أميركا... من شرطي العالم إلى "الحديقة الخلفية"

ريتشارد هاس يتحدث لـ"المجلة" عن أولويات ترمب... انتقال مركز الثقل في الشرق الأوسط إلى الخليج

أ ف ب
أ ف ب
ريتشارد هاس، المستشار الرئيسي لدى Centerview Partners، يلقي كلمة خلال مؤتمر إعادة التصنيع 2025، 17 يوليو 2025 في ديترويت

أميركا... من شرطي العالم إلى "الحديقة الخلفية"

على امتداد نصف قرن من العمل في قلب المؤسسة الأميركية، بين الدبلوماسية وصنع القرار والبحث الاستراتيجي، يُعد ريتشارد هاس واحدا من أكثر الأصوات خبرة في قراءة تحولات الدور الأميركي في العالم. وفي هذه المقابلة مع "المجلة" لا يتحدث هاس فقط عن الشرق الأوسط أو عن تداعيات حرب غزة وإيران و"حماس" و"حزب الله"، بل يقدّم، بصورة أعمق، تشخيصا دقيقا للحظة الأميركية الراهنة، لحظة انتقالية كبرى تشهد فيها الولايات المتحدة إعادة تعريف ذاتها، وحدود قوتها، وأولوياتها الاستراتيجية.

كان هاس يشغل منصب رئيس مجلس العلاقات الخارجية، وقبل ذلك كان يشغل منصب مدير تخطيط السياسات في وزارة الخارجية الأميركية والمستشار المقرب لوزير الخارجية كولن باول. وافق مجلس الشيوخ على هاس كمرشح لمنصب السفير وكان المنسق الأميركي لمستقبل أفغانستان، وقد خلف جورج ميتشل كمبعوث الولايات المتحدة الخاص لأيرلندا الشمالية للمساعدة في عملية السلام في أيرلندا الشمالية، والتي بسببها حصل على جائزة الخدمة المتميزة من وزارة الخارجية.

ما يلفت في رؤية هاس ليس الحديث التقليدي عن "تراجع أميركي" أو "انسحاب من العالم"، بل توصيفه لما يمكن تسميته إعادة تموضع تاريخية. فالولايات المتحدة، بحسب قراءته، لم تعد "شرطي العالم"، لكنها لم تتحول أيضا إلى قوة انعزالية. إنها قوة كبرى تعيد ترتيب بوصلة اهتمامها، وتنتقل من نموذج الانخراط العالمي الواسع الذي ساد منذ الحرب العالمية الثانية، إلى نموذج أكثر انتقائية، وأكثر ارتباطا بالمصالح الاقتصادية والأمنية المباشرة.

في قلب هذا التحول، يبرز تركيز غير مسبوق على النصف الغربي من الكرة الأرضية، أي ما يُعرف تقليديا بـ"الحديقة الخلفية" الأميركية، أميركا اللاتينية والبحر الكاريبي. وهو تركيز يصفه هاس بأنه مفاجئ في شدته، ولم تشهده السياسة الخارجية الأميركية بهذا الوضوح منذ قرنين تقريبا. وجود حاملات طائرات وقوات أميركية قرب فنزويلا، والتعامل المتزايد مع قضايا الهجرة، والطاقة، والمنافسة مع الصين وروسيا في هذه المنطقة، كلها مؤشرات على أن واشنطن باتت ترى في جوارها الجغرافي ساحة صراع استراتيجي لا تقل أهمية عن آسيا أو أوروبا.

من منظور هاس، هذا التحول لا يعني التخلي الكامل عن الشرق الأوسط أو أوروبا، لكنه يعني تراجع مركزية هذه المناطق في الحسابات الأميركية. فالشرق الأوسط، الذي كان لعقود محورا أساسيا للسياسة الخارجية الأميركية، بات يُنظر إليه اليوم من زاوية أكثر برغماتية، الطاقة لم تعد العامل الحاسم كما كانت، والانخراط العسكري لم يعد الخيار المفضل، بينما يزداد التركيز على الشراكات الاقتصادية، وعلى إدارة الأزمات بدل محاولة إعادة هندسة المنطقة.

ويحذّر هاس من أن هذا التحول، رغم منطقه الداخلي، ينطوي على مخاطر حقيقية. فالتردد الأميركي، وعدم وضوح الاستراتيجية طويلة المدى، قد يفتح المجال أمام عودة الفوضى، أو أمام لاعبين إقليميين غير معتدلين لملء الفراغ. ويضرب مثالا على ذلك بالمسألة الفلسطينية، حيث يرى أن تجاهل البعد السياسي، والاكتفاء بالمقاربات الأمنية، لا يؤديان إلا إلى إعادة إنتاج الأزمات، وإلى منح قوى مثل "حماس" فرصة للعودة بأشكال مختلفة.

لكن جوهر رؤية هاس لا يقوم على الحنين إلى الماضي، بل على القلق من المستقبل. فهو يعتقد أن الولايات المتحدة تقف اليوم أمام مفترق طرق تاريخي: إما أن تنجح في إدارة هذا الانتقال بحكمة، من خلال دبلوماسية نشطة، وتحالفات مرنة، وتعريف واقعي لمصالحها، وإما أن تنزلق إلى عالم من "دوائر النفوذ" والفوضى الاستراتيجية، حيث تتراجع القواعد التي حكمت النظام الدولي منذ عام 1945.

في هذا السياق، تكتسب أميركا اللاتينية أهمية مضاعفة. فهي ليست فقط مجالاً جغرافياً قريباً، بل ساحة اختبار لنموذج السياسة الخارجية الأميركية الجديد: هل تستطيع واشنطن أن تجمع بين الأمن والاقتصاد والدبلوماسية؟ هل يمكنها أن تنافس الصين وروسيا هناك دون العودة إلى سياسات الهيمنة القديمة؟ وهل تنجح في تحقيق الاستقرار في جوارها من دون استنزاف مواردها أو تقويض قيمها؟

يجيب هاس عن هذه الأسئلة بحذر واضح. فهو لا يدّعي امتلاك رؤية مكتملة للنظام العالمي القادم، بل يؤكد أننا نعيش مرحلة "يتشكل فيها التاريخ". ما نعرفه- كما يقول- هو ما نبتعد عنه: حقبة الهيمنة الأميركية شبه المطلقة. أما ما نتجه إليه، فلا يزال مفتوحا على احتمالات متعددة، من عالم متعدد الأقطاب، إلى عالم نفوذ إقليمي، أو حتى عالم أكثر فوضوية.

