صار لدى أوكرانيا أخيرا نظرية للنصر... هل تنجح؟

طورت كييف استراتيجية لكسب الحرب... ولم تعد تحتاج الآن إلا إلى الوقت

(وسائل التواصل الاجتماعي/رويترز)
(وسائل التواصل الاجتماعي/رويترز)
دخان كثيف وألسنة لهب تتصاعد من مصفاة نفط عقب هجوم بمسيرة أوكرانية ، موسكو. 18 يونيو 2026

صار لدى أوكرانيا أخيرا نظرية للنصر... هل تنجح؟

نجا "سيرهي"، الضابط في الجيش الأوكراني البالغ من العمر 46 عاما، والذي كان يدير متجرا للأثاث في حياته المدنية، من أربع سنوات من الحرب ضد روسيا، ويقود اليوم كتيبة قوامها 300 جندي في مدينة سلوفيانسك الأوكرانية على خط الجبهة، وبعد إصابتين في القتال وفقدان كثير من الأصدقاء، ترتكز قراءته للحرب على تجربة قاسية.

لذلك بدا تقييمه للوضع الراهن لافتا أكثر من أي شيء آخر، قال لي خلال زيارتي إلى سلوفيانسك في أواخر يونيو/حزيران: "بلغنا نقطة تحول". وأضاف أن الأوكرانيين يوجهون ضربات مدمرة إلى بنية روسيا التحتية للطاقة، وشبكاتها اللوجستية الحيوية، والمصانع التي تنتج مكونات أساسية لأسلحتها عالية التقنية، وأشاد خصوصا بحملة كييف الرامية إلى قطع خطوط الإمداد التي توفر للقوات الروسية في شبه جزيرة القرم المحتلة الذخيرة والوقود والغذاء، فكم من الوقت يلزم لقطع شبه الجزيرة بالكامل؟ أجاب: "أعتقد أننا نستطيع فعل ذلك بحلول نهاية الصيف"، مشيرا إلى أن هذا سيشكل إهانة كبرى للرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الذي طالما عد استيلاء روسيا على شبه الجزيرة الأوكرانية في عام 2014 أحد إنجازاته الباقية.

قبل عام واحد، كان من الصعب تصنيف رؤية "سيرهي" للحرب إلا بوصفها تفكيرا قائما على التمني، ففي ذلك الوقت، ورغم بعض النجاحات اللافتة، بدا المجهود الحربي الأوكراني عموما مشتتا ويفتقر إلى التركيز، لكن خلال الأشهر القليلة الماضية، شهد العالم تحولا دراماتيكيا في قدرة كييف على نقل المعركة إلى الروس.

(أ.ف.ب)
متنزهون في حديقة، فيما دخان أسود يتصاعد من مصفاة "غازبروم نفط" جنوب شرقي موسكو إثر هجوم بمسيرات أوكرانية، 18 يونيو 2026.

يبرز تطور واحد على وجه الخصوص: للمرة الأولى منذ الغزو الروسي الشامل في عام 2022، توصل القادة العسكريون الأوكرانيون إلى استراتيجية متماسكة للنصر، وهي خطة صممت لاستثمار نقاط قوة كييف واستغلال نقاط الضعف الروسية، قال لي ميخايلو غونتشار، رئيس مركز "استراتيجية القرن الحادي والعشرين" للدراسات العالمية في كييف، إن القيادة الأوكرانية تعتقد الآن أنها تستطيع "قطع حصة كبيرة من الإيرادات التي تمول موازنة الحرب الروسية، وإشعال أزمة وقود، وفصل الروابط الحيوية في سلسلة إمداد الصناعات الدفاعية بدقة جراحية، بما يقلص، أو حتى يمنع، إنتاج الأسلحة الموجهة بدقة"، ويتمثل الهدف النهائي لهذا العنصر وغيره من عناصر الاستراتيجية الجديدة في عرقلة قدرة موسكو على مواصلة الحرب، مع إبقاء الخسائر الأوكرانية عند الحد الأدنى.

