حرب دونالد ترمب مع إيران قد تقدّم الكونغرس هدية للديمقراطيين

مع امتداد أمد الصراع يصعّد الديمقراطيون لهجتهم في الرد

(رويترز)
(رويترز)
لافتة تحمل صورة الرئيس الأميركي دونالد ترمب خارج مبنى وزارة العدل في واشنطن، 28 فبراير 2026

حرب دونالد ترمب مع إيران قد تقدّم الكونغرس هدية للديمقراطيين

"النعوش تطالب بتفسيرات"، يقول مات كافانا، المرشح للكونغرس في ولاية كولورادو. المحارب السابق في حرب العراق والمرشح الديمقراطي للمرة الأولى يقول إن القلق من الصراع مع إيران يثقل كاهل الناخبين. تضم دائرته الانتخابية خمس قواعد عسكرية، وكان أحد الأميركيين الثلاثة عشر الذين قُتلوا في الحرب متمركزا فيها. ويرى كافانا أن الإدارة مدينة للرأي العام ببيان أوضح لهدفها. ويضيف أن دونالد ترمب "لم يقدم تفسيرا يستحق القتال من أجله".

وقد تكون دائرة كافانا أكثر حساسية من غيرها تجاه هذه الحرب. لكن الصراع، بما يثيره من مخاوف حيال ارتفاع الأسعار وتباطؤ الاقتصاد، بات قضية تتقدم في سلم أولويات الناخبين في مختلف أنحاء الولايات المتحدة. وهذا يصب في مصلحة الديمقراطيين. ففي منصة كالشاي، وهي سوق للتنبؤات، ارتفعت احتمالات استعادة الحزب مجلس النواب في انتخابات التجديد النصفي المقررة في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل من 81.5 في المئة قبل الحرب إلى 84.7 في المئة اليوم. كما قفزت احتمالات فوز الديمقراطيين بمجلس الشيوخ، بعدما كان ذلك يعد احتمالا بعيدا، من 40.6 في المئة إلى 50.8 في المئة.

ومن أوجه كثيرة، جعل ترمب مهمة الديمقراطيين أيسر. فقد بلغ صافي معدل تأييد الرئيس سالب 18 نقطة مئوية في منتصف فبراير/شباط. ثم مضى إلى حرب لم يكن يؤيدها سوى أقل من ثلث الأميركيين. وبعد أسبوع واحد، لم تتجاوز نسبة الموافقين على طريقته في التعامل مع إيران 39 في المئة، بحسب استطلاع أجرته "الإيكونوميست" ومؤسسة "يوغوف". وكانت أرقامه أسوأ فيما يتعلق بالاقتصاد والتضخم. وأتاحت الرسائل المرتبكة الصادرة عن الإدارة، وتبدل أهداف الحرب على الدوام، وغياب أي جدول زمني واضح، أتاحت للديمقراطيين هدفا سهلا ومغريا.

(أ.ف.ب)
دونالد ترمب خلال مراسم تكريم جنود أميركيين قتلوا في هجوم بطائرة مسيرة إيرانية في الكويت، مارس 2026

ومع ذلك، بدا الديمقراطيون في الكونغرس، في البداية، ميالين إلى ضبط النفس. فالغالبية الساحقة منهم عارضت الحرب على أساس أنها غير ضرورية، وربما غير قانونية. لكن أحدا لم يشأ أن يظهر في هيئة المدافع عن آيات الله. وكان هناك أيضا احتمال أن يحقق ترمب نجاحا خاطفا آخر على الطريقة الفنزويلية، ما يمكن أن يضع منتقديه في موقف حرج. لذلك جاءت استجابة الحزب الأولى أقرب إلى الملامة الشكلية، إذ انصبت على أسئلة قانونية إجرائية وعلى رفض الرئيس التشاور مع الكونغرس. وفي بيان صدر في اليوم الأول للضربات، بدا حكيم جيفريز، كبير الديمقراطيين في مجلس النواب، أشد غضبا من تجاوزه شخصيا أكثر من الحرب نفسها.

