتا. غير أن "مجتمعا بلا ضرائب، وبلا رعاية، وبلا حريات ومسؤوليات مشتركة"، وهي السمات التي تقوم عليها دولة الشبكة النظرية هذه، "ليس مجتمعا على الإطلاق".

أما الحلول الأخرى المقترحة للفوضى العالمية الجديدة، فهي ضئيلة بالقدر نفسه. ويكتب فيستاد: "المهمة تكمن في كيفية إدارة الانتقال إلى التعددية القطبية من دون خلق مناطق نفوذ للقوى العظمى تقوم حصرا على منطق أن القوة هي التي تصنع الحق". وهذا كلام يبدو حسنا، لكن شي وبوتين يريدان هذه المناطق بوضوح، فيما يظهر ترمب قليل الاكتراث على نحو مفرط، ويبدو الأوروبيون أضعف من أن يفعلوا شيئا حيال ذلك.

وينصح براساد بضرورة "ترسيخ مبادئ أساسية مثل الإنصاف والشفافية والمرونة، عناصر تأسيسية تضمن احتفاظ مؤسساتنا بالشرعية"، من دون أن يوضح كيف يفترض أن يتحقق أي من ذلك. وبالنسبة إلى جميع هؤلاء الكتاب، فهذا أمر لا بد أن يحدث ببساطة لأن "الرهانات أعلى من أن تحتمل الفشل". كما يكتب براساد.

أما ميلانوفيتش، فهو أيضا يرى صداما يائسا بين قوميات "ينمو على أرض من الوفرة الجماهيرية والجشع اللذين لا يشبعان". وتبدو الصورة في نظره قاتمة إلى حد أنه لا يعتقد أن الهستيريا القومية لدى ترمب أو رفاقه اليمينيين حول العالم تصنع فارقا كبيرا، إذ يكتب أنه "حين نحاول تصور مستقبل افتراضي يختفي فيه دونالد ترمب وشي جينبينغ وفلاديمير بوتين فجأة من المشهد، لا يبدو أن الأزمنة المقبلة ستكون مختلفة كثيرا".

(أ.ف.ب)
مقاتلة أميركية تقلع من حاملة الطائرات "أبراهام لينكولن" في بحر العرب، ضمن تعزيزات عسكرية أميركية في الشرق الأوسط، 28 يناير 2026

هل بلغت الكآبة مداها؟ لعل الأمر لا يستحق ذلك. فبعض هذا التشاؤم مبالغ فيه ويفتقر إلى أساس متين، تماما كما أن الحلول التي يطرحها هؤلاء المؤلفون لا تصمد في الغالب. فبينما يسعى ترمب إلى تدمير ما تبقى من "الغرب"، يلمح كل من داسغوبتا وميلانوفيتش، على سبيل المثال، إلى إمكان قيام جماعة دولية بديلة حول تكتل "بريكس بلس" الذي ترعاه بكين، ويضم البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب أفريقيا، وانضمت إليه أخيرا السعودية ومصر وإندونيسيا وإثيوبيا وإيران والإمارات. لكن بريكس ليست، في واقع الأمر، "الكتلة السياسية الحاسمة" التي يصورها داسغوبتا، ولا سيما في أعقاب الحرب على إيران.

بعض هذا التشاؤم مبالغ فيه ويفتقر إلى أساس متين، تماما كما أن الحلول التي يطرحها مؤلفو الكتب لا تصمد في الغالب

وعلى رغم التشخيص القاتم الذي يقدمه ميلانوفيتش لعالم منقسم على نحو لا رجعة فيه، لا تزال هناك مساحة وسطى بين صين ترفض الهيمنة الأميركية، وصين تجد سبيلا إلى العمل داخل النظام العالمي القائم.

ولعل أكثر ما يمكن قوله مما يبعث على الأمل هو أننا، كنوع بشري، لا نملك أي فكرة عما ينتظرنا عند المنعطف، ولا سيما إذا وضعنا في الحسبان أكثر تطورات القرن الجديد ثورية، أي الذكاء الاصطناعي المتسارع التقدم. ولهذا السبب، ولأسباب كثيرة أخرى، فإن الفروق بين العالم الذي سبق الحرب العالمية الأولى ووضعنا الراهن أكبر بكثير من أوجه الشبه. فلنواجه الأمر كما هو، وهو ما يقر به فيستاد نفسه.