حملة المسيرات والصواريخ ضد مصافي النفط وخطوط الأنابيب لخنق قدرة بوتين على الحرب 

ليست الرؤية الكامنة وراء ذلك جديدة تماما، ففي ورقة نشرها العام الماضي، قدم وزير الدفاع الأوكراني السابق أندريه زاغورودنيوك تصورا مفصلا لما سماه "التحييد الاستراتيجي" للقدرات العسكرية الروسية، واستشهد، على سبيل المثال، بالنجاح الأوكراني المذهل في طرد أسطول البحر الأسود الروسي، الذي طالما تباهت به موسكو، من مينائه الأصلي في مدينة سيفاستوبول في القرم، وتحويله فعليا إلى تهديد شبه معدوم، أنجزت أوكرانيا ذلك من دون امتلاك أسطول سطحي تقليدي خاص بها، بل بالاعتماد على مسيرات بحرية لتدمير سفن العدو.

(فانتور/رويترز)
لقطة بالأقمار الاصطناعية لمحطة الكهرباء الرئيسة في سيفاستوبول بعد انقطاع الكهرباء عن أكبر مدن القرم الخاضعة للسيطرة الروسية إثر هجوم بمسيرات أوكرانية، 24 يونيو 2026.

وبات ما وصفه وزير القوات المسلحة البريطاني السابق جيمس هيبي بأنه "هزيمة وظيفية" للأسطول الروسي، أي ليس تدميره بالكامل بل تقليصه إلى حالة من العجز، نموذجا لما تأمل أوكرانيا تحقيقه في مجالات أخرى، فبدلا من محاولة استنزاف القوات الروسية بكلفة خسائر هائلة، وهو النهج الذي جسده الهجوم المضاد الكارثي في صيف 2023، يخطط الأوكرانيون لجعل القوات الروسية في القرم غير فعالة عبر إضعاف مصادر إمدادها.

وبالمثل، تسعى حملة الطائرات المسيرة والصواريخ بعيدة المدى ضد مصافي النفط ومنشآت تخزين الوقود وخطوط الأنابيب، التي تضرب أهدافا في عمق متزايد داخل الأراضي الروسية، إلى خنق قدرة بوتين على خوض الحرب من مصدرها، ووفقا لصحيفة "فايننشيال تايمز"، ضربت أوكرانيا مصافي النفط الروسية 194 مرة منذ بداية هذا العام، أي 11 ضعف عدد الضربات خلال الفترة نفسها من عام 2025، وأعلنت أكثر من نصف المناطق الروسية نقصا في الوقود، أو تقنينا، أو قيودا على البيع للمدنيين.

بلغ الوضع درجة من السوء دفعت موسكو إلى استيراد البنزين من الهند، وهو أمر محرج جدا لبلد يعد ثالث أكبر منتج للنفط الخام في العالم ومصدرا كبيرا للوقود المكرر، ولمواجهة النقص، حظرت روسيا صادرات البنزين ووقود الطائرات، وابتداء من أمس، حظرت الديزل، وهي كلها سلع تدر عادة إيرادات حكومية كبيرة وعملة صعبة، فيما تتفاقم المشكلات المالية والاقتصادية بوتيرة متسارعة.

 