هذه المقابلة، التي جرت عبر تطبيق "زووم" يوم 18 نوفمبر/تشرين الثاني 2025، ليست مجرد نقاش في ملفات الشرق الأوسط، بل نافذة على تفكير أحد أبرز مهندسي السياسة الخارجية الأميركية حول مستقبل أميركا نفسها: قوة كبرى قلقة، مترددة، لكنها لا تزال تملك القدرة على التأثير، إذا أحسنت قراءة لحظتها التاريخية، ونجحت في الموازنة بين الداخل والخارج، وبين "الحديقة الخلفية" والعالم الأوسع... وهنا نص الحوار:

* مع الذكرى الثمانين للتحالف الاستراتيجي بين الرياض وواشنطن، كانت المعادلة: "الأمن مقابل النفط". لكن اليوم تبدو العلاقات أكثر تنوعا وحداثة. هل تعتقد أن البلدين قادران حقا على تجديد هذا التحالف وتحديثه؟

- أعتقد أنك محق. العلاقة اتسعت، وهي تعكس في بعض جوانبها تطور واقع السعودية. لم تعد قائمة فقط على الطاقة. فالولايات المتحدة تنتج كميات هائلة من الغاز والنفط، والسعودية منتج مهم، لكنها لم تعد "المنتج المرجّح" كما كانت في السابق، لأن أسواق الطاقة تغيرت. وأعتقد أن الولايات المتحدة والسعودية تنظران إلى بعضهما اليوم من منظور اقتصادي أوسع ومن منظور استراتيجي أشمل. وزيارة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان الأخيرة لواشنطن، تجري في هذا السياق المتطور.

* كيف تنظر إلى زيارة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان؟

- من الواضح أن هناك تركيزا على العلاقة الثنائية، هناك صفقة بيع طائرات "إف-35" المتطورة ونوع من الترتيبات الأمنية. وهناك استثمارات سعودية في الولايات المتحدة، ونقل للتكنولوجيا واستثمارات أميركية داخل السعودية. وأعتقد أن ما يعكسه الاتفاق بشكل أوسع هو أن العلاقات الأميركية–السعودية تتقدم وتتسع.

كما أرى أن الأمر يمثل من وجهة نظر السعودية ما يمكن وصفه بسياسة "السعودية أولاً"، أي التركيز بشكل أكبر على التنمية داخل المملكة، وعلى العلاقات مع الولايات المتحدة، مع تقليل الاهتمام ببعض القضايا الإقليمية. ومن اللافت أن هذه الزيارة جاءت بعد صدور قرار من مجلس الأمن يمنح خطة النقاط العشرين (الخاصة بغزة) صبغة أممية.

طريقة تقليص نفوذ "حماس" ليست فقط في إضعافها عسكريا، بل بإظهار أن هناك طريقا أفضل لتحقيق الأهداف السياسية، عبر الاعتدال والتسوية والدبلوماسية، لا عبر المسار الذي اختارته "حماس"

لكن ما يُستشف من مختلف التقارير أن السعوديين لم يعودوا يرغبون في أن يكون مستقبلهم مرتبطا ارتباطا وثيقا بتطورات المنطقة أو مرهونا بها. أعتقد أنهم يريدون أن يضعوا أنفسهم في موقع يتيح لهم التركيز على أمنهم وتنميتهم. وهناك سؤال مفتوح، وسنعرف قريبا، عمّا إذا كان الطرفان سيتفقان على مشاركة السعودية فيما يُسمى خطة النقاط العشرين. لكن قراءتي الخاصة أن السعوديين في هذه المرحلة لن يشاركوا في قوة استقرار، ولن يساهموا بشكل مجاني في إعادة إعمار غزة. وأظن أننا سنرى ما سيحدث، لكن إحساسي- إذا كان الماضي مؤشرا- أنهم يريدون أن يروا تقدما ملموسا نحو قيام دولة فلسطينية قبل أن يكونوا مستعدين للانضمام أو المشاركة.

أ ف ب
مقاتل من "حماس"، يثبت عصابة الرأس الخاصة بالمجموعة على جبين رفيقه بينما تنقل مركبات اللجنة الدولية للصليب الأحمر الدفعة الثانية من الرهائن الإسرائيليين المفرج عنهم في جنوب دير البلح، في 13 أكتوبر 2025.

أيرلندا الشمالية وغزة

* خطة غزة تبنّاها مجلس الأمن بقرار، وهي خطة من 20 بندا، لكن هناك الكثير من القضايا والأسئلة حول إمكانية تنفيذها. هل تعتقدون أن هذه الخطة قابلة للتنفيذ؟

- لا بد أن يكون المرء متفائلا كي يجيب بالإيجاب. إنها خطة من 20 بندا. ما شهدناه حتى الآن يقتصر أساسا على عودة بعض الرهائن أحياء أو جثامين، وإطلاق سراح عدد من الأسرى الفلسطينيين، وهدنة هشة غير مكتملة. المضي أبعد من ذلك سيكون صعبا، خصوصا إذا كان يتطلب ما يسمى "نزع سلاح (حماس)". لدي خبرة في هذا المجال، فقد كنت مبعوث الولايات المتحدة إلى أيرلندا الشمالية، وهناك سميناه "التسريح". وهو أمر صعب التنفيذ وصعب التحقق منه. أشك في استعداد "حماس" للمشاركة في عملية نزع سلاح، وأشك في إمكانية التحقق من ذلك حتى لو ادعت أنها فعلت.

كما يقلقني أن الجهد السياسي لتهميش "حماس" لم يبذل بما يكفي. الفكرة القائلة إن كل شيء يجب أن يُنجز في المجال الأمني قبل أي تقدم سياسي، أعتقد أنها خطأ. يجب أن يسير الأمر بالتوازي. فطريقة تقليص نفوذ "حماس" ليست فقط في إضعافها عسكريا، بل بإظهار أن هناك طريقا أفضل لتحقيق الأهداف السياسية، عبر الاعتدال والتسوية والدبلوماسية، لا عبر المسار الذي اختارته "حماس". لكن هذه الخطة تتبنى نهجا متسلسلا لا متزامنا، ولذلك أشك في أن تمضي بعيدا، وأتمنى أن أكون مخطئا.

