"النينيو" يطرق أبواب الخليج... هل تشكل التقلبات المناخية تحديا؟

موجات الحر والجفاف عامل مؤثر في التضخم والاستثمار وأمن الطاقة والمياه واستراتيجيات الصناديق السيادية

أ.ف.ب
أ.ف.ب
مزارع العوير الصحراوية، دبي، 12 يناير/كانون الثاني 2021

"النينيو" يطرق أبواب الخليج... هل تشكل التقلبات المناخية تحديا؟

تحول الاهتمام بظاهرة "النينيو" المناخية في الآونة الأخيرة من أروقة مراكز الأرصاد الجوية إلى طاولات صناع القرار الاستثماري والمالي. فقد تعدت الظاهرة كونها مجرد اضطراب دوري لدرجات حرارة سطح المياه في المحيط الهادئ الاستوائي، لتصبح أحد المتغيرات الحاسمة التي يراقبها المستثمرون عند تقييم مخاطر الأسواق العالمية عبر قنوات الغذاء والطاقة والتجارة.

ومع تزايد ترابط الاقتصاد العالمي وتسارع وتيرة الظواهر الجوية المتطرفة، باتت الأسواق المالية والمؤسسات الاقتصادية تنظر إلى ظاهرة "النينيو" باعتبارها أحد أبرز العوامل التي قد تغذي موجات التضخم، وتزيد تقلب أسعار السلع الأساس، وتضغط على وتيرة النمو الاقتصادي.

يكتسب هذا السياق أهمية خاصة بالنسبة لدول مجلس التعاون الخليجي، فعلى الرغم من بعدها الجغرافي عن مناطق تشكل الظاهرة، فإن اندماجها العميق في الاقتصاد العالمي ودورها المحوري في أسواق الطاقة والتجارة الدولية يجعلانها عرضة لتأثيراتها غير المباشرة، سواء عبر تقلب أسعار الغذاء والسلع، أو اضطراب سلاسل الإمداد، أو تغير ديناميكيات أسواق النفط والغاز.

ما هو "النينيو"؟

"النينيو" (El Niño) هو ظاهرة مناخية طبيعية تمثل المرحلة الدافئة من تذبذب يعرف باسم تذبذب النينيو الجنوبي (ENSO). وتنشأ عندما ترتفع درجات حرارة المياه السطحية في وسط وشرق المحيط الهادئ الاستوائي فوق معدلاتها الطبيعية، بالتزامن مع ضعف أو تغير اتجاه الرياح التجارية. ويؤدي ذلك إلى اضطراب واسع في أنماط دوران الغلاف الجوي، فتتغير كميات الأمطار ودرجات الحرارة وشدة العواصف في مناطق عديدة من العالم، حتى تلك البعيدة عن المحيط الهادئ.

تشير بيانات عام 2024 إلى أن متوسط درجة حرارة الأرض بلغ نحو 1.55 درجة مئوية فوق مستويات ما قبل الثورة الصناعية، في أعلى مستوى مسجل على الإطلاق، وهو ما يعكس استمرار الاحترار العالمي الناجم عن انبعاثات غازات الدفيئة

تحدث ظاهرة "النينيو" عادة كل عامين إلى سبعة أعوام، وتستمر في الغالب من 9 إلى 12 شهرا، إلا أن شدتها ومدتها تختلف من دورة إلى أخرى. وتؤثر في الإنتاج الزراعي، وأسواق الغذاء، والثروة السمكية، وإمدادات المياه والطاقة، مما يجعلها ذات تداعيات اقتصادية عالمية، وليس مجرد ظاهرة مناخية محلية.

ووفقا للمنظمة العالمية للأرصاد الجوية والإدارة الوطنية الأميركية للمحيطات والغلاف الجوي، فإن "النينيو" يعد أحد أهم المحركات الطبيعية للتقلبات المناخية السنوية على مستوى العالم، ويمكن أن يسهم في زيادة احتمالات موجات الجفاف والفيضانات والحر الشديد، وما يرافقها من ضغوط على التضخم وأسعار السلع والنمو الاقتصادي.

تضاعف تأثيرات التغير المناخي وتعاظم المخاطر

حذرت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية من احتمال تطور "النينيو" إلى مستويات قوية، مما يفاقم التأثيرات المركبة للتغير المناخي الطويل الأمد، خاصة في الدول المعتمدة على استيراد الغذاء.