كل بطارية مضادة للطائرات لحماية موسكو وسان بطرسبرغ، هي بطارية أقل على الجبهة

تستند استراتيجية كييف الجديدة إلى بروز قدرات جديدة، وإلى قيادة وزير الدفاع ميخايلو فيدوروف البالغ 35 عاما، وهو مخضرم في قطاع التكنولوجيا ينسب إليه الفضل في إدخال نهج أكثر صرامة واعتمادا على البيانات في إدارة القتال، واستفادت جهود عزل القرم كثيرا من نشر المسيرة الهجومية أحادية الاستخدام "هورنت"، وهي منظومة متوسطة المدى طورت بالتعاون مع شركة أميركية ناشئة مولها المدير التنفيذي السابق لـ"غوغل" إريك شميدت، وتعتمد بدرجة كبيرة على الذكاء الاصطناعي لمساعدتها على تفادي التشويش والانقضاض على أهدافها، أما صاروخ كروز "فلامينغو"، وهو سلاح آخر حديث نسبيا في ساحة المعركة، فيتمتع بمدى يبلغ 1800 ميل، ما يعزز كثيرا قدرة أوكرانيا على تنفيذ ضربات ضد أهداف في عمق روسيا، وعلى الأرجح أن عددا من صواريخ "فلامينغو" ألحق هذا الأسبوع أضرارا كبيرة بأكبر مصفاة نفط روسية في أومسك، على بعد أكثر من 1500 ميل من خط الجبهة في أوكرانيا، ويبدو أن الأوكرانيين باتوا قريبين أيضا من إدخال صواريخهم الباليستية الخاصة الخدمة، ما سيزيد كثيرا القوة التدميرية للرؤوس الحربية التي يمكنهم إطلاقها على المواقع الاستراتيجية الروسية.

(أ.ف.ب)
مسيرة بعيدة المدى تنطلق من موقع غير معلن في أوكرانيا على يد عناصر كتيبة "كايروس" التاسعة التابعة لـ"طيور ماديار"، 16 مايو 2026

في غضون ذلك، يعمل مهندسون أوكرانيون على تصميمات جديدة للطائرات المسيرة يمكن أن تحدث تحولا جذريا في خط الجبهة عبر توسيع "منطقة القتل"، وهي المساحة التي يكاد يستحيل فيها على المشاة التحرك دون أن يتعرضوا للاستهداف، أوضحت ألينا فرولوفا، نائبة رئيس مركز استراتيجيات الدفاع ومقره كييف، أن المخططين العسكريين يحاولون توسيع هذه المنطقة من مدى يتراوح بين 20 و25 ميلا إلى أكثر من 40 ميلا. وعند هذه النقطة، قالت فرولوفا، يصبح الحفاظ على عمليات المشاة شبه مستحيل.

تمنح هذه الترسانة الآخذة في الاتساع المخططين الأوكرانيين نطاقا متزايدا من الخيارات، وتخلق متاعب لا حصر لها للروس، الذين يجدون أنفسهم مضطرين إلى اتخاذ خيارات صعبة بشأن توزيع منظومات الدفاع الجوي التي تزداد ندرة، وغيرها من الموارد المتناقصة، فكل بطارية مضادة للطائرات ينقلها بوتين لحماية موسكو وسان بطرسبرغ تعني بطارية أقل يمكن نشرها لحماية منشآت الطاقة ومواقع التصنيع الدفاعي في أماكن أخرى، فضلا عن خط الجبهة والأراضي المحتلة في أوكرانيا.

لا يتصور أحد في كييف غزوا شاملا لروسيا واحتلالها، فما الشكل الذي يمكن أن يتخذه النصر فعليا؟ لا تزال الإجابة ضبابية إلى حد ما، فقد أظهرت أوكرانيا بالفعل كيف يمكن لتحطيم لوجستيات العدو أن يفضي إلى نتائج دراماتيكية في ساحة المعركة، ففي عام 2022، اضطرت روسيا إلى سحب قواتها من مدينة خيرسون بعدما قطعت الهجمات الأوكرانية بأنظمة صواريخ "هيمارس" الأميركية خطوط الإمداد، وفي أواخر يونيو، انسحبت القوات الروسية من لسان كينبورن، وهو شبه جزيرة يمتد بعيدا داخل البحر الأسود، بعدما دمرت أوكرانيا صلاتها بمصادر الإمداد.

هزيمة القرم توجه ضربة قاصمة إلى نظام بوتين، هكذا يراها سياسيون في كييف

يتصور تقرير زاغورودنيوك حالة نهائية تكون فيها قدرة روسيا على خوض الحرب قد تدهورت إلى درجة تسمح لأوكرانيا، بوصفها "قنفذا فولاذيا" مسلحا جيدا، بردع الروس وإبقائهم بعيدا على نحو دائم، غير أن ذلك سيعتمد على الأرجح على استمرار الدعم المالي من أوروبا، وهو دعم قد لا يستمر إلى الأبد، خصوصا إذا وصل شعبويون يمينيون موالون لموسكو إلى السلطة في فرنسا وألمانيا وأماكن أخرى خلال السنوات المقبلة، أما في الوقت الراهن، فتبدو الأمور إيجابية: ففي قمة حلف شمال الأطلسي هذا الأسبوع، أكد الأوروبيون دعما قويا لأوكرانيا.