* مسؤول غربي قال لي إنه جرى تبادل بعض الأفكار مع مسؤولين أميركيين حول تجربة أيرلندا الشمالية، وأنتم كنتم جزءا من تلك العملية الناجحة... ما أبرز الفوارق بين نموذج غزة ونموذج أيرلندا؟

- هناك فروق كثيرة في التفاصيل، لكن ما يهمنا هنا أن البريطانيين أثبتوا أن الجماعات المسلحة- وعلى رأسها الجيش الجمهوري الأيرلندي- لن تتمكن من الوصول إلى السلطة عبر السلاح. لم يكن بوسعها تحقيق أهدافها بالقوة، وقد تحقق ذلك عبر عمل الشرطة والجيش البريطاني على مدى ثلاثة عقود. وفي الوقت نفسه، وهذا كان جوهر رؤية (رئيس وزراء بريطانيا الأسبق) توني بلير و(مستشار الأمن القومي الحالي) جوناثان باول، فُتح مسار دبلوماسي جاد، أدى عام 1998 إلى اتفاق الجمعة العظيمة أو اتفاق بلفاست، الذي وفر خريطة طريق حقيقية لأيرلندا الشمالية. كان الجمع بين الأمرين هو الأساس: إحباط من يريدون استخدام القوة، وفتح مسار سياسي دبلوماسي جاد. لم يمنح الناس كل ما يريدونه فورا، لكنه منحهم أكثر مما يمكن أن ينالوه بالقوة.

أحداث السابع من أكتوبر غيرت الشرق الأوسط أساسا بسبب ما تلاها في الثامن من أكتوبر وما جرى خلال العامين التاليين. كان ذلك اليوم مأساويا للمنطقة، للفلسطينيين وللإسرائيليين

أما في غزة، فلا يوجد وضع مماثل. الإسرائيليون أدخلوا البعد العسكري، لكن طبيعة غزة الجغرافية لا تسمح بتحقيق ما حققه البريطانيون في أيرلندا الشمالية. والأهم أنه لم يُطرح بعد مسار سياسي أو دبلوماسي جاد. إذا نظرت إلى خطة النقاط العشرين، ستجد أن الحديث عن الدولة الفلسطينية غامض جدا ويثير أسئلة أكثر مما يجيب. كما أن "حماس" غير معنية بحل الدولتين، وكذلك الحكومة الإسرائيلية الحالية. لذا فإن العقبات أمام التقدم الدبلوماسي هنا أكبر بكثير مما كانت عليه في أيرلندا الشمالية.

رويترز
رجل يمر بجوار جدارية لجماعة شبه عسكرية في منطقة طريق نيوتنارد في شرق بلفاست في 20 نوفمبر 2013. وذكرت وسائل الإعلام المحلية أن المدعي العام لأيرلندا الشمالية اقترح وضع حد للملاحقات المتعلقة بعمليات القتل المرتبطة باضطرابات 1998

* أشار قرار مجلس الأمن في مقدمته إلى الدولة الفلسطينية، وهو ما أثار غضب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. وقد كتبتَ مؤخرا مقالة تجادل فيها بأن إقامة دولة فلسطينية تصب في مصلحة إسرائيل. هل يمكن أن توضح ذلك؟

- نعم. الحجة التي طرحتها في المقالة التي تشيرون إليها، والتي نُشرت مؤخرا في مجلة "فورين أفيرز"، هي أن الدولة الفلسطينية، إذا أنشئت وفق شروط مناسبة بحيث لا تشكل تهديدا أمنيا، ستكون أمرا جيدا، ليس للفلسطينيين فقط، بل للإسرائيليين أيضا. فإذا أرادت إسرائيل أن تنعم بالأمن، وأن تبقى دولة يهودية، وأن تكون ديمقراطية، وأن تحافظ على علاقات جيدة مع الولايات المتحدة والغرب لعقود مقبلة، فإنها ستستفيد من وجود دولة فلسطينية، أو على الأقل من إظهار أنها ليست العقبة أمام قيام هذه الدولة.

السلوك الفلسطيني جعل الدولة الفلسطينية مستحيلة، بحيث يمكن لأي مراقب أن يقول إنهم أُعطوا فرصة جديدة ثم أضاعوها مرة أخرى، كما فعلوا أكثر من مرة في تاريخهم. هذا جانب. لكن في الوقت الراهن، الإسرائيليون لا يقومون بما يلزم، فهم لا يطرحون أي عملية يمكن أن تقود إلى دولة فلسطينية. وإذا أراد المرء لإسرائيل أن تكون دولة يهودية ديمقراطية مزدهرة وآمنة ومرتبطة بالغرب، فإن فرصها لتحقيق ذلك ستكون أكبر بكثير إذا بذلت جهدا صادقا لإقامة دولة فلسطينية.

هذه هي الحجة التي طرحتها في المقالة. وما أردت فعله، بصراحة، هو تغيير زاوية النقاش. فعادة ما يقال إن الدولة الفلسطينية "جيدة للفلسطينيين"، ويُصوَّر الأمر وكأنه ثمن تدفعه إسرائيل. أما أنا فأردت أن أقول: نعم، هي جيدة للفلسطينيين، لكنها أيضا جيدة للإسرائيليين إذا أُنشئت وفق شروط مناسبة. وسنرى مع الوقت إن كان ما اقترحته سيدخل النقاش العام على نطاق أوسع. وأتوقع أنه في إسرائيل، بعد الانتخابات المقبلة أو ربما أثناء الحملة الانتخابية نفسها، سيفتح نقاش أوسع حول هذه القضايا.

* برأيكم، إلى أي مدى غيرت هجمات السابع من أكتوبر/تشرين الأول المشهد في الشرق الأوسط؟

- أعتقد أن أحداث السابع من أكتوبر غيرت الشرق الأوسط أساسا بسبب ما تلاها في الثامن من أكتوبر وما جرى خلال العامين التاليين. كان ذلك اليوم مأساويا للمنطقة، للفلسطينيين وللإسرائيليين، خصوصا للإسرائيليين الذين قُتل منهم نحو 1200 شخص وأُخذ 240 أو 250 رهينة، ما جعل الموقف الإسرائيلي تجاه الفلسطينيين أقسى بشكل بالغ. لكن ما حدث لاحقا هو الأهم من الناحية الاستراتيجية. وإذا نظرنا إلى العامين الماضيين، أقول إنهما الأهم في تاريخ الشرق الأوسط منذ عام 1967 أو حتى 1948.