وتشير بيانات عام 2024 إلى أن متوسط درجة حرارة الأرض بلغ نحو 1.55 درجة مئوية فوق مستويات ما قبل الثورة الصناعية، في أعلى مستوى مسجل على الإطلاق، وهو ما يعكس استمرار الاحترار العالمي الناجم عن انبعاثات غازات الدفيئة، مع إسهام ظاهرة "النينيو" في تعزيز الارتفاع القياسي لدرجات الحرارة خلال ذلك العام.

بالإضافة إلى ذلك، تشير دراسات مركز التميز لأبحاث التغير المناخي بجامعة الملك عبد العزيز إلى وجود ارتباط واضح بين ظاهرة "النينيو" وارتفاع احتمالات الجفاف وتراجع أمطار الصيف في الأجزاء الجنوبية والجنوبية الغربية من شبه الجزيرة العربية، وهو ما قد يؤدي إلى تفاقم الإجهاد المائي وزيادة الاعتماد على التبريد، وبالتالي رفع الطلب على الكهرباء خلال فترات الحر الشديد.

يقدر البنك المركزي الأوروبي أن تطور "النينيو" إلى مرحلة قوية قد يرفع أسعار السلع الغذائية العالمية بنسبة تصل إلى 9 في المئة في ذروة تأثيرها

وكما جاء في تقرير الوكالة الدولية للطاقة، "مستقبل الكهرباء في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا" الصادر في سبتمبر/أيلول 2025، يمثل التبريد حاليا نحو نصف الطلب على الكهرباء خلال ساعات الذروة في المنطقة، ومن المتوقع أن يسهم التبريد وتحلية المياه معا بنحو 40 في المئة من نمو الطلب على الكهرباء حتى عام 2035، وهو ما يزيد الضغوط على شبكات الكهرباء ويتطلب استثمارات كبيرة في قدرات التوليد والنقل والتوزيع، كما يرفع استهلاك الطاقة المرتبط بعمليات تحلية المياه.

كيف تؤثر تداعيات "النينيو" على الاقتصادات الخليجية؟

تنتقل تداعيات هذه الظاهرة المناخية عبر قنوات التجارة وسلاسل التوريد المعولمة من خلال محاور ثلاثة هي صدمات أسعار الغذاء، وشرايين الملاحة وسلاسل التوريد، بالإضافة إلى الضغط على الموازنات العامة.

فعندما تضرب موجات الجفاف المرتبطة بظاهرة "النينيو" أجزاء من جنوب شرق آسيا وأوستراليا والهند، قد يتقلص المعروض العالمي من الحبوب والزيوت النباتية، بما يدفع أسعار الغذاء إلى الارتفاع ويزيد الضغوط على برامج الدعم الحكومي في الدول المستوردة. والموضوع يؤثر مباشرة في دول الخليج التي تستورد نحو 80 -90 في المئة من غذائها. وأي جفاف في المناطق التي يهددها "النينيو" سيرفع أسعار الغذاء وتكاليف الشحن، وبالتالي فاتورة الواردات.

رويترز
مزارع يحصد بقايا سيقان الذرة الجافة التي نجا بها من المحصول بسبب الجفاف الناجم عن ظاهرة النينيو لاستخدامها علفاً لماشيته، بولاوايو، زمبابوي 7 مارس/آذار 2024

وفي هذا السياق، أطلقت منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) وبرنامج الأغذية العالمي في عام 2026 نداء لاتخاذ إجراءات استباقية لحماية 8.8 مليون شخص في 22 دولة من التداعيات المحتملة للظاهرة، فيما يقدّر البنك المركزي الأوروبي أن تطور "النينيو" إلى مرحلة قوية قد يرفع أسعار السلع الغذائية العالمية بنسبة تصل إلى 9 في المئة في ذروة تأثيرها.

ولا يتوقف أثر هذه التداعيات عند حدود الحقول، بل يمتد إلى تعطيل سلاسل الإمداد العالمية؛ إذ أدت موجات الجفاف المرتبطة بظاهرة "النينيو" إلى خفض مستويات المياه في قناة بنما، مما دفع السلطات إلى فرض قيود على حركة السفن وتقليص عدد الرحلات اليومية، الأمر الذي رفع تكاليف النقل البحري وأطال زمن الشحن، وزاد المخاطر التشغيلية للاستثمارات الخليجية ذات الانكشاف العالمي، ولا سيما تلك المرتبطة بالتجارة والخدمات اللوجستية والصناعة.