بدا الديمقراطيون في الكونغرس، في البداية، ميالين إلى ضبط النفس، فالغالبية الساحقة منهم عارضت الحرب على أساس أنها غير ضرورية، وربما غير قانونية

لكن بعد أسبوعين من القصف، حين لم تنجح الولايات المتحدة وشريكتها إسرائيل في تحقيق أهدافهما السياسية، صار منتقدو الحرب من الديمقراطيين أكثر مباشرة وحسما. كما أن الارتفاع الحاد في أسعار الوقود، الناجم عن محاولة إيران إغلاق مضيق هرمز، ذلك الممر الحيوي لإمدادات النفط المنقولة بحرا، وفر لهم مادة إضافية للهجوم. وبعد عشرة أيام من بيانه الأول، كتب جيفريز على منصة "إكس": "الجمهوريون يحطمون الاقتصاد، وأسعار البنزين انفلتت من عقالها، والمتطرفون ينفقون مليارات الدولارات لإلقاء القنابل في الشرق الأوسط".

واستثمر الديمقراطيون الشعور المتنامي بأن ترمب يفتقر إلى استراتيجية واضحة وإلى مخرج محدد من الحرب. وقالت إليزابيث وارن، عقب إحاطة سرية قدمها مسؤولو الإدارة إلى مجلس الشيوخ في 3 مارس/آذار، إن الأمر "أسوأ بكثير مما كنتم تظنون"، فيما مضى زميلها كريس مورفي أبعد من ذلك، فقال: "هذه أكثر الحروب التي خاضتها أميركا خلال المئة عام الماضية تخبطا وارتباكا وافتقارا إلى الاتساق، وما ذلك بالأمر اليسير".

كذلك فإن تقارير أفادت بأن ترمب ربما استهان بقدرة إيران على استخدام مضيق هرمز ورقة ضغط، أثارت تساؤلات جديدة حول استراتيجية الرئيس. وقال تشاك شومر، كبير الديمقراطيين في مجلس الشيوخ: "كان في وسع أي طالب جامعي يملك الحد الأدنى من المعرفة بالجغرافيا السياسية أن يدرك أن أقوى أوراق إيران تكمن في هذا الممر الضيق".

(أ.ف.ب)
حكيم جيفريز وقادة من الحزب الديمقراطي في الكونغرس خلال مناقشة تمويل وزارة الأمن الداخلي ومساءلة وكالة الهجرة، 4 فبراير 2026

وانتقد الديمقراطيون أيضا النفوذ الذي يبدو أن إسرائيل قادرة على ممارسته داخل إدارة ترمب، وهي حجة رددها كذلك بعض المعلقين المحافظين مثل تاكر كارلسون. وكتب السيناتور روبن غالييغو على منصة "إكس"، في إشارة إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو: "وهل صار نتنياهو الآن من يقرر متى نذهب إلى الحرب؟"، أما جيف ميركلي، وهو سيناتور ديمقراطي آخر، فبلغ به الأمر حد وصف الحكومة الأميركية بأنها غدت أداة مطواعة في يد إسرائيل.

الجمهوريون يحطمون الاقتصاد، وأسعار البنزين انفلتت من عقالها، والمتطرفون ينفقون مليارات الدولارات لإلقاء القنابل في الشرق الأوسط

حكيم جيفريز، كبير الديمقراطيين في مجلس النواب الأميركي

وتعكس هذه المواقف اتجاها أوسع داخل الحزب. فقد أظهر استطلاع أجرته جامعة كوينيبياك بين 6 و8 مارس أن 62 في المئة من الناخبين الديمقراطيين يرون أن الولايات المتحدة تقدم دعما مفرطا لإسرائيل، في مقابل 17 في المئة فقط من الجمهوريين. وعلى مستوى الناخبين جميعا، بلغت هذه النسبة 44 في المئة، وهي الأعلى منذ أن بدأت كوينيبياك طرح هذا السؤال في عام 2017.