إضعاف "حزب الله"، كان الأكثر ضررا لإيران. أما نظام الأسد فقد كان واقعا تعلمت إسرائيل أن تتعايش معه إلى حد كبير على مدى الخمسين سنة الماضية تقريبا

انظر إلى ما جرى في سوريا، وإلى إضعاف "حزب الله"، وإلى إضعاف "حماس" ميدانياً، والأهم إلى إضعاف إيران. لقد كانت سنتين تاريخيتين بالفعل، غيرتا الخريطة الجيوسياسية لصالح إسرائيل، وأضعفتا يد إيران مباشرة وعبر وكلائها. وفي بعض الجوانب كشفتا حدود القوة الإيرانية، وفتحتا فرصا أمام دول أخرى مثل تركيا لتعزيز نفوذها. لكن المستفيد الأكبر كان إسرائيل، رغم أن البداية كانت مأساوية. والسؤال الآن هو: ماذا سيُبنى على هذه النتائج؟ هل سنستثمر هذه التحولات ونحولها إلى فرصة، أم سنهدرها؟

* ما أفضل طريقة للاستفادة من هذا التحول الاستراتيجي في الشرق الأوسط؟

- مع إضعاف إيران وإضعاف وكلائها، و"حزب الله" على وجه الخصوص، أقول إن المطلوب هو الاستمرار في مسار تطبيع العلاقات بين إسرائيل وجيرانها. لكن لن يكون هناك تطبيع إضافي، على ما يبدو، من دون تحقيق تقدم ملموس على المسار الفلسطيني–الإسرائيلي، سواء في غزة أو في الضفة الغربية. لذلك أرى أن السبيل الأساسي للاستفادة من هذا التحول هو التركيز على الدبلوماسية الآن.

وكما تحدثنا عن خطة النقاط العشرين، فإن قلقي أنها مرتبة بشكل متسلسل: الأمن أولا ثم السياسة، وهي غامضة جدا. ولا أعتقد أن هذه الحكومة الإسرائيلية مستعدة سياسيا لاستثمار الفرصة التي خلقها، إن صح التعبير، الثامن من أكتوبر.

والسؤال هو: هل ستلعب الولايات المتحدة دورا أكبر؟ لا أعلم إن كانت الولايات المتحدة مستعدة لذلك. ما رأيناه حتى الآن مجرد بداية، لكن المطلوب عمل أكبر بكثير لتوضيح وتفصيل ما نعتبره تسوية عادلة ومعقولة ومرغوبة. وهذا يعني أيضا أن علينا أن نثني إسرائيل عن البناء والتوسع الاستيطاني الذي يقوض فرص الدبلوماسية. مرة أخرى، لا أعتقد أن هذه الحكومة الإسرائيلية، إذا تُركت لشأنها، ستستثمر الفرص التي أتيحت خلال العامين الماضيين بأفضل معنى للكلمة.

أعتقد أن الأمر الآن بيد الولايات المتحدة. والسؤال المفتوح هو حجم الطموحات التي ستسعى إليها واشنطن. قلقي أنه إذا لم يتحقق تقدم، فالأمر يشبه ركوب الدراجة: إذا لم تتحرك إلى الأمام فإنك ستتراجع إلى الخلف. وسنرى إعادة تقوية أو إعادة تشكيل "حماس"، وسنستمر في غياب أي بديل فلسطيني معتدل جاد، فيما ستنزاح إسرائيل أكثر فأكثر نحو اليمين. ولأستخدم استعارة أخرى، النوافذ لا تبقى مفتوحة إلى الأبد. فإذا فُتحت نافذة خلال العامين الماضيين، أريد أن نستفيد منها قبل أن تُغلق.

إيران بعد الضربات... انهيار أسرع و"النووي تحت الأرض"

* أيضا كتبتَ مؤخرا أن إيران انهارت بطريقة ما بسرعة، وبشكل أسرع مما كان متوقعا. برأيك، أيهما كان أكثر ضررا على إيران: انهيار نظام الأسد أم إضعاف "حزب الله"؟

- أعتقد أن الثاني، أي إضعاف "حزب الله"، هو ما كان الأكثر ضررا. فنظام الأسد كان واقعا تعلمت إسرائيل أن تتعايش معه إلى حد كبير على مدى الخمسين سنة الماضية تقريبا. وكانت هناك قواعد معينة للطريق، وتفاهمات معينة، خاصة مع الأب، وأقل قليلا مع الابن. على أي حال، كانت إسرائيل ونظام الأسد قد توصلا فعلا إلى تفاهم عملي حول كيفية التعايش معا.

خوفي أن إيران ستذهب إلى أبعد الحدود لإعادة بناء برنامج أسلحة نووية. وسوف تحاول القيام بذلك بطريقة لا تستطيع القوات العسكرية الأميركية أو الإسرائيلية الوصول إليها

أما "حزب الله" فكان يمثل تهديداً استراتيجياً أخطر بكثير بالنسبة لإسرائيل. الفكرة التقليدية السائدة كانت أن "حزب الله" هو القوة التي تتيح لإيران، إذا جاز التعبير، ردع إسرائيل عن القيام بأمور محددة ضد إيران نفسها، وأن "حزب الله" يشغل جزءا كبيرا من الجيش الإسرائيلي، وبسبب كل الصواريخ التي يمتلكها، فإنه يشكل نوعا من الردع ضد التحركات الإسرائيلية في المنطقة. ومن خلال إضعاف "حزب الله" بشكل كامل تقريبا، فإن ما فعلته إسرائيل فعليا هو أنها اقتربت كثيرا من القضاء على الأداة الرئيسة للسياسة الخارجية الإيرانية ضد إسرائيل. لذلك، أعتقد حقا أن هذا كان تطورا حاسما وتاريخيا. وأقول إن الحدثين الكبيرين في العام الماضي، اللذين عملا لصالح إسرائيل هما: إضعاف "حزب الله"، وكشف ضعف إيران نفسها، حيث أثبتت عجزها عن الدفاع عن أراضيها، وأن إسرائيل يمكنها التحرك بحرية كبيرة نسبيا.