قد تواجه كل من الكويت وقطر والبحرين أعلى درجات التعرض لهذه المخاطر، نظرا لاعتمادها شبه الكامل على تحلية مياه البحر لتوفير مياه الشرب

أما على مستوى المالية العامة، فقد تتعرض دول الخليج لضغوط مزدوجة. فمن جهة، قد تؤدي اضطرابات الطقس في الاقتصادات الآسيوية إلى إبطاء الطلب على الطاقة، بما ينعكس على الإيرادات النفطية. ومن جهة أخرى، قد يؤدي ارتفاع أسعار الغذاء والطاقة عالميا وزيادة الطلب المحلي على الكهرباء والمياه خلال موجات الحر إلى رفع الإنفاق الحكومي، سواء عبر برامج الدعم أو الاستثمار في البنية التحتية للطاقة والمياه.

رويترز
مدينة رأس لفان الصناعية شمال الدوحة، قطر، 6 فبراير/شباط 2017

ويشير صندوق النقد الدولي إلى أن تزايد الإنفاق المرتبط بالمخاطر المناخية قد يؤدي إلى تضييق الحيز المالي (Fiscal Space)، أي قدرة الحكومات على تعبئة موارد إضافية أو زيادة الإنفاق دون الإضرار باستدامة المالية العامة. فكلما ارتفعت النفقات المخصصة لدعم الغذاء والطاقة، أو للاستجابة للكوارث وتعزيز البنية التحتية المقاومة للمناخ، تقلصت الموارد المتاحة لتمويل أولويات استراتيجية مثل التنويع الاقتصادي والاستثمارات الطويلة الأجل، وهو ما يجعل التكيف مع تغير المناخ قضية مالية واقتصادية بقدر ما هو قضية بيئية.

أيّ دول الخليج عرضة للخطر أكثر؟

تختلف مستويات التعرض للمخاطر المناخية بين دول مجلس التعاون الخليجي وفقا لطبيعة الاقتصاد والموارد المائية والهيكل السكاني والبنية التحتية. وتفسر الأرقام والمؤشرات الموضوعية طبيعة هذا التفاوت الجغرافي والاقتصادي.

وقد تواجه كل من الكويت وقطر والبحرين أعلى درجات التعرض لهذه المخاطر، نظرا لاعتمادها شبه الكامل على تحلية مياه البحر لتوفير مياه الشرب. ففي الكويت تأتي أكثر من 90 في المئة من مياه الشرب من التحلية، وكذلك الأمر بالنسبة للبحرين. أما في قطر فتبلغ النسبة نحو 99 في المئة.

ويجعل هذا الاعتماد البنية التحتية الساحلية لمحطات التحلية وتوليد الكهرباء أكثر عرضة للضغوط الناجمة عن موجات الحر وارتفاع درجات حرارة مياه البحر، في وقت لا تزال فيه هذه الدول تعتمد بدرجة كبيرة على الغاز والوقود الأحفوري لتلبية معظم احتياجاتها من الكهرباء، وهو ما يزيد الضغوط على شبكات الطاقة خلال فترات ذروة الطلب الصيفي.

أما السعودية والإمارات فتتمتعان بمرونة أعلى في مواجهة المخاطر المناخية. وعلى الرغم من اعتمادهما على تحلية المياه، فهي تمثل نحو 18 في المئة من إجمالي الموارد المائية في السعودية و50 في المئة من مياه الشرب، ونحو 41-42 في المئة في الإمارات. كما يحتل البلدان مراتب متقدمة في مؤشر "أن دي غاين" (ND-GAIN) بفضل قدراتهما المؤسسية والاستثمارات الضخمة في الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر.

يقدر تقرير "تحديث فجوة تمويل التكيف 2023" الصادر عن الأمم المتحدة التكلفة الإجمالية الإرشادية للتكيف مع تغير المناخ بنحو 215 مليار دولار سنويا لجميع البلدان النامية

ويؤكد صندوق النقد الدولي في تقرير آفاق الاقتصاد الإقليمي للشرق الأوسط وآسيا الوسطى (أكتوبر/تشرين الأول 2025) أن تنامي المخاطر المرتبطة بالصدمات المناخية والتوترات الجيوسياسية يفرض على حكومات المنطقة تعزيز متانة الأطر الاقتصادية، والحفاظ على الانضباط المالي، وتسريع الإصلاحات الهيكلية لبناء اقتصادات أكثر قدرة على الصمود أمام الصدمات المستقبلية. وفي هذا السياق، تبرز الاستثمارات في البنية التحتية المرنة وتعزيز قدرات التكيف بوصفها أدوات رئيسة للحد من المخاطر الاقتصادية الطويلة الأجل.