(رويترز)
وزير الدفاع السويدي بول يونسون خلال توقيع عقد توريد مقاتلات "غريبن إي" لأوكرانيا، كييف، 1 يوليو 2026.

لكن الأوروبيين ما زالوا يعلقون الآمال أيضا على محادثات سلام مع بوتين، رغم أنه من الصعب جدا العثور على أي شخص في كييف يعتقد أنه مستعد حقا للتفاوض على إنهاء الحرب، ويدرك الأوكرانيون، الذين يرجح أنهم يفهمون روسيا أفضل من أصدقائهم في الغرب، أن الشكل الوحيد من السلام الذي يمكن أن يقبله بوتين هو سلام يكرس مكاسبه وما يتجاوزها، بما في ذلك السيطرة الكاملة على دونباس، الذي لم تنجح روسيا إلا في السيطرة على جزء منه، وأي تلميح إلى التسوية يبدو غير وارد بالنسبة إلى رئيس روسي ربط مصيره إلى هذا الحد الوثيق بإخضاع أوكرانيا.

هنا تكتسب حملة القرم أهمية إضافية، فهناك أسباب استراتيجية وجيهة لإزاحة الروس من شبه الجزيرة، التي استخدموها ممرا للإمدادات إلى قواتهم في جنوب شرق أوكرانيا، وإذا خرجت القرم من المعادلة، فسيصبح الحفاظ على الوجود الروسي في الأجزاء التي لا تزال روسيا تسيطر عليها من زاباروجيا وخيرسون أكثر صعوبة بكثير.

(فانتور/ أ.ف.ب)
صورة بالأقمار الصناعية لمولدات دخان على جسر القرم بعد قصف أوكراني كثيف على شبه الجزيرة، 22 يونيو 2026

لكن التداعيات السياسية لانتصار أوكراني في القرم قد تكون أبعد مدى، يعتقد بعض صناع السياسات في كييف أن هزيمة روسية في شبه الجزيرة، التي لا يزال بوتين يعد الاستيلاء عليها في عام 2014 أحد أكبر إنجازاته، قد توجه ضربة قاصمة إلى نظامه، وقالت فرولوفا إن كثيرين في كييف يعقدون مقارنة بين بوتين ونيقولا الأول، القيصر الروسي الرجعي المتشدد الذي أمسك بالسلطة 30 عاما إلى أن مات رجلا محطما في عام 1855، نتيجة هزيمة مذلة في حرب القرم.

الروس قادرون على حشد عدد أكبر من الجنود، ويملكون ترسانة باليسيتة كبيرة


رغم النجاحات اللافتة التي حققتها أوكرانيا، لا تزال استراتيجيتها الكبرى تواجه تحديات خطيرة، فما زالت روسيا تمتلك موارد هائلة، وهي تملك ترسانة كبيرة من الصواريخ الباليستية، لا تملك كييف سوى دفاعات محدودة في مواجهتها، وقال ترمب هذا الأسبوع إنه قد يمنح الأوكرانيين ترخيصا للإنتاج المشترك لنوع غير محدد من صواريخ "باتريوت" الاعتراضية، وهو ما قد يساعد في تخفيف جزء من المشكلة على المدى الطويل، ولا يزال الروس قادرين على حشد عدد أكبر بكثير من الجنود، وهي فجوة قد تتسع أكثر إذا مضى بوتين قدما في خطة تعبئة تتردد أنباء عنها يمكن أن تضيف مئات الآلاف من الرجال إلى جيشه.

تقوم الخطة في الوقت الراهن على مواصلة الضغط على موسكو إلى أن ينكسر شيء ما، ولعل ذلك يحدث، من أجل الأوكرانيين، عاجلا لا آجلا.

font change