أ ب
تحلق مروحية تابعة للجيش اللبناني فوق المنطقة قبل وصول البابا ليو الرابع عشر إلى مستشفى الصليب للأمراض النفسية في بلدة جل الديب، شمال بيروت، لبنان، يوم الثلاثاء 2 ديسمبر 2025.

* إذن، إيران قد أُضعفت، و"محور المقاومة" كما يسمى قد أُضعف، وبالطبع تم تأخير البرنامج النووي. في رأيك ما أفضل طريقة الآن للإفادة من هذا الوضع بأكثر ما يمكن؟

- هناك نقاش جار. هناك شيئان بشأن إيران: الأول يتعلق بإمكانية تغيير النظام أو تغيير النظام السياسي هناك. وبقدر ما أود أن أرى ذلك، بقدر ما أنا متشكك. والثاني أن البرنامج النووي الإيراني قد تأخر بشكل كبير بالتأكيد، لكنه لم يُقضَ عليه. واعتقادي، الذي لم أرَ أدلة عليه حتى الآن، أن عدد الإيرانيين الذين سيصلون إلى نتيجة مفادها أنهم بحاجة إلى البرنامج النووي سيزداد، وسيؤكد درس الأحداث في العام الماضي لهم أن هذه الأحداث ربما ما كانت لتحدث لو كانت إيران تمتلك قدرة نووية قوية، أي قدرة على امتلاك أسلحة نووية، أو– على الأقل– ربما حدثت بشكل مختلف.

* ما يعني نموذج كوريا الشمالية، بطريقة ما؟

- بالتأكيد. لذا، خوفي– أو بكلمة أدق قلقي– هو أن إيران ستذهب إلى أبعد الحدود لإعادة بناء برنامج أسلحة نووية. وسوف تحاول القيام بذلك بطريقة لا نعلم عنها، وبطريقة لا تستطيع القوات العسكرية الأميركية أو الإسرائيلية الوصول إليها. وهذا يشير إلى أماكن عميقة تحت الأرض، غير مُعلنة، ومن دون أي تعاون على الإطلاق مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية. ولن يحدث ذلك فورا، لكننا نتحدث عن سنوات، ويجب على المرء التفكير بمنطق السنوات عندما يتعلق الأمر بالأمن القومي والسياسة الخارجية. لذا، هذا هو قلقي. لقد أخرنا التحدي، لكننا لم نقض عليه أو نحله.

وفي مرحلة ما، هذا حوار. إنها قضية سياسة خارجية مثيرة للاهتمام، وهي ما إذا كان يجب أن نكون مستعدين للحديث مع إيران في محاولة لمنع إعادة ظهور برنامج أسلحة نووية. وسنضطر بعد ذلك إلى التفكير فيما يمكننا تقديمه لإيران مقابل ذلك، على سبيل المثال، في شكل تخفيف العقوبات وما إلى ذلك. لم أفكر في ذلك جيدا بعد، لكنني قلق من أن تترك السياسة الخارجية للولايات المتحدة وإسرائيل كل زمام المبادرة لإيران.

حرب العراق عام 2003 كانت خطأ تاريخيا. كانت، بالنسبة لي، حربا مؤسفة ولا ضرورة لها، ومثالا مدرسيا على الإفراط الأميركي

نعم، لقد أظهرت إيران أنها ضعيفة، لكنني لا أريد أن نستيقظ يوما ما بعد 5 أو 10 سنوات لنجد أن إيران قد أعادت بناء برنامج نووي وتفرض علينا أمرا واقعا. لذا، غريزتي– ومرة أخرى، لم أفكر في هذا بشكل كامل– هي تصميم مبادرة دبلوماسية مع إيران تقول، بشكل أساسي، إننا منفتحون على وجود علاقة محدودة على الأقل في المجالين الاقتصادي والدبلوماسي، لكن إليكم ما نطلبه فيما يتعلق بالسلوك النووي الذي يمكن التحقق منه من قبل الوكالة الدولية للطاقة الذرية أو أي جهة ذات صلة. ومن حيث المبدأ، أنا منفتح على مثل هذا الحوار.

أين يقع الشرق الأوسط في خريطة المصالح؟

* نحن نتحدث عن التحول الاستراتيجي الإيراني في المنطقة… هل أنت راض الآن عن الطريقة التي تُدار بها الدبلوماسية الأميركية؟

- هل أنا راضٍ؟ أنا نادرا ما أشعر بالرضا. ما إن أستيقظ في الصباح حتى أبدأ في القلق. ومع ذلك، فإنني أشيد بدور الولايات المتحدة الذي لعبته أخيرا في التوصل إلى وقف إطلاق نار في غزة. كما ذكرت لك قبل بضع دقائق، أنا قلق بشأن هيكل الخطة ذات الـ20 نقطة، ولدي أسئلة حول مدى استعداد الإدارة لمتابعتها، لأنها إذا تُركت تسير وحدها، فلن تنجح.

وثانيا، تحدثنا للتو عن إيران، وعن إمكانية وجود مبادرة دبلوماسية هناك. لذا، لدي أسئلة. وأعتقد أن القضيتين الكبيرتين الأوسع نطاقا عندما يتعلق الأمر بالشرق الأوسط بالنسبة للولايات المتحدة، هو أنه غير واضح أين يتناسب الشرق الأوسط في الأمن القومي الأميركي. في الواقع، إذا فكرت في الأمر، لديك ثلاثة أو أربعة مسارح أو مناطق رئيسة في العالم: آسيا والمحيط الهادئ، وأوروبا، والشرق الأوسط، وأميركا اللاتينية. ونعم، كانت هذه الإدارة مشاركة إلى حد ما في الشرق الأوسط، بالطبع الانضمام إلى الهجوم على المنشآت النووية الإيرانية، والدبلوماسية في غزة. لكن هناك أسئلة حقيقية حول ما سيأتي بعد ذلك.

