كيف ستبدو معركة إعادة فتح مضيق هرمز؟

سيتعين على عدد كبير من السفن والطائرات والجنود البقاء وقتا طويلا في مرمى الخطر، سعيا إلى نتائج لا ضمان لها

(رويترز)
(رويترز)
بحار أميركي خلال إطلاق طائرة من طراز "F/A-18E" (سوبر هورنت) على متن حاملة الطائرات "جيرالد آر فورد"، من موقع غير معلن، 16 مارس 2026

كيف ستبدو معركة إعادة فتح مضيق هرمز؟

يقول دونالد ترمب إنه يجري محادثات مع قادة إيران لوقف حملته الجوية، فيما تنفي طهران ذلك، غير أن الثابت أنه يعد لخيار آخر إذا بقي إنهاء القتال عبر التفاوض بعيد المنال. فقد باتت وحدتان برمائيتان من مشاة البحرية الأميركية في طريقهما إلى الخليج، إحداهما قادمة من اليابان والأخرى من كاليفورنيا. كما أفادت تقارير بأن فرقة نخبة من المشاة المتخصصة في الاقتحام المظلي ستلحق بهما قريبا. ويكشف هذا "الحشد" أن الرئيس الأميركي يدرس احتمال فتح مضيق هرمز بالقوة. وهي مهمة شاقة.

ومنذ بدء عملية "الغضب الملحمي"، تلوح إيران بإغلاق المضيق، مما يعطل نحو 20 في المئة من الصادرات العالمية من النفط والغاز المسال، وشحنات أساسية أخرى. وأصابت الهجمات تسع عشرة سفينة تجارية داخل الخليج وفي المضيق وعلى مقربة منه. وتراجع المرور البحري إلى مستوى ضئيل، واقتصر في معظمه على السفن المرتبطة بإيران. وأدخل ذلك أسواق السلع خصوصا، والأسواق المالية عموما، في حال من الاضطراب العنيف.

ويبدو أن البنتاغون يعتمد خطة من ثلاث مراحل لإعادة فتح المضيق. تبدأ المرحلة الأولى بمطاردة الأصول العسكرية الإيرانية التي تهدد الملاحة فيه، من زوارق سريعة وصواريخ ومسيرات وألغام. أما السفن الحربية الإيرانية والغواصات، فيبدو أنها دمرت بالفعل. وتتولى الطائرات القسم الأكبر من هذه المطاردة، غير أن القوات البرية قد تنضم إليها قريبا. وتقوم المرحلة الثانية على تمشيط المضيق بحثا عن الألغام. ثم، بعد تقليص قدرة إيران على استهداف السفن إلى حد كاف، تبدأ البحرية الأميركية بمرافقة ناقلات النفط عبر المضيق. وقد تستغرق كل مرحلة عدة أسابيع، وتنطوي على مخاطر جسيمة للقوات الأميركية.

(رويترز)
سفينة الشحن "مايوري ناري" التي ترفع علم تايلاند تغمرها سحب دخان في مضيق هرمز، 11 مارس 2026

وتمتلك إيران وسائل عدة لمهاجمة السفن. فالصواريخ والمسيرات قادرة على الضرب من الجو، والزوارق السريعة المحملة بالصواريخ والمتفجرات تستطيع مهاجمة السفن بإطلاق أسراب من الصواريخ، أو الاندفاع للاصطدام بها. وتحت سطح الماء قد ترقد ألغام من أنواع شتى. أما الجنود والمعدات المستخدمة في هذه الهجمات فتتوزع وتختبئ في خلجان وكهوف وأنفاق تحت الأرض تمتد على طول مئات الكيلومترات من الساحل. وهذا يجعل رصدها وتدميرها من الجو وحده أمرا عسيرا.

