"قسم أوروبا" لوجدي معوض والسرد في مواجهة العنف المتوارث

نص مسرحي بين الذاكرة والكلمة والذنب

ICHEL GANGNE / AFP
ICHEL GANGNE / AFP
وجدي معوّض على المسرح في عرض "وحدي" الذي كتبه وأخرجه، خلال مهرجان أفينيون، 2008

"قسم أوروبا" لوجدي معوض والسرد في مواجهة العنف المتوارث

ثمة أعمال أدبية لا تكتفي بسرد حكاية، بل تحفر في داخلنا حيزا تصبح فيه الكلمة ضرورة واستحالة في آن معا. النص المسرحي الجديد للكاتب اللبناني الكندي وجدي معوض، "قسم أوروبا"، ينتمي إلى هذه الفئة النادرة: فئة التراجيديات الحديثة التي تواجه وجها لوجه مفاهيم العنف، والنسب، والذنب، وتوارث الشر.

في هذا النص، الصادر حديثا في باريس عن دار "أكت سود"، لا يسعى معوض إلى التعزية ولا إلى الطمأنة، بل يكشف، يفتح، يجبر على النظر، وقبل كل شيء، يطرح سؤالا عميقا يبعث على الدوار: ماذا نفعل بما يسبقنا، بما يكوننا رغما عنا، بما يطاردنا من دون أن تكون لنا ذاكرة به؟

إنها مسرحية تنبثق من منطقة قصية في الذاكرة الإنسانية، تتشابك فيها الجريمة مع طبقاتها العميقة، والحب مع اللعنة، وتتحول اللغة نفسها إلى ساحة صراع بين الرغبة في البوح والعجز عنه.

بوليفونيا

لتشييد هذا العالم المأزوم، يبتكر معوض أصواتا متعددة، أوروبا وبناتها الثلاث (وديعـة، جوفيت، ميغارا)، وآسيا، وزكريا، تساعده في نسج بنية تراجيدية ذات كثافة استثنائية، يندرج العنف الفردي فيها ضمن سلالة جماعية، مظهرا كيف تتسلل جرائم الأمس إلى أفعال اليوم. وفي قلب الليل المصور، يبقى سؤال قائم، ملح: هل لا يزال في وسع الكلمة أن تنقذنا؟

ينتظم النص حول خطوط سردية عدة تنتهي بالالتقاء عند كشف تدريجي مروع. في المركز، تقف أوروبا، وهي امرأة مسنة تجمع بناتها الثلاث بعد سنوات من الهجر. وسرعان ما يتحول الفضاء العائلي إلى ساحة توتر. فاللقاء ليس حنونا ولا مهدئا، بل عنيف ومتشظ، يطغى عليه عدم الفهم والغضب.

بنات أوروبا يطالبنها بأجوبة، وهي تقاوم، قبل أن تستسلم وتكشف الحقيقة شذرة شذرة، فيطفو ماض فظيع إلى السطح. في طفولتها، كانت شاهدة ومتواطئة في مجزرة وقعت في وادي أكساي-جالي-هاندان، حيث أباد مجتمعها شعبا بكامله.

وفي لحظة مركزية لا تحتمل، تعترف بأنها أرشدت القتلة إلى المدرسة التي اختبأ فيها ثمانية عشر طفلا، فأطلقوا كلابا عليهم افترستهم ومزقت أجسادهم. فعل مؤسس، لا رجعة فيه، تحول إلى الرحم التي ولدت منها حياتها بأكملها، ومن هناك يبدأ انحدار المأساة.

تكفير

حين نهشها الذنب، حاولت أوروبا التكفير عن خطيئتها. لكن تكفيرها اتخذ شكلا وحشيا، إذ أقدمت على قتل أطفالها عند الولادة، واحدا تلو الآخر، وفق منطق تعويضي منحرف ("العين بالعين"). قتلت عددا منهم قبل أن تتوقف، عاجزة عن متابعة هذا المسار حين أنجبت وديعة، التي تركتها في مكب للنفايات.

هذا التوقف لن يكون خلاصا، بل فقط انكسار داخل حلقة العنف، بين من ترى فيه دليلا على انعدام الحب، ومن تحاول أن تقرأ فيه أثرا خفيا لعاطفة مستحيلة

هذا التوقف لن يكون خلاصا، بل فقط انكسار داخل حلقة العنف، فعل سيصبح لاحقا موضوع تأويل متناقض بين البنات: بين من ترى فيه دليلا على انعدام الحب، ومن تحاول أن تقرأ فيه أثرا خفيا لعاطفة مستحيلة.

حملت بنات أوروبا الثلاث، كل واحدة بطريقتها، آثار هذا الماضي الذي لم يعرفنه: إجهاض متكرر عند ميغارا، قلق عميق عند جوفيت، علاقة معقدة بالحب والأمومة عند وديعة. وحين يكتشفن ماضي أوروبا، يعمل هذا الماضي كزلزال يمنح وجودهن معنى أو ضياعا مطلقا.

