تعيد القفزات الحادة في أسعار النفط والغاز، التي أعقبت اندلاع الحرب الأميركية-الإيرانية، رسم ملامح سياسات الطاقة في الجنوب العالمي. فما لم تستطع عقود طويلة من دبلوماسية المناخ أن تفرضه، فرضته الأسعار المرتفعة، إذ بات الاعتماد على الوقود الأحفوري المستورد يبدو، في أعين القادة الحاكمين، خطرا سياسيا.
وخلال الشهر الأول من تعطل حركة الشحن عبر مضيق هرمز بفعل الحرب، اتخذت ما لا يقل عن 60 حكومة نحو 200 إجراء طارئ في مجال الطاقة، من أوامر ترشيد الوقود ودعم المستهلكين، إلى سباق محموم بحثا عن مصادر بديلة للإمدادات. ففي الفلبين، أعلنت الحكومة حال طوارئ وطنية في قطاع الطاقة في مارس/آذار، ولجأ الرئيس فرديناند ماركوس الابن إلى استخدام صلاحياته التنفيذية بعدما شلت إضرابات العمال مانيلا ومدن أخرى. وفي بنغلاديش، أجبر شح الإمدادات مصانع الملابس، التي تشكل نحو 84 في المئة من صادرات البلاد، على العمل بما لا يتجاوز 50 إلى 60 في المئة من طاقتها. أما في كينيا، فقد أسفرت احتجاجات على أسعار الوقود عن مقتل أربعة أشخاص وإصابة عشرات آخرين في منتصف مايو/أيار. وفي باكستان، شلت زيادة الأسعار بمقدار 55 روبية للتر في مارس/آذار شوارع لاهور، بينما ترك برنامج صندوق النقد الدولي الحكومة بلا هامش مالي يتيح لها امتصاص الصدمة. وأظهرت وثيقة داخلية للبنك الدولي، اطلعت عليها وكالة "رويترز"، أن 27 دولة تحركت لتأمين وصول سريع إلى تمويل طارئ خلال أسابيع من بدء الحرب.
لكن ما يجري تحت سطح هذه الاحتجاجات والإجراءات العاجلة أعمق من استجابة ظرفية. فبالنسبة إلى الدول المستوردة للوقود الأحفوري، لم تعد الطاقة النظيفة مجرد استراتيجية لخفض الانبعاثات، ولا رهانا بعيد المدى على التنمية الاقتصادية. لقد تحولت إلى وسيلة تحوط في مواجهة اضطرابات الشارع، واستنزاف الاحتياطيات، واحتمالات الانهيار السياسي. فالألواح الشمسية، والبطاريات، والسيارات الكهربائية، ورفع كفاءة الشبكات، تمنح القادة درعا عجزت دبلوماسية المناخ طويلا عن توفيره لهم، يحميهم من موجة شغب وقود مقبلة، وربما من ثورة تطيح بهم.

كان الاقتصاد يدفع العالم بالفعل نحو الحلول الخضراء. فقد بلغ الاستثمار العالمي في الطاقة النظيفة مستوى قياسيا قدره 2.2 تريليون دولار في عام 2025، أي ضعف التدفقات المتجهة إلى الوقود الأحفوري. وفي عام 2024، أنتجت 91 في المئة من مشاريع الطاقة المتجددة الجديدة على مستوى المرافق كهرباء بتكلفة أدنى من أرخص بديل جديد يعمل بالوقود الأحفوري. كما تراجعت تكاليف تخزين الطاقة بالبطاريات بنسبة 93 في المئة منذ عام 2010، ما أتاح للمرافق الاحتفاظ بطاقة الشمس والرياح واستخدامها حتى عندما لا يكون الطقس ملائما. وفي عام 2025، تراجع توليد الكهرباء من الوقود الأحفوري في الصين والهند معا للمرة الأولى منذ عقود، ما ساعد على إبقاء توليد الكهرباء العالمي من الوقود الأحفوري شبه ثابت، رغم ارتفاع الطلب على الكهرباء.