المرحلة الأولى تبدأ بمطاردة الأصول العسكرية الإيرانية التي تهدد الملاحة... بعدما دُمرت السفن الحربية الإيرانية والغواصات

وفي الأيام الأخيرة، أمطرت الطائرات الحربية الأميركية السواحل الإيرانية بالقصف. وفي 19 مارس/آذار، قال الجنرال دان كين، وهو أرفع مسؤول عسكري أميركي، إن الطائرات المقاتلة ألقت قنابل زنة خمسة آلاف رطل لاختراق طبقات من الصخور والخرسانة وتدمير المخابئ تحت الأرض التي تخزن فيها الصواريخ المضادة للسفن. كما دفعت الولايات المتحدة بمروحيات وطائرات هجومية تحلق على ارتفاع منخفض، مثل "A-10 Warthog"، وهي في الأصل مدفع رشاش طائر، لتمشيط الزوارق الإيرانية السريعة بالنيران. وتقول القوات الأميركية إنها ألحقت أضرارا بأكثر من 120 قطعة بحرية إيرانية أو أغرقتها، إلى جانب 44 سفينة مخصصة لزرع الألغام. ويقول برايان كلارك من معهد هدسون، وهو مركز أبحاث في واشنطن إن "الولايات المتحدة تقصف الآن كل كهف ومبنى ومرأب قد تُخبأ فيها هذه المنظومات التسليحية"، ويضيف: "لكن من الصعب حقا القضاء على كل التهديدات المحتملة".

وثمة فكرة يتزايد تداولها تقوم على نشر قوات خاصة أو وحدات من مشاة البحرية في الجزر القريبة لرصد الأهداف المتمركزة في تضاريس وعرة وتدميرها. وتشير تقارير إلى أن المسؤولين العسكريين يدرسون الاستيلاء على جزيرة خرج، وهي المحطة الرئيسة لتصدير النفط الإيراني، أو على ثلاث جزر تسيطر عليها إيران وتطالب بها دولة الإمارات، وتقع داخل المضيق مباشرة. وإلى جانب البحث عن مصادر التهديد، تستطيع هذه القوات إقامة دفاعات جوية قصيرة المدى للمساعدة في حماية الملاحة، كما يلفت مارك كانسيان من مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية.

لكن نشر قوات على الأرض ينطوي على مخاطر جسيمة، فهذه القوات ستكون في مرمى المدفعية والمسيرات الإيرانية، وستحتاج كذلك إلى إمدادات متواصلة، بما يعني تعريض مزيد من الطائرات والسفن للخطر. ثم إن وجودها قد لا يحقق إلا فائدة محدودة. فمسيرات شاهد 136 الإيرانية قادرة على الطيران لمسافة تتجاوز 1500 كيلومتر، بما يتيح لها إصابة أي هدف في المضيق أو الخليج انطلاقا من معظم أنحاء إيران تقريبا.

(رويترز)
خلال تزويد قاذفة "B-52H" بالوقود جوا، ضمن نطاق مسؤولية القيادة المركزية الأميركية، 20 مارس 2026

أما إزالة الألغام، فهي مهمة لا تقل خطورة. وتتضارب التقارير بشأن ما إذا كانت إيران قد نشرت بالفعل ألغاما، لكن شركات الشحن لا تميل، بطبيعة الحال، إلى المجازفة. وقبل اندلاع الحرب، كانت التقديرات تشير إلى أن إيران خزنت نحو 6000 لغم من أنواع مختلفة. وتشمل هذه ألغاما مربوطة تظل كامنة تحت سطح الماء مباشرة، وتنفجر عند اصطدام سفينة بها، فضلا عن أنواع أكثر تطورا تستقر في قاع البحر وتتفجر بفعل البصمة المغناطيسية أو الصوتية للسفينة. ورغم أن الولايات المتحدة أغرقت عددا كبيرا من الزوارق الإيرانية المخصصة لزرع الألغام، فإن بمقدرة إيران استخدام السفن التجارية أو قوارب الصيد لهذا الغرض. ويقول الأميرال المتقاعد جيمس فوغو إن "أي سفينة يمكن أن تتحول إلى أداة لزرع الألغام".

