انتهى الأمر، أو بالأحرى بدأ. بعد وقف إطلاق النار في أبريل/نيسان، ونحو 70 يوما من المحادثات غير المباشرة التي توسطت فيها باكستان وقطر، وقّعت إيران والولايات المتحدة مذكرة تفاهم تنهي حربهما.
عقد الجانبان هذا الشهر، في سويسرا، جولتهما الأولى من المحادثات بموجب مذكرة التفاهم، وخرجا بخريطة طريق للتوصل إلى اتفاق نهائي خلال 60 يوما، وبمجموعات عمل معنية بتخصيب اليورانيوم والعقوبات والتنفيذ، إلى جانب قنوات جديدة لإبقاء مضيق هرمز مفتوحا ووقف إطلاق النار في لبنان قائما. أما أصعب الأسئلة، وهي مصير برنامج التخصيب الإيراني، وحجم تخفيف العقوبات، وطبيعة أي تسوية، فأرجئت إلى تلك المهلة، مع إصرار طهران على أن التنفيذ يجب أن يسبق غيره. رفع الحصار وأعيد فتح هرمز، وفي الأيام التي تلت إعلان الخبر، ارتفع الريال الإيراني بأكثر من 15 في المئة أمام الدولار.
بالنسبة إلى خصوم إيران وكثير من المعلقين، تؤكد الطريقة التي خرج بها الاتفاق إلى العلن حكما طرح مؤخرا، بما في ذلك على هذه الصفحات، مفاده أن الحرب أنتجت نظاما إيرانيا أكثر توحدا من أي وقت قريب في الذاكرة. وتحدثت تعليقات إيرانية من مختلف أطياف المشهد السياسي عن اصطفاف حقيقي داخل الصفوف أيضا. ففي أبريل، تحدث النائب السابق منصور آرامي عن تلاق نادر بين المجالات السياسية والعسكرية والاجتماعية، تعمل جميعها ضمن إطار النظام.
تدعم هذه الحجة معطيات عدة. فقد اصطف النظام بأكمله، بصورة أو بأخرى، خلف الاتفاق. وتقول وزارة الخارجية إن كل أجهزة الدولة تحركت "بصوت واحد". وتصر الصحف المتشددة على أن المحادثات جرت تحت الإشراف الشخصي للزعيم الأعلى الجديد، مجتبى خامنئي. وذهب إسماعيل قاآني، قائد "فيلق القدس" النخبوي الإيراني، إلى حد وصف مفاوضي البلاد وجنودها، على السواء، بأنهم رجال من معدن واحد هو "المقاومة المسلحة".
يحمل الدبلوماسيون الإيرانيون، بوضوح، تفويضا من قمة النظام. وينبغي قول ذلك صراحة، لأنه يبدد افتراضا شائعا في العواصم الغربية مفاده أن فريق التفاوض جناح مدني مكشوف يستطيع متشددو النظام التنصل منه متى شاءوا. ليس الأمر كذلك. لكن الإجماع الظاهر هو إجماع على وقف حرب لا يستطيع أحد كسبها، وبشروط تستطيع طهران عرضها بوصفها نصرا. ولا يقول ذلك شيئا تقريبا عن السؤال الذي أعادت الحرب فتحه بدلا من أن تحسمه: كيف ينبغي لإيران أن تتموضع إزاء العالم الخارجي؟ في هذه المسألة، ليست الجمهورية الإسلامية موحدة على الإطلاق.

في أواخر مايو/أيار، شنت جبهة بايداري والشبكة المحيطة بسعيد جليلي، المفاوض النووي السابق المتشدد الذي خسر جولة الإعادة في انتخابات الرئاسة عام 2024 أمام مسعود بيزشكيان، جهدا منسقا لتجريد محمد باقر قاليباف من رئاسة البرلمان. وضغطوا بقوة من أجل تصويت علني في الجلسة العامة، فيما وصفه أحد التقارير بأنه ابتزاز سياسي على مدار الساعة. كان التوقيت جوهر المسألة: فقد تزامن التحدي مع أدق مراحل الدبلوماسية، وقدمت التقارير الأمر صراحة بوصفه محاولة لإضعاف مسار التفاوض عبر إزاحة أحد مرتكزاته المؤسسية. لكن قاليباف نجا، وحافظ على رئاسة البرلمان للعام السابع، وهو دليل، كما قال التقرير نفسه، على أن المتشددين ما زالوا صاخبين ومؤثرين أحيانا، لكنهم مع ذلك أقلية صاخبة ومحدودة العدد داخل الجسم السياسي للنظام.