في غضون ذلك انسحبنا، ليس تماما لكن جزئيا، من أوروبا. هناك أسئلة حول ما نحن مستعدون للقيام به في آسيا، وهناك تركيز أكبر بكثير على نصف الكرة الأرضية الغربي. وبينما نجري هذا الحديث، لديك حاملة طائرات، وقوة مهام، ولا أعرف، 10 آلاف أو 15 ألف جندي أميركي في جوار فنزويلا. لذا، نهج الولايات المتحدة تجاه العالم يتطور بوضوح، وبما أننا نتحدث عن الشرق الأوسط، أقول ببساطة إنه غير واضح بالنسبة لي على الأقل أين سيقف الشرق الأوسط من حيث مقدار الاهتمام الذي سيحصل عليه ونوع الاهتمام، عسكريا، ودبلوماسيا، واقتصاديا.

ما يبدو أننا نراه هو تركيز أكبر على الجانب الاقتصادي مع السعودية، والإمارات العربية المتحدة، ودول أخرى… وهذا صحيح، بالمناسبة، حول العالم. ما نراه هو إدارة تعطي أولوية ثابتة لما تعتبره هي مصالح اقتصادية عبر مجمل أجندتها السياسية. يمكننا إجراء نقاشات حول حكمة كيفية التعامل معها، بالتعريفات الجمركية وما شابه، لكن دعونا نضع ذلك جانبا. لكننا نرى تركيزا على الاقتصاد في الشرق الأوسط وفي مناطق أخرى. وأعتقد أنها قضية مفتوحة على ما تستعد الولايات المتحدة للقيام به في مجال الأمن أو في المجال الدبلوماسي في المستقبل.

* كانت الولايات المتحدة مشاركة خلال الـ25 عاما الماضية في الشرق الأوسط. هل أنت راض عن الإرث الأميركي في الشرق الأوسط؟

- لا. كنت أعتقد حينها، ولا أزال، أن حرب العراق عام 2003 كانت خطأ تاريخيا. كانت، بالنسبة لي، حربا مؤسفة ولا ضرورة لها، ومثالا مدرسيا على الإفراط الأميركي. وقد أدت بطرق عدة إلى زعزعة استقرار المنطقة، وأفادت إيران كثيرا لعدة عقود. لذا، أعتقد أن ذلك كان مؤسفا فعلا. كما أن هذه الحرب أضعفت ثقة الكثير من الأميركيين بالسياسة الخارجية الدولية، وأثرت بعمق على الداخل الأميركي أيضا.

التاريخ، كما ترى، يتشكل أمامنا الآن. لا يمكننا أن نكتبه بعد، لكن مجرد طرحنا لهذا الحديث يعني أن كثيرا من المسلمات التي حكمت العقود الثمانية الماضية قد لا تبقى قائمة في المستقبل

أعتقد أيضا أننا أخطأنا بالخروج من أفغانستان بالطريقة التي جرت، لكن هذا موضوع آخر. ولا أعتقد أننا كنا منخرطين بما يكفي على مر السنين في دفع التقدم الدبلوماسي الإسرائيلي–الفلسطيني. نعم، "اتفاقات أبراهام" كانت إنجازا مفيدا، لكن الفرضية الكاملة بأن القضية الفلسطينية يمكن تهميشها أو تجاهلها انهارت في 7 أكتوبر. كانت الولايات المتحدة سلبية جدا تجاه بعض الملفات، وأقول على سبيل المثال إنها نظرت بعيدا عن نشاط الاستيطان الإسرائيلي. كنت أتمنى أن تكون الولايات المتحدة أكثر انخراطا واستدامة في دبلوماسيتها بالمنطقة. أعتقد أن ذلك كان سيكون مفيدا.

في المقابل، أرى أن الثورة في مجال التكسير الهيدروليكي (Fracking) في الولايات المتحدة جعلتنا أقل اعتمادا على الأحداث في الشرق الأوسط، وهذا منحنا هامشا أكبر من الحرية في التعامل مع هذه المنطقة.

ليست "عزلة" بل تغيير التركيز... والكاريبي على الطاولة

* أميركا تحوّل تركيزها إلى الصين، وإلى آسيا، ومؤخرا إلى بحر الكاريبي. لذا، إذا استعرت بعض عناوين كتبك، هل أميركا اليوم "شرطي" أم "إمبراطورية"؟

- إحساسي أنها ليست هذا ولا ذاك، بشكل متزايد. كتبت كتابا بعنوان "المأمور المتردد" (The Reluctant Sheriff)  قبل سنوات. اليوم، السياسة الخارجية الأميركية يصعب وصفها بكلمة واحدة. لكنها بالتأكيد أصبحت أكثر ترددا، وخصوصا فيما يتعلق بالتدخلات العسكرية والالتزامات الدفاعية وتحالفات الأمن الجماعي. هناك تركيز غير مسبوق على المصالح الاقتصادية، والولايات المتحدة باتت تتصرف بصورة أكثر أحادية، وأصبحت أكثر تشككا في الترتيبات العالمية التقليدية.

كما قلت، هناك أيضا تركيز مفاجئ على النصف الغربي من الكرة الأرضية، تركيز لم نشهده منذ 200 عام. نحن نشهد تغيرا كبيرا جدا في السياسة الخارجية الأميركية. إنه مسار مختلف في العمق، وأحمل شخصيا كثيرا من الشكوك حول حكمة هذا التحول، وسأكون صريحا في ذلك. لكن يبدو لي أننا نشهد أكبر انحراف في السياسة الخارجية الأميركية منذ قرن من الزمن.

لقد كان لدينا قدر هائل من الاستمرارية منذ الحرب العالمية الثانية، نحو 80 أو 85 عاما من الانخراط الأميركي المكثف في أوروبا وآسيا. والسؤال المطروح الآن: هل سيستمر ذلك؟ وإذا لم يستمر، فما الذي سنفعله بدلا من ذلك؟ التاريخ، كما ترى، يتشكل أمامنا الآن. لا يمكننا أن نكتبه بعد، لكن مجرد طرحنا لهذا الحديث يعني أن كثيرا من المسلمات التي حكمت العقود الثمانية الماضية قد لا تبقى قائمة في المستقبل.