دور الصناديق السيادية الخليجية

لم تعد الصناديق السيادية الخليجية تنظر إلى التغير المناخي باعتباره قضية بيئية فحسب، بل كعامل مؤثر في إدارة المخاطر وتوجيه الاستثمارات الطويلة الأجل. ويقود صندوق الاستثمارات العامة السعودي، إلى جانب جهاز أبوظبي للاستثمار، و"مبادلة"، وجهاز قطر للاستثمار، استثمارات متزايدة في البنية التحتية المستدامة والطاقة المتجددة والأمن المائي والغذائي. ويبرز صندوق الاستثمارات العامة، بصفته المساهم الأكبر في شركة "أكوا باور"، ومن خلال دعم مشاريع الطاقة المتجددة وتحلية المياه، بينما توسع الصناديق الخليجية استثماراتها في التكنولوجيا الزراعية وسلاسل الإمداد لتعزيز الأمن الغذائي. وفي الوقت نفسه، تتجه هذه المؤسسات إلى تنويع محافظها الاستثمارية عبر زيادة الانكشاف على الأصول المرتبطة بالتحول في الطاقة والبنية التحتية المستدامة، مع استمرار احتفاظها باستثمارات استراتيجية في قطاع الطاقة التقليدية.

الفرص الاستثمارية الواعدة

على الجانب الآخر، لا يقتصر تأثير "النينيو" على خلق المخاطر، بل يفتح أيضا آفاقا استثمارية واسعة في القطاعات القادرة على تعزيز التكيف مع التغيرات المناخية. ويقدَّر تقرير "تحديث فجوة تمويل التكيف 2023" الصادر عن الأمم المتحدة التكلفة الإجمالية الإرشادية للتكيف مع تغير المناخ بنحو 215 مليار دولار سنويا لجميع البلدان النامية، مع وجود نطاق واسع من عدم اليقين حول هذا الرقم.

رويترز
الأمين العام للأمم المتحدة أنتوني غوتيريش، يلقي كلمة في مؤتمر "كوب 30"، في مدينة بيليم البرازيلية، 6 نوفبر/تشرين الثاني 2025

ويعادل الإنفاق المطلوب للتكيف نحو 0.56 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي للدول النامية، أو نحو 33 دولارا للفرد سنويا. وتتركز أعلى التكاليف في البنية التحتية، والحماية من الفيضانات، وحماية السواحل، فيما تتحمل الدول المنخفضة الدخل العبء الأكبر نسبيا، إذ تصل تكاليف التكيف إلى 3.5 في المئة من ناتجها المحلي الإجمالي، مقابل أقل من 1 في المئة في الدول المتوسطة الدخل.

في المقابل، تقدَّر فجوة تمويل التكيف حاليا بما يتراوح بين 194 و366 مليار دولار سنويا. وتشير التقديرات إلى أن احتياجات الدول النامية لتمويل التكيف تفوق حجم التمويل العام الدولي المتاح حاليا بما يتراوح بين 10 و18 ضعفا، وهو ما يجعل فجوة التمويل أكبر بأكثر من 50 في المئة مقارنة بالتقديرات السابقة.

ويحذر التقرير من أن اتساع فجوة تمويل التكيف يعكس تفاقم أزمة المناخ، ويزيد الخسائر الناجمة عن الظواهر الجوية المتطرفة. كما أن مضاعفة تمويل التكيف إلى 40 مليار دولار سنويا، وفق مستهدف COP26، لن تغطي سوى 5 إلى 10 في المئة من فجوة التمويل الحالية. كما يوضح التقرير أن الدول الأقل نموا والدول الجزرية الصغيرة النامية تحتاج وحدها إلى ما بين 29 و41 مليار دولار سنويا لتمويل التكيف، في حين لم تتجاوز التدفقات المالية إليها 7 مليارات دولار سنويا خلال الفترة 2017-2021، مما يترك فجوة تمويل سنوية تتراوح بين 22 و34 مليار دولار.

ومن أبرز القطاعات الواعدة في هذا المجال هي البنية التحتية المقاومة للمناخ، وتشمل شبكات الكهرباء والمياه، والحماية من الفيضانات، والموانئ والطرق القادرة على تحمل الظواهر الجوية المتطرفة. ويؤكد البنك الدولي أن الاستثمار في البنية التحتية المرنة أصبح من أكبر مجالات جذب رأس المال الخاص في العقود المقبلة، ويضيف أنه من المتوقع إنشاء بنية تحتية تتراوح قيمتها بين 57 و95 تريليون دولار في حلول عام 2030، الأمر الذي يستدعي تصميمها وتنفيذها بما يجعلها قادرة على الصمود في مواجهة آثار تغير المناخ.

