على امتداد نصف قرن من العمل في قلب المؤسسة الأميركية، بين الدبلوماسية وصنع القرار والبحث الاستراتيجي، يُعد ريتشارد هاس واحدا من أكثر الأصوات خبرة في قراءة تحولات الدور الأميركي في العالم. وفي هذه المقابلة مع "المجلة" لا يتحدث هاس فقط عن الشرق الأوسط أو عن تداعيات حرب غزة وإيران و"حماس" و"حزب الله"، بل يقدّم، بصورة أعمق، تشخيصا دقيقا للحظة الأميركية الراهنة، لحظة انتقالية كبرى تشهد فيها الولايات المتحدة إعادة تعريف ذاتها، وحدود قوتها، وأولوياتها الاستراتيجية.
كان هاس يشغل منصب رئيس مجلس العلاقات الخارجية، وقبل ذلك كان يشغل منصب مدير تخطيط السياسات في وزارة الخارجية الأميركية والمستشار المقرب لوزير الخارجية كولن باول. وافق مجلس الشيوخ على هاس كمرشح لمنصب السفير وكان المنسق الأميركي لمستقبل أفغانستان، وقد خلف جورج ميتشل كمبعوث الولايات المتحدة الخاص لأيرلندا الشمالية للمساعدة في عملية السلام في أيرلندا الشمالية، والتي بسببها حصل على جائزة الخدمة المتميزة من وزارة الخارجية.
ما يلفت في رؤية هاس ليس الحديث التقليدي عن "تراجع أميركي" أو "انسحاب من العالم"، بل توصيفه لما يمكن تسميته إعادة تموضع تاريخية. فالولايات المتحدة، بحسب قراءته، لم تعد "شرطي العالم"، لكنها لم تتحول أيضا إلى قوة انعزالية. إنها قوة كبرى تعيد ترتيب بوصلة اهتمامها، وتنتقل من نموذج الانخراط العالمي الواسع الذي ساد منذ الحرب العالمية الثانية، إلى نموذج أكثر انتقائية، وأكثر ارتباطا بالمصالح الاقتصادية والأمنية المباشرة.
في قلب هذا التحول، يبرز تركيز غير مسبوق على النصف الغربي من الكرة الأرضية، أي ما يُعرف تقليديا بـ"الحديقة الخلفية" الأميركية، أميركا اللاتينية والبحر الكاريبي. وهو تركيز يصفه هاس بأنه مفاجئ في شدته، ولم تشهده السياسة الخارجية الأميركية بهذا الوضوح منذ قرنين تقريبا. وجود حاملات طائرات وقوات أميركية قرب فنزويلا، والتعامل المتزايد مع قضايا الهجرة، والطاقة، والمنافسة مع الصين وروسيا في هذه المنطقة، كلها مؤشرات على أن واشنطن باتت ترى في جوارها الجغرافي ساحة صراع استراتيجي لا تقل أهمية عن آسيا أو أوروبا.
من منظور هاس، هذا التحول لا يعني التخلي الكامل عن الشرق الأوسط أو أوروبا، لكنه يعني تراجع مركزية هذه المناطق في الحسابات الأميركية. فالشرق الأوسط، الذي كان لعقود محورا أساسيا للسياسة الخارجية الأميركية، بات يُنظر إليه اليوم من زاوية أكثر برغماتية، الطاقة لم تعد العامل الحاسم كما كانت، والانخراط العسكري لم يعد الخيار المفضل، بينما يزداد التركيز على الشراكات الاقتصادية، وعلى إدارة الأزمات بدل محاولة إعادة هندسة المنطقة.
ويحذّر هاس من أن هذا التحول، رغم منطقه الداخلي، ينطوي على مخاطر حقيقية. فالتردد الأميركي، وعدم وضوح الاستراتيجية طويلة المدى، قد يفتح المجال أمام عودة الفوضى، أو أمام لاعبين إقليميين غير معتدلين لملء الفراغ. ويضرب مثالا على ذلك بالمسألة الفلسطينية، حيث يرى أن تجاهل البعد السياسي، والاكتفاء بالمقاربات الأمنية، لا يؤديان إلا إلى إعادة إنتاج الأزمات، وإلى منح قوى مثل "حماس" فرصة للعودة بأشكال مختلفة.