أما النظرة الغالبة إلى الذكاء الاصطناعي، فهي بطبيعة الحال مشوبة بالخوف والنفور: الفكرة القائلة إنه يتقدم بهذه السرعة حتى إننا نحن البشر نكاد نكون محكومين بالهلاك. ولا شك في أن هذا المنعطف التاريخي الحاسم ينطوي على أخطار وفيرة: وظائف تضيع، وإرادة تتآكل، وتفكير نقدي يخبو، بل وإحساس الفاعلية الإنسانية نفسه يتعرض للفقدان.

لكننا ببساطة لا نعرف إلى أين يمكن أن تمضي بنا هذه التكنولوجيا الجديدة كنوع بشري. وربما يكمن أحد وجوه الأمل في فكرة أننا نتجاوز ذواتنا، أي عثراتنا وعداواتنا وأحكامنا المسبقة، باعتبارنا بشرا. وقد يتحقق كثير من ذلك عبر الذكاء الاصطناعي، إذا أحسن استخدامه. ويكتب داسغوبتا: "من المرجح أن تكون الرؤى الآلية أكثر ميلا بطبيعتها إلى العالمية من رؤى الساسة المحترفين. وسيستخدم الذكاء الاصطناعي لتحليل التفاعلات الكوكبية المعقدة، وستكون لديه، تبعا لذلك، صورة واضحة عن أن مصائر الأمم تعتمد على نمط أكثر نسقية من الاستقرار".

(أ.ف.ب)
مقاتلة أميركية تقلع من حاملة الطائرات "أبراهام لينكولن" في بحر العرب، ضمن تعزيزات عسكرية أميركية في الشرق الأوسط، 28 يناير 2026

وفي خضم كل هذا القلق من مستقبل الذكاء الاصطناعي، ثمة أيضا قدر كبير من الأمل في أن يكون قوة تحويلية بالنسبة إلى الجنس البشري. ففي كتابه الصادر عام 2024 "العتبة الفاصلة تقترب: حين نندمج بالذكاء الاصطناعي"، يكتب الخبير التقني راي كورزويل أن الذكاء الاصطناعي المتقدم سيحول قريبا التقدم "الخطي" البطيء في مجالات كثيرة، من الطب إلى الزراعة إلى التصنيع، إلى تقدم "أسي". وقد يصدق ذلك على السياسة أيضا. فمن جهة، يملك الذكاء الاصطناعي القدرة على منح الدول السلطوية مستويات غير مسبوقة من السيطرة عبر المراقبة المعززة به. ومن جهة أخرى، يتيح مستويات غير مسبوقة من التعليم والتعلم، مقابل بضعة دولارات شهريا، لكتل بشرية واسعة كانت محرومة من ذلك من قبل.

ما يبعث على الأمل أن البشر لا يملكون أي فكرة عما ينتظرهم عند المنعطف، ولا سيما إذا وضعنا في الحسبان أكثر تطورات القرن الجديد ثورية، أي الذكاء الاصطناعي

وهل يجدر بنا حقا أن نرثي تنامي قدرة الأجيال الجديدة من الذكاء الاصطناعي على إصدار الأحكام، في وقت يبدو فيه حكمنا نحن، أي الحكم البشري، وقد بلغ طريقا مسدودا؟

إن المستقبل، بعبارة أخرى، مجهول بالكامل، باستثناء أمر واحد نكاد نتيقنه الآن، وهو أنه لن يواصل السير في المسار نفسه، جيوسياسيا أو تكنولوجيا، الذي سرنا فيه منذ الحرب العالمية الثانية.

وفوق كل ذلك، تجاوز النظام العالمي الذي نشأ بعد الحرب منشأه الأصلي، أي الولايات المتحدة. وربما لا شيء أشد دلالة من ملاحظة داسغوبتا الأخيرة بأن "القدرة الذهنية للأميركيين على فهم ما يجري في العالم قد تراجعت بشدة". ولم تعد هذه مشكلة الأميركي العادي المحدود التعليم فحسب، بل صارت مشكلة النخب في واشنطن، وهي نخب لم تعد تفهم النظام الذي وضعه أسلافها. ولعل هذا هو حكم الإعدام الأشد حسما على النظام القديم.

لا أحد يعرف ما الجواب. لكن ذلك لا يعني أن جوابا يعجز خيالنا عن توقعه، خيرا كان أم شرا، لن يطل برأسه، وربما في وقت قريب.

font change

مقالات ذات صلة