في موازاة هذا الخط العائلي المتصدع، تمضي حبكة أخرى: قصة زكريا، ابن وديعة، المتهم بقتل حبيبته وانينا. لفترة طويلة، ينكر زكريا الوقائع، رافضا الاعتراف رغم الأدلة. علاقته بأمه متوترة، موسومة بعجز عن التواصل. ففي مشهد مؤثر، تطلب وديعة منه أن يتكلم، ويجيبها أنه يعجز حتى عن النظر إليها، إلا حين لا تعلم. كأن الحب نفسه لا يحتمل لدى حضوره المباشر.

تدنيس

لكن في لحظة انعطاف حاسمة، وتحت أثر مواجهة رمزية مع أوروبا، بوصفها وجها أموميا شبحيا، يعترف زكريا. وحين يحصل ذلك، تبلغ سردية اعترافه حدا أقصى من العنف، إذ لا يصف جريمة القتل فحسب، بل وفعل تدنيس جثة حبيبته، في مشهد يعيد تفعيل أهوال المجزرة الأولى. يشرح كيف تحولت لحظة رفض وانينا له إلى انهيار داخلي، وكيف اندفع إلى تحطيم رأسها، ثم إلى فتح جسدها والتهامه، كأن ذاكرة بعيدة تتكلم عبره.

ينتهي النص المسرحي من دون حل حقيقي. تهدي أوروبا الى بناتها أحذية في إشارة رمزية، وتؤكد آسيا غياب أي "معونة إلهية" (Deus ex machina) لبلوغ خاتمة مرضية. لا يتبقى سوى الكلمة، هشة وغير كافية، لكنها ضرورية.

في هذا العمل، يستعيد معوض أسس التراجيديا الإغريقية: الحتمية، السلالة، الخطيئة الأصلية، استحالة الإصلاح. لكنه يدرجها ضمن حداثة راديكالية. إذ لا آلهة في نصه تفرض المصير: المصير تاريخي، جماعي، متوارث. ولا لعنة إلهية، بل ذاكرة صادمة. وفي هذا السياق، تؤدي المجزرة الأولى دور الحدث المؤسس، بما يشبه جريمة أصلية. لكن هذه الجريمة ليست فردية معزولة، بل هي جماعية ومنهجية تورط مجتمعا بأسره.

وهذا ما يقودنا إلى قوة هذا النص التي تكمن في ذلك الربط بين التاريخ الجمعي والمأساة الذاتية، وتحديدا في تقديمه جريمة قتل وانينا لا كفعل منعزل، بل كإعادة تنشيط لعنف قديم.

هذا ما تقوله الجملة التالية بلا مواربة: "جريمة القتل حفيدة المجزرة". جملة جوهرية تكثف كل رسالة المسرحية: العنف يتوارث، يتحول، لكنه لا يتوارى.

STEPHANE DE SAKUTIN / AFP
الكاتب والمخرج اللبناني-الكندي وجدي معوّض خلال جلسة تصوير في أوبرا الباستيل في باريس، 2021

الكلمة-القبر

على امتداد النص، تبدو الكلمة محاصرة ومطلوبة في آن. فأوروبا لا تستطيع الكلام، وبناتها يطالبنها بذلك. وزكريا يرفض الكلام، وأمه تتوسل إليه أن يقول الحقيقة. وآسيا تصر على ضرورة الشهادة، وترى أن "العلاج يمر عبر الكلمات".

لكن الكلام ليس بالأمر الهين. وإذ يعترف النص بعجز اللغة، حين تتحول الكلمات إلى صراخ أو صمت أو تكرار قهري، يستكشف توترا أساسيا: هل يجب أن نتكلم، أن نبوح، حتى لو كان ذلك مؤلما؟ وفي محاولته الإجابة، يتقدم نحو فكرة مفادها أن لا مخرج ممكن من دون الكلمة، وأن الكلمة (أو السرد) يمكن أن تصبح قبرا رمزيا للضحايا الذين لم يواروا في الواقع.

 ANNE-CHRISTINE POUJOULAT / AFP
الممثلة أنيك بيرجيرون تؤدي دور نوال في عرض "حرائق" لوجدي معوّض خلال مهرجان أفينيون، 2009

المشاهد التي تخص جوفيت تظهر جانبا آخر من هذا العمل على اللغة والذاكرة. ففي جلسة تنويم تخضع لها، تتكلم بلغة غريبة، كأن الذاكرة تتكلم عبرها من دون وعيها. تصف رؤيا لقرية محترقة، وطفلة تنادي "أمي"، ثم تهاجمها كلاب.

قوة هذا النص تكمن في ذلك الربط بين التاريخ الجمعي والمأساة الذاتية، وتحديدا في تقديمه جريمة قتل وانينا لا كفعل منعزل، بل كإعادة تنشيط لعنف قديم

هذا التداخل بين الحلم والذاكرة واللغة يعكس بنية النص نفسه التي تعتمد على التقطيع والتوازي، وحيث تتجاور المشاهد من دون تسلسل زمني صارم، مما يعكس طبيعة الذاكرة نفسها. الماضي يتداخل مع الحاضر، والحلم مع الواقع، والاعتراف مع الهذيان.

