لم يفعل أحد أكثر من دونالد ترمب في تكريس "أولوية الأمم" في عالم اليوم، بحسب التعبير الوارد في استراتيجيته للأمن القومي. وللرئيس الأميركي أيضا رفاق كثيرون في مواقع عليا يشاركونه هذا الميل القومي، ويدعون مثله إلى ولاء شرس يكاد يلامس التقديس للدولة القومية، ومن بينهم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، والزعيم الصيني شي جينبينغ، وفيكتور أوربان في المجر، وأحزاب اليمين المتمردة في أنحاء العالم.
غير أن المشكلة تكمن في أن الدولة القومية أصابها عطب بالغ، ولم تعد تؤدي وظيفتها لصالح الناس العاديين حول العالم.
فهي ممزقة بفعل اتساع فجوات اللامساواة في التعليم والفرص والدخل، ومنهوبة على أيدي أوليغارشيات نافذة تستخرج الثروة ثم تمضي، فيما ينخر الفساد بنيتها المؤسسية والدستورية. ومن هنا يكتب المؤلف البريطاني-الهندي رانا داسغوبتا في كتابه الجديد "ما بعد الأمم: تشكل نظام عالمي وتفككه" أن الدولة القومية تخفق بوضوح في النهوض بدورها ضامنا للحقوق الفردية والحرية والازدهار.
ومع أن ترمب ومن يشاركونه هذا التوجه القومي يكرهون أيضا العولمة، أو أي تصور لحوكمة دولية، فإن المحصلة أن غالبية البشر، أي 99.75 في المئة من سكان الكوكب الذين يعيشون داخل دول قومية، لا يكاد يبقى لديهم ما يحميهم أو يعينهم على السعي وراء سعادتهم.
ويخلص داسغوبتا، وهو كاتب مقالات وروائي بارز، في كتابه المشدود والمحكم البحث، وإن بدا معاديا للغرب على نحو واضح، إلى أن الجنس البشري اليوم "عارٍ سياسيا".
ويكتب أن "نظام الدولة القومية يقصر عن أبسط التصورات المقبولة للمساواة والعدالة. وبما أن الدول القومية احتكرت حياتنا السياسية، فإن هذه الخيانة تمس الوجود نفسه: فلا شيء لدينا سواها". ونتيجة لذلك، فإن "الإحساس بالتقدم" الذي تبلور عبر قرون طويلة "حل محله قلق انعدام المستقبل".

وهذا الإحساس الثقيل بـ"انعدام المستقبل" يهيمن على مجموعة من الكتب الجديدة التي توثق تفكك النظام الدولي من جهة، وتصدع الكيانات الوطنية التي يفترض أن ترعى ذلك النظام من جهة أخرى، علما أن هذه الكيانات نفسها تتعثر أو تمضي نحو الفشل.