 

ماذا يستطيع الديمقراطيون أن يفعلوا؟

على الرغم من كل هذا النقد، لا يملك الديمقراطيون في المدى القريب قدرة كبيرة على وقف الحرب. فقد فشلت محاولة مبكرة لإلزام ترمب بالحصول على موافقة رسمية قبل المضي في العمل العسكري، وذلك في مجلسي النواب والشيوخ، رغم الدعم الكاسح الذي لقيته من الديمقراطيين.

ويستعد البنتاغون الآن لتقديم طلب تمويل إضافي لتغطية نفقات الحرب وإعادة ملء مخزونه من الذخائر، وقد تصل قيمته إلى عشرات مليارات الدولارات، وهي كلفة ستمنح الديمقراطيين خط هجوم جديدا. وقد يمر هذا الطلب في مجلس النواب، أما مصيره في مجلس الشيوخ فما يزال أقل يقينا بكثير. ومع ذلك، يملك البنتاغون ما يكفي من الأموال لمواصلة الحرب حتى من دون هذه الزيادة.

(رويترز)
حاملة الطائرات "جيرالد فورد" التابعة للبحرية الأميركية تنفذ عمليات جوية ضد إيران، في موقع غير محدد، 9 مارس 2026

وقد يكشف التصويت على التمويل عن انقسامات داخل الحزب الديمقراطي نفسه. فالسؤال الذي يواجهه المشرعون، بحسب مساعد أحد المشرعين الديمقراطيين، هو: "هل نوفر لجنودنا ما يحتاجون إليه، أم نحاول خنق هذا المسار؟". وهي معضلة قد تروق للجمهوريين. ومن المرجح أن يؤيد بعض الديمقراطيين المعتدلين هذا التمويل. أما التقدميون، فيرون أن خنق الحرب هو الخيار الصائب من حيث المبدأ والحسابات السياسية معا. وفي ذلك يقول آدم سميث، كبير الديمقراطيين في لجنة القوات المسلحة في مجلس النواب، في إشارة إلى تجارب الولايات المتحدة في أفغانستان والعراق وليبيا، إن ذلك "درس كان حريا بنا أن نستوعبه منذ زمن".

لا يملك الديمقراطيون في المدى القريب قدرة كبيرة على وقف الحرب. فقد فشلت محاولة مبكرة لإلزام ترمب بالحصول على موافقة الكونغرس قبل المضي في العمل العسكري

ومع اقتراب انتخابات التجديد النصفي، يجادل بعض الجمهوريين بأن أسعار الوقود ستتراجع فور انتهاء الحرب، وأن ثمانية أشهر مدة طويلة جدا في عالم السياسة. ويقول جيم هوبارت، وهو خبير استراتيجي جمهوري، إنه "إذا انتهى الصراع قريبا، فسيكون الناخبون قد تجاوزوا الأمر تماما بحلول نوفمبر".

لكن المعطيات الحديثة تشير إلى موجة حماسة متصاعدة بين الديمقراطيين لا ترتبط بالحرب وحدها. فقد أسهم الإقبال المرتفع على التصويت في دفع الحزب إلى الفوز في انتخابات حكام ولايتي فرجينيا ونيوجيرسي في الخريف الماضي. وفي الانتخابات التمهيدية في تكساس الشهر الماضي، قفزت نسبة المشاركة بين الديمقراطيين بنحو 120 في المئة مقارنة بعام 2018. وتقول آنا غرينبرغ، وهي من مستطلعي الرأي المقربين من الديمقراطيين، إن غضب هؤلاء "نابع من الداخل... لا يقوده ديمقراطيو واشنطن". وعلى هذا، قد لا يحتاج السياسيون الديمقراطيون إلى أكثر من أن يتركوا ترمب ينجز المهمة نيابة عنهم.

font change

مقالات ذات صلة