وقد يربك هذا البناء القارئ في البداية، لكنه يساهم في خلق تجربة شعورية أقرب إلى الغرق في وعي الشخصيات. كما أن تعدد الأصوات يثري النص حيث لا توجد سلطة سردية واحدة، بل شبكة من الخطابات المتقاطعة.

ذنب

أحد الجوانب الأخرى القوية في هذا العمل هو معالجته موضوع الذنب بطريقة ترفض التبسيط الأخلاقي. فأوروبا مذنبة كما تؤكد بنفسها، لكنها كانت طفلة حين اقترفت ذنبها. فهل يمكن محاكمة طفل؟ النص لا يبرئها، لكنه يرفض أيضا أن يدينها ببساطة.

بالنسبة إلى بناتها، إنهن لسن مذنبات، لكنهن يحملن عواقب أفعال أمهن، ويرثن بالتالي عنفا لم يقترفنه. أما زكريا، فهو يجسد الذنب المطلق: ذنب جريمة رهيبة. ومع ذلك، يفتح خطابه الختامي أفقا غير متوقع: إمكان التحول. أفق لا يلمع في سمائه غفران سهل، بل سؤال مشروع، مهما كان مؤلما: هل يمكن لوحش قاتل أن يستعيد إنسانيته؟

لا يقدم النص إجابة شافية، بل يترك قارئه أمام هذا السؤال المزعج. وخطاب زكريا أمام القاضي، بعد سنوات على جريمته، يبلور هذه الإشكالية: هل يمكن أن يصبح السرد فعل إصلاح؟ هل يحق للقاتل أن يتكلم ليصلح؟ وهل يمكن قبول عودة "الوحوش" إلى دائرة الإنسانية عبر الاعتراف؟

حب مدمر

في ضوء حجم العنف الذي يتخلل النص، قد يبدو عنوان الجزء الثالث منه - الحب - ساخرا. مع ذلك، فإن الحب حاضر بقوة، لكن في شكل متناقض، خصوصا الحب الأمومي الذي يتسم بازدواجية عميقة: أوروبا تقتل أطفالها، ثم تستبقي واحدة. وديعة تحب ابنها رغم جريمته. وزكريا يؤكد أن حب أمه "لا يمكن تجاوزه".

الحب هنا ليس قوة ناعمة أو شافية، بل إنه قاس، متطلب، ومدمر أحيانا. لكنه أيضا ما يمنع التلاشي التام لما هو إنساني. ومونولوغ وديعة عن الأمومة يضيء هذا الجانب، فهي تحول فعل الهجر إلى دليل حب، من خلال إعادة بناء مشهد أمها وهي تحملها في البرد وتسير بها للتخلي عنها. هذا الانقلاب في المعنى، بقدر ما يثير الشجن، يكشف عن قوة الرغبة في الحب، القادرة على إعادة تأويل الواقع.

على الصعيد الدرامي، يتميز العمل بإحكام بنائه، على رغم طابعه المتشظي، والتداخل بين القصص، وبين الأجيال. وبينما تأتي المونولوغات بكثافة لافتة، تتأرجح اللغة بين الشاعرية والفظاظة، بين السمو والوحشية، عاكسة بهذا التباين الأسلوبي مضمون العمل وجوهره.

ICHEL GANGNE / AFP
وجدي معوّض على المسرح في عرض "وحدي" الذي كتبه وأخرجه، خلال مهرجان أفينيون، 2008

إفراط مقصود

قد يؤخذ على النص إفراطه. ففي لحظات معينة، يوحي تراكم العنف والخطابات بشعور من التشبع، ويستدعى المتلقي باستمرار، من دون أن يمنح فسحة تنفس. لكن هذا الإفراط ميزة نوعية، بل يكاد يكون خيارا جماليا، وجزء من التجربة المقترحة: انغماس كلي في مادة تراجيدية خام، لا تمنح مهربا.

ينتمي نص وجدي معوض إلى حداثة تراجيدية جذرية: لا خلاص خارج البشر، بخطاياهم وجراحهم، وربما بقدرتهم على الكلام

في الختام، برفضه أي حل سهل، وبإقصائه فكرة "المعونة الإلهية"، ينتمي نص وجدي معوض إلى حداثة تراجيدية جذرية: لا خلاص خارج البشر، بخطاياهم وجراحهم، وربما بقدرتهم على الكلام.

  ANNE-CHRISTINE POUJOULAT / AFP
وجدي معوّض خلال المؤتمر الختامي لمهرجان أفينيون المسرحي، 2008

وما يتبقى في نهاية هذا العبور المضني ليس مصالحة ولا طمأنينة، بل إمكان: إمكان تحويل العنف إلى سرد، والسرد إلى ذاكرة، أي إلى شكل من أشكال مقاومة النسيان، مهما بدا هذا الشكل هشا. وربما في هذا الفعل الهش، يكمن الأمل.

font change

مقالات ذات صلة