* الجميع يقول إن إدارة ترمب انعزالية إلى حد بعيد. لكن في الوقت نفسه، هاجموا إيران، والآن ينشرون حاملات طائرات مقاتلة في بحر الكاريبي. إذن، ما طبيعة هذا التوجه؟

- الكلمة التي تبحث عنها هي "العزلة"، ولكن لا. حتى هذه ليست صحيحة. أنا لا أعتقد أنها كذلك. لا أعتقد أن "العزلة" كلمة جيدة لوصف سياسة ترمب الخارجية، لأنها ليست عزلة بالمعنى الدقيق. ما نراه هو تحول في التركيز، وهو شيء مختلف تماما. نرى تحولا في كيفية تنفيذ الولايات المتحدة لسياستها الخارجية. التركيز بات أقل بكثير على أوروبا. آسيا ما تزال علامة استفهام، بينما هناك تركيز أكبر بكثير على النصف الغربي من الكرة الأرضية.

لا أقبل عبارات مثل "G2" لأن القوة موزعة بشكل أوسع بكثير. لذا أعتقد أن الأشخاص الذين يتحدثون عن "G2" مخطئون في ذلك

نرى أيضا تركيزا متزايدا على المصالح الاقتصادية، مقابل المصالح الدبلوماسية أو الاستراتيجية، ونلاحظ ميلا للتصرف بشكل أكثر أحادية بدلا من الجماعية. لذا، إنها سياسة خارجية مختلفة تماما، لكنني لا أعتقد أن وصفها بـ"العزلة" سيكون دقيقا.

* هل يعني ذلك أن الولايات المتحدة باتت تتصرف كقوة إقليمية بدلا من قوة عظمى؟

- من المبكر جدا القول بذلك. هناك مدرسة فكرية تعتقد أن ما تقترحه قد يصبح صحيحا، أي إن الولايات المتحدة ستنسحب لتكون قوة متركزة أكثر في النصف الغربي من الكرة الأرضية، مع علاقات أقل بأوروبا أو الشرق الأوسط أو آسيا، باستثناء الروابط الاقتصادية. هذا ممكن، لكنه ليس مؤكدا بعد.

ما زال لدينا جيش يمتلك نطاقا وحضورا عالميا، وما زال لدينا شبكة من العلاقات والمصالح في مختلف أنحاء العالم. لكن في الوقت نفسه، نرى نوعا من التراجع أو التنازل التدريجي تجاه روسيا وأوروبا. وسنرى ما سيحدث في العلاقة مع الصين، خاصة أنه من المتوقع أن يزور الرئيس ترمب الصين في النصف الأول من عام 2026. وسنرى ما سينتج عن القمة مع شي جينبينغ.

لكن هناك إمكانية بأننا ننتقل إلى عالم "مناطق النفوذ"، حيث تركز الولايات المتحدة على جوارها، وتترك لروسيا وأوروبا إدارة شؤونهما، وللصين ودول مثل اليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا، مع درجة محددة من الانخراط الأميركي، أن تجد توازنها في منطقتها. من الممكن أننا نتجه إلى عالم يقل فيه الدور الأميركي، أو تنخفض فيه البصمة الأميركية، مقارنة بما كانت عليه خلال العقود الثمانية الماضية. وهذه إمكانية حقيقية.

* يبدو أن العالم يتجه نحو "دوائر نفوذ". من حيث التعريف، ما تعريفك للنظام العالمي الجديد؟ هل هو "G2" أم متعدد الأقطاب؟

- لا أقبل عبارات مثل "G2" لأن القوة موزعة بشكل أوسع بكثير. لذا أعتقد أن الأشخاص الذين يتحدثون عن "G2" مخطئون في ذلك. لا، لا أستطيع الإجابة على سؤالك بشكل قاطع لأنه يعتمد على الكثير من المتغيرات. أنت على حق، لقد مر 35 عاما منذ نهاية الحرب الباردة. منذ ذلك الحين، كان هناك فترة من الهيمنة الأميركية تقريبا لمدة 20 أو 25 أو 30 عاما. الآن نحن في مرحلة انتقالية نحو شيء آخر، لكن من السابق لأوانه القول بثقة ما هو هذا الشيء الآخر. وبالمناسبة، أنا أكتب كتابا عن هذا الموضوع. لكنه يمكن أن يسير في الكثير من الاتجاهات المختلفة. إن الأمر أشبه بقيادة السيارة: من الأسهل رؤية من أين أتينا وأين كنا، مقارنة بما نحن ذاهبون إليه.

* ما الخيارات؟ ما السيناريوهات لهذا القادم الجديد؟

- هناك جميع أنواع الخيارات. بداية من أن الولايات المتحدة يمكن أن تحاول إعادة تأسيس الهيمنة، إلى أن الصين يمكن أن تحاول ذلك. يمكن أن يكون لديك نوع من الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والصين، أو بين الولايات المتحدة والصين وروسيا معا. يمكن أن يكون لديك عالم قائم على دوائر النفوذ. يمكن أن يكون لديك عالم فوضوي حقا. يمكن أن يكون لديك عالم من العنف المتزايد حيث لا أحد في وضع يسمح له بالحفاظ على النظام. هناك الكثير من الإمكانيات.

أجد صعوبة في الحديث عن الشرق الأوسط الجديد كمنطقة واحدة الآن. المؤسسات الإقليمية فيه ضعيفة جدا، ضعيفة للغاية. وهناك تنوع واسع بين دوله

مرة أخرى، من السابق لأوانه التحدث بثقة أو وضوح. ما هو مثير للاهتمام، مع ذلك، أننا نعرف ما نبتعد عنه، لكننا لا نعرف بالضبط ما نتجه نحوه. هذه لحظة يتكشف فيها التاريخ. على الأقل لدي شعور بأن التاريخ يتكشف أمامنا. لقد كانت لدينا لمدة ثمانية عقود فكرة جيدة جدا عن شكل العالم نستيقظ كل صباح ونحن نعرفها. العناوين الرئيسة قد تتغير من يوم لآخر، وهذا مفهوم، لكنها كانت تتغير ضمن معايير وهياكل معينة. ما يختلف اليوم هو أن هذه المعايير والهياكل نفسها قد تتغير تماما. لذا، هناك نطاق أكبر بكثير، وإمكانية أكبر بكثير للتغيير الكبير الآن مما كان عليه في أي وقت منذ الحرب العالمية الثانية.