الدول الأقل نموا والدول الجزرية الصغيرة النامية تحتاج وحدها إلى ما بين 29 و41 مليار دولار سنويا لتمويل التكيف

يبرز أيضا قطاع المياه والتحلية وإدارة الموارد المائية الذي سيجذب في طبيعة الحال مزيدا من الاستثمارات في تحلية المياه المنخفضة الانبعاثات، وإعادة استخدام المياه، وتقنيات كفاءة الاستهلاك، باعتبارها من أكثر القطاعات نموا في المناطق الشحيحة بالمياه.

بالإضافة إلى ذلك، يتصاعد الاهتمام بالتكنولوجيا الزراعية (AgTech)، إذ تزداد الحاجة إلى البذور المقاومة للجفاف، والزراعة الدقيقة، والزراعة العمودية، وأنظمة الري الذكية، والمراقبة الرقمية للمحاصيل، للحد من خسائر الإنتاج الغذائي الناجمة عن الظواهر المناخية.

أ.ف.ب
أعشاش طائر الغاق الغواناي في محمية بونتا سان خوان الوطنية التي تعاني من الجفاف، بمنطقة ماركونا التابعة لإقليم إيكا في جنوب البيرو،29 سبتمبر/أيلول 2025

يلعب الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات المناخية أيضا دورا بارزا في هذا المجال. فقد أصبحت هذه التكنولوجيا أداة رئيسة للتنبؤ بالطلب على الطاقة، وإدارة المياه، ورصد المخاطر الزراعية، والإنذار المبكر بالكوارث، مما يدفع الحكومات والشركات إلى زيادة الإنفاق على هذه الحلول. ومع ارتفاع وتيرة الكوارث الطبيعية، يتوسع الطلب على منتجات التأمين المناخي، وإعادة التأمين، وأدوات تمويل المخاطر، لتقليل الخسائر الاقتصادية وحماية الأصول.

وفي تقريرها، "التكيف الآن: دعوة عالمية للقيادة في مجال الصمود المناخي" (Adapt Now: A Global Call for Leadership on Climate Resilience)، خلصت اللجنة العالمية للتكيف إلى أن العائد الإجمالي على الاستثمارات في تعزيز القدرة على الصمود أمام تغير المناخ مرتفع للغاية، إذ تتراوح نسبة المنافع إلى التكاليف بين 2:1 و10:1، وقد تكون أعلى من ذلك في بعض الحالات. وتحديدا، تشير الدراسة إلى أن استثمار نحو 1.8 تريليون دولار عالميا في خمسة مجالات رئيسة خلال الفترة من 2020 إلى 2030 يمكن أن يحقق منافع صافية إجمالية تبلغ 7.1 تريليون دولار.

هل رسمت التغيرات المناخية خريطة جديدة للاستثمار؟

تشير المعطيات الاقتصادية إلى أن المخاطر المناخية لم تعد تعامَل بوصفها قضية مرتبطة بالمسؤولية الاجتماعية للشركات فحسب، بل أصبحت عنصرا أساسا في تقييم المخاطر والعوائد الاستثمارية. فقد باتت وكالات التصنيف الائتماني والمستثمرون يدرجون المخاطر المناخية ضمن تقييماتهم للجدارة الائتمانية وتسعير الأصول، لا سيما عندما يكون لها أثر جوهري في التدفقات النقدية أو جودة الأصول أو القدرة على السداد، وهو ما قد ينعكس على تكلفة التمويل وجاذبية الاستثمارات الأكثر عرضة للمخاطر المناخية.

وفي منطقة الخليج، يتقاطع هذا التوجه مع الاستراتيجيات التنموية الكبرى، مثل "رؤية السعودية 2030" ورؤية "نحن الإمارات 2031"، اللتين تضعان الاستدامة وتنويع الاقتصاد والابتكار في صميم خطط التنمية. وقد انعكس ذلك في استثمارات واسعة في الطاقة المتجددة، والهيدروجين المنخفض الكربون، والبنية التحتية المستدامة، بما يعزز قدرة الاقتصاد على التكيف مع المخاطر المناخية ويحول تحديات المناخ إلى فرص للنمو والاستثمار.

font change

مقالات ذات صلة