لكن جوهر رؤية هاس لا يقوم على الحنين إلى الماضي، بل على القلق من المستقبل. فهو يعتقد أن الولايات المتحدة تقف اليوم أمام مفترق طرق تاريخي: إما أن تنجح في إدارة هذا الانتقال بحكمة، من خلال دبلوماسية نشطة، وتحالفات مرنة، وتعريف واقعي لمصالحها، وإما أن تنزلق إلى عالم من "دوائر النفوذ" والفوضى الاستراتيجية، حيث تتراجع القواعد التي حكمت النظام الدولي منذ عام 1945.
في هذا السياق، تكتسب أميركا اللاتينية أهمية مضاعفة. فهي ليست فقط مجالاً جغرافياً قريباً، بل ساحة اختبار لنموذج السياسة الخارجية الأميركية الجديد: هل تستطيع واشنطن أن تجمع بين الأمن والاقتصاد والدبلوماسية؟ هل يمكنها أن تنافس الصين وروسيا هناك دون العودة إلى سياسات الهيمنة القديمة؟ وهل تنجح في تحقيق الاستقرار في جوارها من دون استنزاف مواردها أو تقويض قيمها؟
يجيب هاس عن هذه الأسئلة بحذر واضح. فهو لا يدّعي امتلاك رؤية مكتملة للنظام العالمي القادم، بل يؤكد أننا نعيش مرحلة "يتشكل فيها التاريخ". ما نعرفه- كما يقول- هو ما نبتعد عنه: حقبة الهيمنة الأميركية شبه المطلقة. أما ما نتجه إليه، فلا يزال مفتوحا على احتمالات متعددة، من عالم متعدد الأقطاب، إلى عالم نفوذ إقليمي، أو حتى عالم أكثر فوضوية.
هذه المقابلة، التي جرت عبر تطبيق "زووم" يوم 18 نوفمبر/تشرين الثاني 2025، ليست مجرد نقاش في ملفات الشرق الأوسط، بل نافذة على تفكير أحد أبرز مهندسي السياسة الخارجية الأميركية حول مستقبل أميركا نفسها: قوة كبرى قلقة، مترددة، لكنها لا تزال تملك القدرة على التأثير، إذا أحسنت قراءة لحظتها التاريخية، ونجحت في الموازنة بين الداخل والخارج، وبين "الحديقة الخلفية" والعالم الأوسع... وهنا نص الحوار:
* مع الذكرى الثمانين للتحالف الاستراتيجي بين الرياض وواشنطن، كانت المعادلة: "الأمن مقابل النفط". لكن اليوم تبدو العلاقات أكثر تنوعا وحداثة. هل تعتقد أن البلدين قادران حقا على تجديد هذا التحالف وتحديثه؟
- أعتقد أنك محق. العلاقة اتسعت، وهي تعكس في بعض جوانبها تطور واقع السعودية. لم تعد قائمة فقط على الطاقة. فالولايات المتحدة تنتج كميات هائلة من الغاز والنفط، والسعودية منتج مهم، لكنها لم تعد "المنتج المرجّح" كما كانت في السابق، لأن أسواق الطاقة تغيرت. وأعتقد أن الولايات المتحدة والسعودية تنظران إلى بعضهما اليوم من منظور اقتصادي أوسع ومن منظور استراتيجي أشمل. وزيارة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان الأخيرة لواشنطن، تجري في هذا السياق المتطور.
* كيف تنظر إلى زيارة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان؟
- من الواضح أن هناك تركيزا على العلاقة الثنائية، هناك صفقة بيع طائرات "إف-35" المتطورة ونوع من الترتيبات الأمنية. وهناك استثمارات سعودية في الولايات المتحدة، ونقل للتكنولوجيا واستثمارات أميركية داخل السعودية. وأعتقد أن ما يعكسه الاتفاق بشكل أوسع هو أن العلاقات الأميركية–السعودية تتقدم وتتسع.
كما أرى أن الأمر يمثل من وجهة نظر السعودية ما يمكن وصفه بسياسة "السعودية أولاً"، أي التركيز بشكل أكبر على التنمية داخل المملكة، وعلى العلاقات مع الولايات المتحدة، مع تقليل الاهتمام ببعض القضايا الإقليمية. ومن اللافت أن هذه الزيارة جاءت بعد صدور قرار من مجلس الأمن يمنح خطة النقاط العشرين (الخاصة بغزة) صبغة أممية.