* أتريد أن تقول إن العالم بأكمله يتجه نحو "عصر المجهول"؟

- سيصبح معروفا مع الوقت، لكن أعتقد أنه من السابق لأوانه الحكم. الولايات المتحدة، وروسيا، والصين، وغيرها من القوى الكبرى بحاجة إلى اتخاذ قرارات كبيرة. على الحكومات أن تستوعب هذه التحولات وتفكر فيها مليا. قد تجرّب بعض المسارات أو تقوم بخطوات استكشافية، لكن من غير الواضح بعد إن كانت أي من هذه الدول قد حسمت سياساتها الخارجية أو الأمنية للعقد المقبل أو لما بعده. نحن في مرحلة انتقالية، لكننا لا نعرف بعد إلى أي شيء ننتقل.

أ ف ب
رجل يحمل العلم السوري على الجانب الآخر من الشارع المقابل للبيت الأبيض بعد لقاء الرئيس السوري أحمد الشرع مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب في البيت الأبيض في واشنطن العاصمة في 10 نوفمبر 2025.

* ترمب التقى أحمد الشرع… ما رأيك؟

- بحكم تدريبي كمؤرخ ودبلوماسي، فأنا من حيث المبدأ أؤيد اللقاءات مع مختلف الأطراف. لم أعتبر الدبلوماسية يوما مجرد لفتة رمزية، بل أراها أداة ووسيلة. سؤالي في هذه الحالة إذن هو: ما الذي نطلبه من القيادة السورية الجديدة؟ ما الشروط؟ ما الذي نريده كحد أدنى للدخول في حوار؟ يبدو لي أننا كنا "سخيين جدا" في التواصل مع هذه القيادة.

لو كنت مستشارا، لكنت طلبت منهم أولا تقديم بعض المؤشرات السلوكية المسبقة قبل عقد اللقاء، ثم وضعت شروطا واضحة للتقدم لاحقا. ربما تنجح هذه المقاربة، لكنني أعتقد أن الطريق الذي سلكناه لم يكن مشروطا بما فيه الكفاية. لو كنت مستشارا، لصغت هذا التفاعل بطريقة أكثر تنظيما.

شرق أوسط "غير متماسك"... مركز الثقل انتقل إلى الخليج

* إذا أردنا أن نرسم خريطة أو هيكلا للشرق الأوسط الجديد، وللنظام العالمي الجديد، كيف يمكنك أن تصفه؟

- سؤال جيد. دعني أفكر قليلا. أجد صعوبة في الحديث عن الشرق الأوسط الجديد كمنطقة واحدة الآن. المؤسسات الإقليمية فيه ضعيفة جدا، ضعيفة للغاية. وهناك تنوع واسع بين دوله: من دول كبيرة مأزومة مثل مصر، إلى دول صغيرة غنية مثل دول الخليج، إلى دول منهارة مثل ليبيا، أو شبه منهارة مثل لبنان واليمن وغيرهما. لذلك أجد من الصعب جدا التعميم بشأن الشرق الأوسط. إنه منطقة بالمعنى الجغرافي، لكنه ليس منطقة متماسكة بالمعنى الاقتصادي أو الجيوسياسي. والكلمة التي تخطر في بالي، لا أعرف كيف تترجم إلى العربية، هي "التفاوت". من الصعب جدا إطلاق تعميمات عليه. لكن إحساسي العام عن المنطقة– وأنا زرت الشرق الأوسط أول مرة قبل أكثر من 50 عاما، كانت رحلتي الأولى عام 1971، وهذا يجعلني خبيرا وقديما في آن– أن مركز الثقل في المنطقة قد تغير. طوال معظم مسيرتي، حين كنت أزور الشرق الأوسط أو أتعامل معه، سواء في الحكومة أو في مراكز الأبحاث، وحتى الآن في مجال الأعمال، كان المركز هو مصر ولبنان وسوريا والأردن…

الشرق الأوسط لم يكن يوما موطنا لقوة عظمى، بل كان ساحة تتدخل فيها القوى الكبرى وتتنافس. الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي خلال الحرب الباردة مثلا

* بغداد…

- نعم، بغداد وإيران أيضا. كان هناك ما كنا نسميه "دول المواجهة" حول إسرائيل، إسرائيل ودول المواجهة، ثم إيران والعراق كدائرة خارجية. هذا لم يعد صحيحا. مركز الثقل انتقل بدرجة كبيرة إلى الخليج. وهذا بالنسبة لي تحول تاريخي. إنه شرق أوسط مختلف تماما، وما زلت أحاول أن أستوعب أبعاده. وأعتقد أن علاقات الشرق الأوسط مع العالم تتغير أيضا.

الشرق الأوسط لم يكن يوما موطنا لقوة عظمى، بل كان ساحة تتدخل فيها القوى الكبرى وتتنافس. الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي خلال الحرب الباردة مثلا. ثم كان هناك فاعلون محليون، بعضهم قوى متوسطة: إسرائيل، إيران، مصر في وقت ما، تركيا بدرجة معينة، إضافة إلى جماعات من غير الدول مثل "حزب الله" وغيره ممن كان لهم تأثير فعلي. لكن علاقة الشرق الأوسط بالعالم اليوم أقل مركزية بعض الشيء. الطاقة ما تزال مهمة، لكن هناك منتجين كبارا آخرين، وعلى مدى الخمسين عاما المقبلة ستزداد أهمية البدائل. وهناك دول في الشرق الأوسط تواجه مشكلات عميقة في الحكم الداخلي: سوريا، ليبيا، مصر، لبنان، اليمن وغيرها. هذه الدول عاجزة عن التأثير خارج حدودها لأنها لا تعمل بشكل جيد داخليا. وفي المقابل، مع السعودية والإمارات وغيرهما، بات التفاعل أكثر فأكثر اقتصاديا، والتحدي الأكبر لهذه الدول هو التنمية والتحديث، ووضع أسس لاقتصاد ما بعد النفط. لذلك أرى أن الشرق الأوسط اليوم مختلف جدا. ما زالت الجغرافيا السياسية قائمة،  لكن هناك أيضا تغييرات داخلية حقيقية وتركيز على التنمية الاقتصادية. الشرق الأوسط يظل مثيرا للاهتمام، لكنه اليوم مثير بطرق مختلفة.

font change

مقالات ذات صلة