وأهملت البحرية الأميركية حرب الألغام زمنا طويلا. وفي يناير/كانون الثاني، وفي توقيت سيئ إلى حد لافت، أخرجت من الخدمة آخر سفنها من فئة "أفنجر" المخصصة لإزالة الألغام والمتمركزة في المنطقة. غير أن اثنتين من السفن الثلاث التي حلت محلها، وهما من فئة "سفن القتال الساحلي" المجهزة بمعدات لإزالة الألغام، ليستا موجودتين في الخليج، وسيتعين عليهما القدوم من آسيا. وبعد وصولهما، ستتمكنان من تشغيل مروحيات مزودة بأنظمة كشف جوية، إلى جانب مسيرات تحت الماء تستطيع البحث عن الألغام وتعطيلها. غير أن هذه الأنظمة لم تختبر بعد في ظروف القتال، كما أنها عانت خلال التجارب سلسلة من الأعطال التقنية. ويرى كلارك أن تطهير المضيق قد يستغرق ما بين أسبوع وثلاثة أسابيع. ويضيف أنه في لحظة ما، لن يكون أمام المسؤولين إلا حسم أمرهم والمضي في مرافقة السفن، من دون يقين كامل بأن جميع التهديدات قد أزيلت.

أما مرافقة ناقلات النفط عبر المضيق الضيق فستكون المرحلة الأشد تعقيدا والأعلى كلفة في هذه العملية، وقد تتحول إلى مهمة مفتوحة الأمد. فالقوافل البحرية ستحتاج إلى عشرات المسيرات والمروحيات الهجومية والمقاتلات التي تحلق فوقها لتأمين الحماية، إضافة إلى طائرات الإنذار المبكر والسيطرة لرصد الصواريخ والمسيرات القادمة. وستعتمد السفن الحربية على مدافع قصيرة المدى أو أنظمة حرب إلكترونية لتعطيل المسيرات المهاجمة، وعلى صواريخ اعتراضية أكثر كلفة وأشد ندرة للتصدي للصواريخ. ويرى خبراء بحريون أن البحرية ستحتاج إلى مدمرة لمرافقة كل ناقلتي نفط تقريبا، نظرا إلى شدة تقارب السفن أثناء عبورها المضيق.

وتملك البحرية الأميركية حاليا 14 مدمرة في المنطقة، لكن ستا منها منشغلة بحماية حاملات الطائرات. أما إرسال مزيد من المدمرات إلى الخليج، فقد يستغرق أسابيع، فضلا عن أنه سيقتضي سحب مزيد من القوات الأميركية من مناطق أخرى في العالم، مثل آسيا. ومع أن حلفاء الولايات المتحدة قد يكونون مستعدين للمساعدة، فإن معظمهم أحجم عن إرسال سفنه ما دامت الحرب مستمرة. وأيا تكن الجهة التي ستضطلع بهذه المهمة، فإنها ستكون باهظة الكلفة للغاية، وستستنزف المزيد من مخزونات الذخائر المضادة للصواريخ التي تتآكل أصلا لدى الولايات المتحدة وحلفائها.

(أ.ف.ب)
سفن شحن وناقلات نفط قبالة سواحل مدينة الفجيرة قرب مضيق هرمز، في الإمارات، 25 فبراير 2026

وتفرض جغرافيا المضيق بدورها تحديات إضافية. فعرضه في أضيق نقاطه لا يزيد على 50 كيلومترا، فيما تطوقه الجبال من الجانبين، ما يترك للسفن الحربية الأميركية هامشا زمنيا ضيقا للغاية لرصد الصواريخ والمسيرات القادمة والتصدي لها. كما سيتعين عليها تنفيذ مناورات دقيقة وسط تيارات قوية للحفاظ على تشكيل ملاحي متماسك مع السفن التي ترافقها. وكل ذلك يفترض، أصلا، وجود سفن تجارية مستعدة للمجازفة بعبور هذا الممر الخطر.

ويلفت فوغو إلى أن البحرية الأميركية راكمت في السنوات الأخيرة خبرة ثمينة في مواجهة الحوثيين، وهم ميليشيات يمنية متحالفة مع إيران. غير أن ترسانة إيران أكثر تطورا، وقد يكون إصرارها على القتال أشد، لأن النظام يخوض معركة بقاء. ويقول كلارك: "لقد راكموا مواردهم لهذا الغرض طوال عقود"، ثم يضيف: "وسيكونون قادرين على مواصلة ذلك ما دمنا نحن مستعدين للاستمرار".

font change

مقالات ذات صلة